رجب حاجي يكتب لكم: ولما لا تكون ذكرى يوم استقلال بلادنا وقفة تأمل؟…

ذكرى يوم استقلال

 

كتب: رجب حاجي

من الواجب، أن نقف في هذا اليوم الأغر من كل سنة، يوم 20 مارس، يوم استقلال بلادنا، وقفة نترحم فيها على الأرواح الزكية التي بتضحيتها بالنفس والنفيس، كانت وفية للوطن…

مأربها النّهوض به، وإصلاح مساره، ودعم دولته المدنية، وحماية كيانها، نحو أكثر تقدم لمواكبة عصرها، و ارجاع مكانتها بين الامم الراقية، تعتز بأصولها، وتباهي بما وصلت إليه تحت قيادة رشيدة، كرست حياتها لمصيرها، حول زعيمها الفذ “الحبيب بورقيبة” طاب ثراه، ومن حوله من رجالات، اذكر من بينهم من عرفته عن قُرب، وعملت تحت امرته، عشرات السنين شاطرت فيها أفراحه وأتراحه…وقد أحيت ذكراه الرابعة “بوحجر”، مسقط رأسه…

فتوافدت على قبره أجيال من كل أنحاء الجمهورية، لقراءة الفاتحة، اعترافا بجميله في خدمة تونس، وولاءه عن دراية للمنهج البورقيبي، و الدفاع عنه بالحجة والبرهان، وإن تعثرت البلاد في السنوات الاخيرة، ولم يهتد حكامها الى إخراجها من المأزق، ولكل جواد كبوة تلك هي أحكام التاريخ، الذي هو بالمرصاد يدوّن العثرات ويمجد الكفاءة، ويدوّن مراحل الانجازات، والمشاريع وانتشارها في جميع أنحاء الجمهورية، رغم قلة الموارد، وصعوبة جذبها اليوم في مناخ سياسي طغى عليه “الأنا”، وتكاثرت فيه الرشوة بأنواعها ونحلها…

ولم يأت اليوم المنتظر لاسترجاع الدولة أموالها المنهوبة، ولا كيفية الحد فيها من انتشار الاقتصاد الموازي، وطغيان “السياسة الفاشلة” على الاقتصاد الحقيقي، ومراميه في مخطط خماسي، يفتح الآفاق، ويبعث الأمل، في شباب هجر البلاد، ويبحث عن “الحرقة” بكل الوسائل، ولو أدت مغامرته الى الموت.

كالرجل الواحد…

إن مظاهرات 20 مارس  1956 الّتي عاشها أهلنا هي من روائع تاريخ أمتنا، تمّ فيها نبذ الخلافات بأنواعها، و المأمول أن تعاد اليوم، وتأتي فيها  الجماهير كالأمس، من كل صوب وحدب، بمختلف فئاتها، لتنادي بذكرى فرحة استقلال البلاد، وبالوقوف من جديد كالرجل الواحد، وراء من يحكمها اليوم،  هذا الموقف هو اختيار منهجي ضدّ الأخطار التي تهدد كيان الشعب، هذا الشعب الذي كتب على نفسه الدفاع عن وجوده، وصيانة مسيرته، بكل الوسائل الممكنة نحو الاستقلال التام أولا، ثم الدخول بقوة في عصر البناء والتشييد، ويحقّ له الدخول في عهد جديد لاستخلاص درسا وعبرة من تاريخه، ولسن سياسة المشاركة التي يختارها على مصراعيها، ورفض كلّ منهج غير مبني على المساواة المطلقة في الحقوق والواجبات، وكل يوم تاريخي يدعونا الى الوقوف عنده، لوقفة تأمل واستشراف، لأن النقد سهل لكن الحكم بشفافية صعب.

سير ذاتية مفيدة

بعد أن أزاحت الثّورة المباركة النظام الدكتاتوري، وشهّرت بأتباعه وحلفائه، وطوت تاريخه بلا رجعة في داخل البلاد وخارجها۠،  تاركة للمؤرخين وحدهم، اهل الذكر والمعرفة، الحكم القاطع، ومعذرة إن لم اتطرق الى اعادة سرد التاريخ أو النقد او الاشادة في مقالي هذا، لأني أعتقد انه جميل ان تكتب السير الذاتية، فهي مفيدة شكلا ومضمونا لأصحابها، لكن لا أعتقد أن رواية الأحداث والتباهي بها بدون أدلّة علميّة موثّقة له قيمة، بل تبقى تجربة  فرديّة، لا تفيد لا من حيث المنهج، ولا من حيث البحث، لأنّها في معظمها  ينقصها البعد التّاريخي، ويغلب عليها حبّ الأنانيّة، وهي رواية أو صفحات من ذكرى بحثا عن الشهرة،  ولم يستخلص الكتاب مع الأسف من تجربتهم، ما غاب عنهم، عند توليهم المسؤوليّات في الحكم أو المعارضة خارجه…
وإن كان احتفالهم بالذكريات هذه المرة ينم عن استعداد لطي صفحات الماضي، واعتراف، ولو على مضض، بأخطائهم، لعدم تصورهم لإدارة الحكم، وما يمليه من قدرة، وشفافية، وتبصر، لانهم كانوا على الربوة، ولم يكونوا فاعلين في التاريخ، من قرب أو عن بعد، والرجوع اليوم لحث منخرطيهم للاحتفال بالذكرى لدليل على استعدادهم  للنقد الذاتي، عند كل من تحمل مسؤولية، وغابت على أغلب هؤلاء، أرضيّة نجاح الخيار الديمقراطي، على أسس قوامها العدل والشفافية، واليد المفتوحة للغير، والعمل على إنقاذ البلاد من ما غاصت فيه من وحل، جذوره امتدت الى ابعد الحدود، ولا يمكن أن يكون ذلك، مهما تواجدت النوايا الطيبة، على ايدي من كانت حقائقه مبتورة، بعيدة كل البعد عن الواقع، ولعمري سيرهم الفردية يراد منها اصلا تصفية الحسابات، لا تهيأ الى المشاركة في الإصلاح الجماعي، لمن يريد الخير للبلاد.  

زعامة ماذا؟

جميل أن يكون هذا المناضل أو ذاك، عند مناصريه مخلصا، يدّعي الزّعامة، مظهرا تلك الشّخصيّة المريحة الّتي بيدها الحلّ والعقد، متناسيا أنّ أهل جيله يعرفون واقعه عن كثب، وما آلت إليه تونس من دمار، لم توضّح في خطاباتهم ولا في كتاباتهم، ولا في جيوش “الفايس بوك” المنتصبة من مناصريهم، ورجائي للّذين مارسوا الحكم ومسؤوليّته، أو كتاب الروايات الظرفيين، التّخلّي عن الاطراء، و مغالطة التاريخ وترك أجيال أخرى، تواصل النقد، وتواكب العصر، وتحقّق أهداف الثورة، وتكون بحقّ قدوة يستفاد من تجربتها، و ليتركوا الزعماء وشأنهم للتاريخ، ويبرزوا ان كان لهم في تاريخهم البديل لما حققته دولة الاستقلال بقيادته في التربية والصحة والسكن والبنية التحتية… وما الى ذلك من انجازات تذكر، لمن شارك فيها عن طواعية ووعي، وليتغرد الغرباء وأهل الرجعية، بما يكنون من حقد وكراهية، تنقل ضوضائها صحافة ووسائل إعلام مأجورة، بعيدة عن الحس الوطني، تهيمن عليها الأخبار الشائعة والنميمة، وغايتها ليست الأصداء بالحقيقة، وإبداء الرأي النزيه، لكن الاتّهامات الباطلة، لأنها دون بحث ولا مؤيّدات، ويمكن وصفها بـ “المفبركة”، بل علينا جميعا بالمطالبة بفتح المحفوظات للعموم، ليركن الى الصّمت، من أخذ من التظاهر في الشاشات، مطية لتنوير مساره، والتنكر لبلاده، وتلويث سمعة زعمائها، ولو كان للمتطفّلين على التّاريخ دراية، لكان من الأجدر بهم، تركه للمؤرّخين، لكن المصيبة العظمى التي تعاني منها البلاد، هي من الذين  يدعون أنهم النخبة، فما هي خيارات اقلامهم؟ وما هي البدائل التي يطرحونها  لتوجيه المسار الى الافضل؟ وما هي البدائل التي تطرحها الاحزاب؟ والسؤال المطروح لماذا غابت عليهم الاقتراحات، وتشبثوا

بمحاولة إخفاء عجزهم وحتى انتماءاتهم الفكرية؟                                                                            
  نظام البورقيبية أما ثمرة نظام البورقيبية، الذين نالهم شرف تقليد وسام الاستقلال، وفاؤهم  للقيم ثابت على مر الزمن٬ انخرطوا في الحزب الاشتراكي الدستوري، وكانوا  دعامة لتوجهاته، داخل البلاد وخارجها، لاعتقادهم أن مبادئه، جملة وتفصيلا، تمثّل الطّريق السّوي لجر البلاد إلى أكثر تنمية، وأشملها، والى أكثر ديمقراطية، وقد حان توسعها، وان قيامهم معروفة، وتاريخهم النضالي كذلك٬ وهم على استعداد دائم للمحاسبة على ما قاموا به عند توليهم المسؤولية، ولن يبخلوا على تدعيم اختيار الشعب إذ اختار نموذج المشاركة ، وأنا من رواده، وناضلت من أجله٬ وطبق مبادئه في تولي رئاسة بلدية “ملولش”، وانجزت فيها الكثير، وذلك عربون وفاء للشهداء الأبرار، على مراحل تاريخ البلاد، الذي أعتز به جملة وتفصيلا .

يقظة مستمرة

   ورجائي ختاما لمن ادعى المعرف، وأطنب في ذكر من لا يعرف نضاله، التّخلي عن هذا المنهج٬ فالثّورة المباركة تشق مسارها بكل روية، ولا يمكن اليوم لأحد الرّكوب فوق القطار الّذي يجري لأنّ شعبنا الأبيّ على يقظة مستمرّة٬ وشباب الثورة بذكائه الحادّ، وطموحه المشروع بالمرصاد ومؤازرة للثّورة المباركة ادعوا مجددا٬ كلّ الّذين وقع توسيمهم في العقود الأخيرة بتلك الميداليات الذهبية الّتي هي ذات وزن مرموق، والتي طبعت خصيصا للموالاة، إلى إعادتها إلى البنك المركزي، ويكون ذلك مساهمة منهم في طي صفحة الماضي.                                                                                

 هوامش                                            

رجب حاجي : دكتور في الاحصائيات- دكتور في الاقتصاد- شهادة تكوين مستمر

بجامعة هارفارد الأمريكية – ألف أربع كتب في علم الإحصاء في المستوى الجامعي- أول رئيس بلدية ملولش- شغل رئيس ديوان المرحوم محمد الصياح عشرات السنين و رئيس ديوان وزيرة الصحة ومكلف بمهمة في اختصاصاته لدى رئيس مجلس نواب الشعب محمد الى غيرها من المسؤوليات الوطنية.