رفيق عبد السلام: قيس سعيد سجين نفسه وعوالمه الداخلية لم يدرك أنه يشغل منصبا سياسيا…

كتب: رفيق عبد السلام

مساء الخير علينا وعليكم مثل الذي ألقينا
رد الرئيس قيس سعيد بشأن المحكمة الدستورية يمكن أن نتوقف عنده شكلا ومضمونًا من الأوجه التالية:

أولا: النص يفيض بمنزع استعلاء ونرجسية فائقين، فقد بدأ الرجل بتسمية نفسه من موقع التفخيم والتبجيل للذات (أنا قيس الرئيس) ولم يكلف نفسه تسمية مخاطبه (اكتفى بذكر رئيس مجلس النواب ) جريا على تقاليد المراسلات الرسمية.
ومن عادات العرب في الكلام نداء الناس بأسمائهم احتراما وتقديرا، والفرق واضح بين أن تقول يا فلان بن فلان، وبين أن تقول يا صاحب صفة كذا أو كذا من دون ذكر الاسم، وما يحمله ذلك من معاني التبخيس والتحقير.
ثانيا: قيس يسلم على نفسه قبل أن يسلم على غيره بما يوحي بالتمحور حول الذات حد القول بأنه سجين نفسه وعوالمه الداخلية، وهذا الأمر يُعرف في علم النفس بالنرجسية المرضية وفِي عالم السياسة يسمى بالغربة والاغتراب، وكأن رئيسنا المبجل قادم من كوكب آخر كما ذكر هو قبل غيره.
ثالثا: سعيد أنهى رسالته بالسلام على من اتبع الهدى، في استعارة لرسائل الرسول صلى الله عليه وسلم، لهرقل والمقوقس والنجاشي وغيرهم من غير المسلمين ، وكلنا يعلم أن الرسول الأكرم له مقامه الخاص ووضعه المميز، وقيس سعيد ليس بنبي ملهم أو رسول مبلغ.. وما تضمره الرسالة أن قيس يحمل في ذاته معاني الهداية والرشد، مقابل من يخاطبهم من أهل الضلال والغواية، بما يوحي أن الرجل يستبطن نزوعا نحو التكفير ويرى نفسه المهدي المنتظر أو المسيح المخلص الذي جاء ليملأ الارض نورا بعد امتلأت غواية وجورا.

قيس سعيد قطع الشك باليقين برفضه المطلق لتكوين المحكمة الدستورية جملة وتفصيلا

رابعا: من الناحية المضمونية قيس سعيد قطع الشك باليقين برفضه المطلق لتكوين المحكمة الدستورية جملة وتفصيلا، وبما أنه يرى إرساءها اليوم أو غدا يقع خارج إطار الشرعية والدستور، فإنه مصمم على احتكار تأويل الدستور بألاعيب قانونية وتقعّر لغوي وتفَيْقه مصطنع، علما وأن تجاوز الآماد الزمنية يسري هنا على هيئات دستورية أخرى منتصبة وأنه فتح هو ما فتح لقيس سعيد نفسه أبواب قصر قرطاج
خامسا: قيس سعيد لا يرى عملية التوقيع اجراءا مكملا لما يسنه البرلمان، بل إجراءا أصليا وتكوينيا يفوق ما يصادق عليه مجلس نواب الشعب. فالرجل يضع نفسه في موقع “السلطان العالم” الذي ينفرد بالفتوى والتوجيه والتسديد لأنه يوقع نيابة عن رب العالمين، استنادا الى بعض المعاني التي أوردها ابن القيم الجوزية في كتابه “بغية الموفقين من إعلام الموقعين عن رب العالمين”.

سادسا: استدعاء مقولة التوابع التي تتلوها الزوابع والصواعق بما يوحي بأن الرجل مسكون بعالم التوابع (من الإنس والجان) التي تعشش في الغرف المظلمة وتنسج المؤامرات والدسائس من حوله..
أخيرا، قيس سعيد لم يدرك بعد أنه يشغل منصبا سياسيا بامتياز يقتضي تقدير مصالح البلاد والعباد بدل استغراق الجهد في الألاعيب القانونية والحيل الفقهية المكشوفة التي يراد منها تكبيل الدولة وتعطيل المؤسسات.