صدر حديثا عن دار الشنفرى بتونس : “كتاب مفاخرة الجواري والغلمان” للجاحظ

في سلسلة “تِبْر التراث” صدر حديثا عن دار “الشنفرى للنشر والتوزيع” للجاحظ عَمْرو بن بحر “كتاب مُفاخرة الجواري والغِلمان” بتقديم من الدكتور “مصطفى الكيلاني”. بغلاف للفنان السوري “رامي شَعبو”، ضمَّ بطيّتيه صورة متخيّلة للجاحظ على طابع بريد أصدرته الجمهورية العربية السورية سنة 1968، وسيرة موجزة للجاحظ .
أمّا المتن الذي وَقَعَ في 92 صفحة ، قياس 11/18سم، فقد ضمّ بدوره كلمة الناشر ، يليها تقديم الدكتور “مصطفى الكيلاني” بعنوان “النصّ الآسر – بهجة القراءة” ، يليها الكتاب : مفاخرة الجواري والغلمان الذي تصدّرته مقدّمة الجاحظ ثمّ “مناظرة بين صاحب الجواري وصاحب الغِلمان” ثمّ “طُرَف وملَح”، ثمّ الفهرس.
ويُباع الكتاب بثمن قدره 12 دينار تونسي ، في تونس العاصمة بمكتبة “بوسلامة”-باب بحر، ومكتبة “المعرفة” – ساحة برشلونة ، ومكتبة “العيون الصافية”- خلف وزارة المرأة، ومكتبة “الكتاب”- شارع الحبيب بورقيبة. وفي مدينة أريانة في مكتبة “العين الصافية”-شارع أبو لبابة الأنصاري بالمنزه السادس ومكتبة COPIE في حيّ النصر.وفي مدينة سوسة في مكتبة “قاسم” قرب محطة القطار،و “المكتبة الحديثة” مصطفى الكناني قُبالة معهد الطاهر صفر بسوسة، ومكتبة “ابن سينا” – حمّام سوسة، ومكتبة “الخدمات السريعة” بن عمر –المنشيّة-حمّام سوسة .
ونقتطف من مقدّمة الدكتور “مصطفى الكيلاني”:
“… والجاحظ هُو السابق لا اللّاحق، والأكثر تَحَرُّرا في تناوُل موضُوع الشهوة الجنسيّة وتَقْضِيتها مِن عُلَماء الباه اللَّاحقين مِمَّن ذكرْنا بعضهم، إذْ أفاض القَوْل في الزِنا واللّواط.
وما أَسْماه المُتَشدّدُون في الدِّين رَفَثا (فُحْشا) لم يَعُقه عن وصف الحياة الجنسيّة كما هِي في عصره مُنتصِرا للطبيعة والدِّين معا بِالعَقل، ومَنهجُه العامّ المَرْجعيّ هُو الحَياة طبيعةً والطبيعة حياةً بِما لا يُفارق اعتِقادا بَيْن الخَالق والمَخلُوق. فَكَما حرص على مُغالَبة الملل واجه بِعقلانيّة المُعتزِلة الحرج الناتج عن المُبالغة في القَوْل بِالرَفَث مُبرزا الواقع كما هُو بَدَلا عن المثال المُرْتجى الماثل بِقُوّة فِكرا تَحْرِيمِيّا.
كَذَا الحَياة الجنسيّة في عَصْر الجاحظ تُبِيح في الواقع كُلّ المحظُورات الدِينِيّة عَلَنا أكثر مِنه استِتارا، بِما يُشبه تحرّرِيّة (Libertinage) عَدَد مِن الشُعراء والفنَّانِين مِن رسّامِين ومُوسِيقِيّين فرنسِيّين خِلال القرن الثامن عَشر، يَلٍيه انتِشار هذا النوْع مِن التفلُّت داخل المُجتمعات الغربيّة إلى اليَوْم.
فواقعيّة الجاحظ تطلّبت نزْع القداسَة في بَدْء النَصّ عن الرسُول وصَحابته وإظهار ما كانُوا يلهجُون به مِن ألفاظ تبدُو للمُتَشدّدين في الدِّين نابِيَةً، وذَلِكَ لِحاجةِ اللِّسان أحيانا إلى الإفصاح الحُرّ المُنفلِت عن حال مِن الشهوة والانفِعال الناتج عنْها. وحُجَّةُ الجاحظ المُعْلَنَة في هذا المَجال ما مَفاده أنَّ لِكُلّ “مَقام مَقالاً”، فَكَما يتغيّر المَقام (السِياق) يتغيّر المَقال (القَوْل)، كالحُكم المُتغيِّر هُو الآخر، وكَالحَقِيقة المُتبدِّلة حِينا بَعْد حِين بِالمُنْسجِم فِكرا مع مفهُوم الحَقِيقة أو اللَّا- حقيقة السُفسطائِيّ المُعتزَلِيّ. إلَّا أنَّ المُتغَيّر الدائم، هُنا، لا يتناقض وفِكرةَ الثابت وُجودا وموْجُودا ومُوجِدًا.
إنَّ الواقع الّذِي ينفتح عليْه العَقل (عَقل الجاحظ تحْدِيدا) هُو واقع مُجتمع تزدحم مَشهَدِيّتُه المَوْصُوفة في نَصّ رِسالَة “مُفاخَرَة الجواري والغلمان” بِالكَثِير مِن الصُوَر والحَرَكات، لِيَتراءَى لحظةَ القِراءَة مُتَعَدّدًا في واحد، بِوافر الأهواء والمَشارب الفِكريّة والأديان، وإنِ الإسلام هُو دِين الدوْلة الحاكِمة والمَذاهب والمِلَل والنِحل. وإذَا هُو مُجتمع التنوُّع بِناءً على هذا التَعَدُّد، بِتناظُم خاصّ تُشبه مَجالس اللَّهو فِيه مجالس الجنّة الموْصُوفة قُرْآنِيّا حيْث لا معنى فِيها للحَرام والتَحْرِيم، وإِنْ لِهَذا المُجتمع العَبّاسِيّ جَحِيمه أَيْضا غَيْر المُعْلَن نتيجةَ مَوْصُوف الرغبة وفائق الاشتِهاء.
هُو التَسَلِّي اتّبع الجاحظ نهجه لِطَرْد المَلَل واصِفا حَياةً يسعد فيها المَرْء بِمُختلِف اللَّذائِذ الجِنسيّة الحِسِّيّة والمُتَع العقلِيّة، وذَلِك بِأُسْلوب “المُفاخَرة” تناظُرا ومُناظَرَةً، بِما يُقابل بَيْن رأي ورأي آخر، بَيْن راغب في الجواري وآخر في الغِلمان.
والجاحظُ في عرض هذا المَشهد عَيْنٌ رائِيَة وعَقلٌ مُقارن يَبدُو في الظاهر مُحايِدا مَوْضوعِيّا. إلَّا أنّنا ونحن نستقرئ ما بَيْن السُطور نستشفّ ميْله إلى الجِنس الطبيعيّ بِالمُزدَوج (رَجُل- امرأة)، وبِما لا يتعارضُ مع الدِّين.
مُختصرُ القَوْل أَخِيرا: إنَّ لِهَذا النَصّ الجاحظِيّ بهجته الخاصّة، إدْهاشه بِما يتضمّنه مِن ثقافة جنسيّة هِي بعضٌ مِن مُجمل الثقافة العربيّة الإسلامِيّة الّتِي لا تُفارق مفهُوما مَرْجعيّا بَيْن الجَسَد والرُوح، وَبَيْن الحِسّ والعَقل، وَبَيْن الواقع والغَيْب، فلا تغبط بِذَلك الإنسانَ حقَّهُ في الحَياة، مُنتَصِرَةً، كما أَسْلفنا، للطبيعة والعَقل.
كَذَا مُحتوى الرِسالَة، وكَذَا أُسْلوبها أَيْضا القائم على أداء لُعْبة المُحاجَّة المازِحَة جدّا، الجادّة مَزْحا، بِما يُمْتِع وَيُؤنس مَعًا في ظاهر المقرُوء، وبِما يُفِيد فِكرا في مُتضمَّن المَعانِي الماثِلَة بَيْن الكَشف والإخفاء.”