صلاح الدين المستاوي يكتب/ رمضان مع الجالية في فرنسا: إشراقات ربانية ورحمات إلهية

كتب: محمد صلاح الدين المستاوي
للعام الثاني وبسبب هذه الجائحة (الكورونا) التي ألزمتنا حجرا صحيا منعتنا به حتى من ارتياد بيوت الله في شهر القيام وعمارتها بذكر الله فضلا عن ما منّ به الله علي ووفقني الله إليه شخصيا طيلة ما يقارب من ثلاثة عقود من عمر الزمان( من بداية تسعينات القرن الماضي ) فقد ظللت اقضي اغلب ايام وليالي هذا الشهر المبارك مع أهل لي آخرين واخوة لا يجمع بيننا نسب ولا اية رابطة من الروابط الدنيوية الزائلة. اخوة واحبة من تونس ومن الجزائر ومن المغرب ومن بقية البلدان الافريقية والعربية والاسلامية المقيمين في المهجر في بلاد غير بلاد الإسلام ولكنها بلاد الله اما للعمل اوللدراسة او لاي سبب اخر ولكنهم ظلوا يحرصون على احياء ليالي هذا الشهر بالعمل الصالح بمختلف أنواعه مع ما يكلفهم ذلك من مشاق واتعاب يجدون في مواجهتها والتغلب عليها واغتنام هذا الشهر متعة في التزود بخير زاد ( والأجر على قدر النصب والتعب والمشقة) فهنيئا لهم بهذا الفضل وهنيئا لهم بالأجر والثواب العظيم من رب كريم سبحانه لايضيع اجر من احسن عملا.
▪ ذكريات استرجعها واتذكر ما فيها من اشراقات أنوار ربانية وكان لي شرف معاينتها والانغماس فيها انغماسا ينسى الأهل والابتعاد عنهم في مناسبة اجتماعهم الى بعضهم البعض على مائدة الإفطار. تنسي أجواء رمضان مع الجالية المسلمة ذلك كما تنسي مشاق السفر ( والسفر قطعة من عذاب) لما فيه من عدم استقرار وما فيه من تغير لما تعودت عليه النفس في الماكل والنوم وو ولكن ذلك يتغلب عليه بعون الله وبالصبر وما صبر المؤمن إلا بربه وبعونه. فإذا بالمشقة والتعب يصبحان راحة ومتعة ينتظر علىها صاحبها الجزاء والثواب من الله. ويقول الواحد سبحان الله كيف استطيع ذلك( في النهار انتقال بوسائل النقل العامة في الغالب وفي الليل ومن بعد صلاة العصر تنقل من مسجد الى مسجد ومن مصلى الى مصلى من مرسيليا ونيس وكان مرورا بليون وكلير مون فرن وصولا الى باريس في احيائها في المنطقة الخامسة و بالفيل وكورونا مونتراي و فوبور سان دني و سان سان دني وارجنتاي وصولا الى ايفري و سفران و كراي و روون وو مما لا يحضرني من أسماء الأحياء والمدن والأحياء في المساجد والمصليات مساجد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال (بسان دني) ومركز التربية الإسلامية مشاركا في ندواته ومختلف أنشطته ومسجد باريس الكبير ولا انسى ما اتاحته لي مشكورة إذاعة شمس في باريس والسلام في ليون من فرص تقديم حصص دينية لا تزال تبثها وتفيد بها مستمعيها وما هذه المساجد والمصليات الا عينة من غيرها وهي بالعشرات بل بالمئات في كل أنحاء فرنسا اين يرابط الى ساعات متاخرة من الليل شيوخ مسنون وكهول لايزالون يباشرون الاعمال المنهكة ومع ذلك يجمعون الى العمل الصيام والقيام ويحرصون على الحضور لما ينتظم من دروس ومسامرات تسبق صلاة القيام التي يحييها ائمة حفاظ مهرة بالقران من ابناء الجيل الثاني والثالث من مسلمي فرنسا. صلاة تمتد إلى ساعة متأخرة من الليل.
ذلك هو صيام رمضان أو بعض من أيامه ( العشر الاواخر) في هذه الأجواء الربانية التي لا يمكن للقلم او اللسان ان يعبر عما فيها من اشراقات ورحمات وتجليات. انها اجواء التآخي في الله والتعاون على البر والتقوى كل بما هيأه الله له وأعانه عليه. وما اجمل موائد الإفطار الرمضانية التي يكاد لايخلو منها مصلى أو مسجد والتي يرتادها العشرات والمئات من المسلمين ومن غير المسلمين ممن يجدون فيها الدفء والحنو وهوما لايجدونه من ذويهم الذين هجروهم وصرفتهم عنهم شواغل الحياة المادية ووجد هؤلاء العوض لدى المسلمين والذين الكثير منهم يظل متسمرا على كرسي يتابع قارئ القرآن القائم به في الصلاة يرتله ترتيلا وكثيرا ما يكون ذلك سببا في إشراق نور الاسلام في قلوب هؤلاء فيختم لهم الله بأحسن خاتمة ويغادرون الدنيا على شهادة ان لااله الا الله وان محمد رسول الله.
▪ تلك هي أجواء رمضان مع المسلمين خارج ديار الإسلام تهيا لي ان اعيشها وأسعد بها واساهم فيها بجهد المقل شعورا مني بالواجب نحو هؤلاء الذين الجات الكثير منهم ظروف الحياة الصعبة أن يكونوا للعمل و لغيره خارج ديار الإسلام ووفقهم الله الى الحفاظ على عقيدتهم وأن يجتهدوا في ممارسة شعائر دينهم ولو بمشقة ولكن بصدق وبتمسك بعيد كل البعد عن التزمت والتعصب.
▪ لقد سعدت بصحبتهم وبالعيش معهم طيلة سنوات في مثل هذا الشهر المبارك ووجدت من العديد منهم كل العون والمساعدة من أجل المساهمة بعض الجهد في الإرشاد والتوجيه القويم الخالص والخالي من كل الشوائب ولعل ذلك هو السبب في دوامه واستمراره واسال الله ان يهيئ سبيل استئنافه فيما بقي من العمر إن كانت فيه بقية واترحم على من غادرنا منهم الى دار البقاء وان يجمعنا بهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر وادعو الله لمن ينتظر ولم يبدل تبديلا بدوام التوفيق والإعلان عن العهد معهم بأن نواصل السير معا في هذا الدرب درب العمل للإسلام والدعوة الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والله وحده الموفق والمسدد و المجازي على العمل الخالص لوجهه الكريم.