عيسى البكوش يكتب: ‘أعطوني مدرسة أعطكم شعبا عظيما’

مدرسة

كتب: عيسى البكوش

إنّ الحديث عن المدرسة ذو شجون، فما بالك بالحديث عن الحديث….لقد تكلّم الوزير والمربّي والنقابي والوليّ، وطالب الجميع بالإصلاح من جديد.

وإذا ما استثنينا إصلاح محمود المسعدي (1911-2004) عند الاستقلال فإنّ الإصلاحات الأخرى التي ارتبطت بالخصوص باسمي الوزيرين محمد الشرفي (1936-2008) ومنصر الرويسي (1940-2021) لم تُعمّر ولم تُثمر.
ولعلّ الرّاهن يفرض على المجموعة الوطنية استنهاض الهمم وملاءمة المنظومة التربوية لما هو سائد في البلدان الرائدة في المجال.

لا شرقية ولا غربية

فلنكف عن الحديث عن الإصلاح هاته العبارة التي أضحت ممجوجة ولننكب على تأهيل مدرستنا.
إنّ المدرسة مدارس ومدرستنا نريدها تونسية لا شرقية ولا غربية أصلها ثابت في إفريقية وفروعها ضاربة في الكون وهو ما ليس بالعزيز على مدرسة هي وريثة زيتونة التنوير وصادقيّة التحرير،
أ لم تكن إفريقية وهو الاسم العتيق لتونس مصدر إشعاع شرقا وغربا. فلنتذكر جامع الأزهر في مصر الذي لمع فيه علماء تونسيون وجامعة القرويين في المغرب التي شيّدتهما عقول تونسية ولنستحضر ما أنجبته هذه الأرض الطيبة من أعلام شغلوا ويشغلون الفكر الكونى وكان علمهم ومازال يدرس ويدرّس في معظم جامعات الدنيا، ولتأخذنا العزّة بما تبذله آلاف الأدمغة التونسية اليوم مساهمة منها في تقدّم المعرفة في بلاد شقيقة وصديقة.
إنّ مدّنا الجسور نحو الآخر هو أمر متجذّر في تقاليد شعبنا الذي هضم كلّ الحضارات المتعاقبة على موطنه مضيفا إليها في كلّ مرّة نتاج عبقريته وملامح خصوصيته.

ما هي غاية التعليم؟

إنّ التحوّلات التي تهزّ العالم بسرعة مذهلة تملي على المهتمين بشؤون التربية والتعليم لا فقد واجب مواكبتها بل وبالخصوص ضرورة استباق حدوثها…
ولكن لنبدأ من البداية ما هي غاية التعليم؟ هل هي تلقين العلوم والمعارف والوقوف عند هذا الحد وهو ما يؤدّي إلى ما اصطلح على تسميته بـ(حشو الجماجم) أم أنّها مثلما هو مطلوب اليوم في زمن سيطرة العقل إذكاء بذرة الفكر التأليفي عند جمهور المتعلمين حتى يعوا ما يتلقونه من نصوص ومعلومات ويعرضوا كلّ ذلك على محك الشرح والتحليل وعندئذ ينشأ العقل النيّر وتينع الرؤوس المحبوكة الصنع لا المرصوصة الخزن.
ثمّ إنّ هناك مسألة ثانية: هل إنّ المدرسة مازالت تقوم بدور التربية علاوة على كونها موضعا للتعليم؟.
إنّ الرأي عندي هو أنّ المدرسة وإن قامت فيما مضى بهذه الوظيفة التربوية وذلك إلى حدود الستينات، فإنّ المجتمع بكلّ مكوناته أصبح مسؤولا عن تربية الناشئة، فتواجد الوسائل السمعية البصرية داخل كلّ بيت ثم تعاظمها وفتح عديد الفضاءات فيما يسمّى بالبيئة الثالثة وتنامي المستوى الثقافي لدى الأسرة، كلّ ذلك ساهم ويساهم باطراد في معاضدة المدرسة في كل أدوارها ومع ذلك تبقى هاته المؤسسة التعليمية متميزة بكونها المجال الذي يكاد يكون وحيدا والذي يجد فيه المتعلمون والمتعلمات القدوة والمثل، فرجل التعليم – أو إمرأة التعليم- كثيرا ما يكون للتلامذة النبراس الذي به يهتدون فكيفما كان يكونون ولذلك استوجب على المجتمع الذي يودع أثمن ما عنده لدى هذا الرجل أو هذه المرأة أن يوليهما المقام المحمود في سلّم القيم ولنتذكر أنّ المعلّم كاد أن يكون رسولا.

الإجلال للمدرّس

وفي هذا الصدد يجدر بنا أن نسوّي بين كافة المدرّسين وأن نضفي على المعلم صفة أستاذ التعليم الأساسي موازاة بأستاذي التعليم الثانوي والتعليم العالي وذلك يعدّ من باب الإجلال للمدرّس الذي هو حجر الزاوية في كلّ عمل إصلاحي. فالغاية تبقى بالطبع الرفع من مردودية المنظومة التعليمية ولكن المحور هو بالأساس الرجل – أو المرأة – الذي بفضل كفاءته وتفانيه تتحقق أرقی النتائج ومن أهمّها على الإطلاق المساعدة على تحويل الأشخاص الذين بين يديه إلى شخصيات سيكون لها ربما شأن عظيم.
إذن فمهمّة المدرّس خطيرة، فهي تتجاوز الحدود الكلاسيكية للمهنة ولذلك فهي تشترط الى جانب توفر الاستعداد ما اصطلح على تسميته بـ البيداغوجية.
ولعمري قد يبدو هذا البعض بديهيا ولكن التجربة المعيشة تبرز أنّ كثيرا من الإخفاق مردّه في غالب الأحيان غياب التحكّم في الطرق والأساليب التي تمكّن التلاميذ من استيعاب المواد المقدمة لهم، ومن ثمّة كان لا بد على كلّ من يروم دخول الفصل التحصيل على أهلية التعليم كلّ حسب المرحلة التي هو بها وحسب المادة التي يختص فيها.

زمن الاختصاص

وعلى ذكر المواد لا بد أن نقر بأنّه لم يعد ممكنا اليوم والمعرفة تتقدّم بشكل مدهش أن تقوم المدرسة بتلقين كلّ العلوم. لقد انتهى زمن الرجل الموسوعة وأقبل زمن الاختصاص وربّما اختصاص الاختصاص ولذلك يتعيّن على واضعي البرامج أن يكونوا أكثر تواضعا وأن يختاروا في فسيفساء المعرفة ما يمكن تلقينه داخل أسوار المدرسة وأن يتركوا للفضاءات الجديدة ما يمكن أن تضيفه للتلميذ ولربّما يهتدي السادة المبرمجون للتنصيص على مواد إجبارية ملزمة للامتحان ومواد اختيارية غير ملزمة ولكنها ذات جزاء لمن تفوّق فيه.
أقول هذا لأنّ زمن الدراسة خاصة في المرحلتين الأولى والثانية أصبح بفضل كثرة المواد ودسامتها زمنا منهكا لا يبقي ولا يذر. فأين زمن الإيقاظ يا ترى؟ هل أنّ المدرسة اليوم توفّر لأبنائنا وبناتنا الحق في العيش فيما يسمى بالوسط الثالث؟ هل لهم أو لهنّ ما يكفي من الوقت للاستمتاع بالموسيقى أو بتعاطي نشاط رياضي أو مسرحي أو غير ذلك من مجالات التثقيف؟
إنّ الوقت حان لا إلى العودة إلى ما كان يدعو له روسّو J.J Rousseau (1712-1778) من ضرورة وضع الطفل بين أحضان الطبيعة ولكن إلى إحداث توازن جديد بين زمن الجد وزمن الرفاه. وفي ذلك كسب كبير لتنامي شخصية الطفل أو الشاب وبذلك تتخلى المدرسة عن ذلك النعت الخاطئ طبعا بالغول المخيف وتستعيد موقعها في بؤبؤ عيون روّادها.
ويكون ذلك كذلك متى تمكنت المنظومة التعليمية من تجاوز إشكالية الجدوى المطروحة بإلحاح لا فقط عندنا بل في جلّ البلدان فما هي قيمة أي نظام تعليمي لا يتخرّج منه إلا النزر القليل من بين الذين انخرطوا فيه ومكثوا في ظلّه سنوات عديدة بتكلفة متصاعدة؟ لا محالة فإنّ نفقات التعليم ليست ككل النفقات فهي بالدرجة الأولى استثمار ولكن لأنها كذلك وجب على المستثمر أن يجني نتائج ملائمة للجهد المبذول فمن غير المعقول اقتصاديا ومن غير المقبول اجتماعيا أن ينتج عن المدرسة ما يسمّى بالرواسب، إذن لا بد من محاصرة هذه الظاهرة.

تنوّع المسالك

ولعلّه من المفيد إحداث سلك من المرشدين النفسانيين لكي تتم دراسة كلّ حالات التعثر في الحياة المدرسية لأنني على يقين أنّ لدى كلّ طفل وطفلة استعدادات باطنة يجب الكشف عنها لكي يجد السبيل الموصلة للتخرّج من الحقل المدرسي بمهارة ما تضمن له شيئين: عدم السقوط في الأمّية والتحصيل على موقع في المجال الاجتماعي، فلا بأس إذن أن تتعدد الشعب وتتكاثر الاختصاصات ويسترجع التعليم المهني مكانته بإحداث باكالوريا خاصة به مثلما هو الشأن بالنسبة للأنشطة الفنية والرياضية الخ… إنّ تنوّع المسالك إنما هو استجابة لتنوّع المشارب إذ إنّ لله في خلقه شؤون.
يبقى أنه من المسلّم به أنّ الدولة -أي دولة- لا تستطيع لوحدها مجابهة كلّ التبعات المالية لمثل هذه الاستثمارات في تشعبها وثقلها ولو أنّ بلادنا حطمت كلّ الأرقام القياسية فيما تخصصه من إنتاجها الخام لقطاع التعليم ولقد جنت ثمرة ذلك ولكنّ الوقت حان لكي يقلع بعضنا عن سياسة النعامة ويفتح عينيه على ما يجري في الدنيا حيث أصبح التعليم شأنا يهمّ الجميع دولة وجمعيات وخواصا وإنّ الحديث عن المجانية لم يعد محظورا. ونحن نتذكر بدون شك الزوبعة التي أحدثها الوزير محمد فرج الشاذلي (1927-2014) عندما قدّم الموضوع بعبارة ” ما ضرّ لو ساهم التلميذ أو وليّه بمقدار ……. في مصاريف الامتحان”
لقد ولّى ذلك الزمن وأصبح التونسيون قادرين بفضل تطوّر مستوى دخلهم على المساهمة في نفقات تعلّم أبنائهم وبناتهم إن كان ذلك في مدارس عمومية أو غير عمومية وكذلك أصبحت الأسر التونسية المعنية مطالبة في نفس الوقت بالتواجد داخل أركان المدرسة لا فقط للعناية بها بل لتمتين الصلة بين الجزء والكلّ أي بين المدرسة والمجتمع.