عيسى البكوش يكتب: فضيلة الشيخ عبد المجيد البراري (1927-2021) في ذمّة الله

فضيلة الشيخ عبد المجيد البراري

كتب: عيسى البكوش

جاء في الأثر النبوي في باب التعزية:
‘أنّ لله ما أخذ وله ما أعطى ولكلّ أجل مسمّى وكلّ إليه راجعون’ …
ولقد أورد هذا الحديث المحدث الفقيه السيد عبد المجيد البراري الذي التحق يوم الأربعاء بجوار ربّه في كتابه الموسوم بـ “الجواهر الحنيفية من التوحيد وفقه المالكية” الصادر سنة 2007 صفحة 82.
ولد الفقيد في 17 ذي الحجة 1345 هجري الموافق لـ21 جوان 1927 بنهج رأس الدرب بمدينة تونس.
وبعدما حفظ القرآن بكتّاب المؤدب العيادي بنهج سيدي بن محمود، التحق بالجامع الأعظم إلى أن أحرز شهادة التحصيل، ثمّ بعد فترة وجيزة اشتغل أثناءها في سلك التعليم بالمدرسة الابتدائية بالعلا وبعدها بمدرسة باب الخضراء…
واصل تعلّمه بكلية الشريعة وأصول الدين حيث أحرز على شهادة العالمية في اللغة والآداب، وفي سنة 1967 عيّن أستاذا للغة العربية بمعهد خير الدين بأريانة، وفي سنة 1978 انتدب للتدريس في نطاق التعاون الفني بموريتانيا.

واظب على إعطاء الدروس

وعندما عاد لأرض الوطن انتهج طريق الوعظ والإرشاد في معنييهما النبيلين أي إنارة العقول وتقويم المسالك فارتقى فوق منابر الخطبة الجمعية في المساجد وبخاصة جامع النور وجامع الإخوة بأريانة وواظب على إعطاء الدروس في بيوت أخرى أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه في أنحاء عديدة من البلاد وكان إلى أن حلّ به المرض من المواظبين على إلقاء الدروس بمنارة عمر بن الخطاب بسكرة، والتي يعود الفضل في تركيزها للمنعّم حسن الورغي جازاه الله عنّا كل خير.
وكان الشيخ البراري التحق منذ ثمانينات القرن الماضي ببيت الحديث الذي أنشأه عام 1969 المنعّم محمد الزغواني (1896/1979) وكانت تنعقد حلقاته بدكان خارج من مقهى محمد صالح الغربي قبالة مقام المجاهد عمار المعروفي المتوفى بأريانة سنة 1270م.
ولقد ضمّ هذا البيت – والذي انتقل إلى أماكن أخرى- صفوة من مشائخنا الأبرار ومن أجلّهم الشيخ محمد الكلبوسي (1901-1982) والشيخ محمد الصادق بسيّس (1914-1978) والشيخ محمد الفاضل العبدلي (1923-1997) والشيخ عبد الوهاب سعادة (1936-2003) وشقيقه الشيخ محمد الكامل الذي غادرنا منذ أشهر، والشيخ محمد المكاوي (1922-2006).
كانت للشيخ البراري مساهمات لا تحصى في المنابر التي يُدعى إليها لتقديم محاضرات مثلما كان الشأن لجمعية المحافظة على مدينة أريانة التي تشرّفتُ بإنشائها عام 1984 فكانت لنا وإيّاه مطارحات حول الطرق الصوفية وبخاصة العيساوية، وحول أعلام مرّت من بلدتنا كمثل المشائخ الذين أثّثوا بيت الحديث.

صاحب صولات

كما كانت له صولات في المنابر السياسية إذ أنه كان لا ينقطع عن أخذ الكلمة خلال الاجتماعات التي تعقد هنا وهناك وكثيرا ما كان يثير قضايا تتعلّق بالأسرة والمجتمع وعلى وجه الخصوص الأخلاق العامة والسلوكيّات، وكان يطالب في هذا المجال بغلق الخمّارات في الفضاء العام، ولقد استجيب لطلبه سنة 1991 عندما حمّل السيد عبد الله القلال أمانة وزارة الداخلية فتحوّلت الخمارتان في الشارع الرئيسي لمدينتنا إلى قهوتين من الصنف الأوّل – كثيرا ما كان الأديب طه حسين يكتب عن القهوة للدلالة على المقهى (انظر كتاب الأيّام)- وتحوّل دكّان بيع الخمر إلى دكان بيع المرطبات.
كان إلى جانب كلّ ذلك رجلا ودودا رقيق الإحساس حسن المعاشرة.
لقد ارتبطت بيني وبينه أواصر الودّ والتحابب على امتداد خمسة عقود.
وإنّي إذ أترحّم على روحه الزكيّة فإني أبادله اليوم أواخر مرثيته التي نعى فيها أحد مشائخ بيت الحديث:
من للشفا وللموطإ ومسلم ؟
أحييت ذكرى مالك وعياضها
سرد الحديث وشرحه بحضوركم
دور الهداية أشرقت أنوارها
روح الجنان جزاؤكم بمحبّة
لمحمّد ونعيمكم ريحانها