عيسى البكوش يكتب/ في ذكرى مولد نزار قباني (1923-1998):”لا أطمح أن أستلم العرش فعرش الشعر أكبر..”

كتابة الشعر

كتب: عيسى البكوش

ترى، من يكون نزار قباني المولود في مثل هذا اليوم من عام 1923 ؟ هل هو شاعر أم رسّام أم كاتب؟ هو كلّ ذلك في آن. فهو يرسم بالكلمات أحلى اللوحات التي تسرّ الناظرين وهو ينحت في اللغة فينشئ مجسّمات تكاد تنطق من فرط الصناعة وروعة الإتقان.

لقد قال في المرأة كلاما تهتزّ له أفئدة العاشقات وترتعش منه جلود العاشقين.
لقد قال في الأنثى ما لم يقله جميل ولا عمر ولا عموم الشعراء منذ امرؤ القيس اللهم إلا إذا استثنينا عنترة بن شداد الذي غبطه في أوراقه المجهولة:
” يا ليتني أتعلّم من عنترة كيف يرتقي الإنسان بعشقه إلى هذا المستوى الرسولي.
” ولقد ذكرتك والرماح نواهل
منّي وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها
لمعت كبارق ثغرك المبتسم “
ويواصل متحدّيا:
” هل يمكن لعاشق معاصر من خنافس هذا الزمن أن يقول مثل هذا الكلام “.
وفي هذه الأوراق التي هي بمثابة سيرة ذاتية تحدّث عن ولادته كشاعر:
“عندما كنت في سنّ الثالثة عشر كان ضيوف أبي يسألونه: ماذا تريد نزار أن يكون؟
فيجيبهم أبي بكلّ بساطة:
ابني يريد أن يكون شاعرا
فيتغيّر لون سائليه ويلتفت بعضهم إلى بعض قائلين: لا حول ولا قوّة إلا بالله، قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.

عفريت ركبني!

كنت أتصوّر أنّ الشعر والكتابة شيء واحد وأنّ عفريتا من العفاريت قد ركبني
كانت أمّي مقتنعة بسلطة العفاريت فكانت تجرّني إلى أقرب شيخ تعرفه وتعطيه أساورها الذهبيّة ثمنا لطرد العفريت، أمّا أبي فلم يكن يخشى سلطة العفريت، ولكنه كان يخشى سلطة أمّي !”.
الشعر، يقرّ قباني بأنه قدَر لا يمكن للشاعر أن يهرب منه أو أن يعصي أمره.

أحادية الهوى

والقصيدة هي امرأة أحاديّة الهوى تحبّ رجلا واحدا وتتزوّج رجلا واحدا.
انطلقت أسطورة نزار عام 1954 وهو الدبلوماسي السوري بلندن عندما أرسل قصيدة ” خبز وحشيش وقمر ” إلى صديقه سهيل إدريس صاحب مجلة ” الآداب” البيروتية فأقامت الدنيا ولم تقعدها… إذ أنها تسبّبت في قرع الأجراس في كلّ عواصم العالم العربي وطالب المتزمّتون بشنقي وطردي من وزارة الخارجية السورية، فشكوت ذلك للسفير فائز الخوري فطلب لي فنجانا من القهوة وأخرج دفتر شيكاته وقال: يا عزيزي نزار، إذا كنت متضايقا ممّا يقال عن القصيدة وتريد أن تتخلّص منها فأنا مستعدّ أن أشتريها فورا …على شرط أن تضع اسمي تحت القصيدة، فهدّئ أعصابك يا نزار وثق أنّ جميع الأصوات النشاز التي ستهاجمك سوف تطحنها عجلات الأيّام ولا يبقى في خزانة التاريخ سوى أنت وقصيدتك.
لندن إذن هي البدء…

وانطلقت الرحلة…

يقول الدمشقي في هذا الصدد:
“يوم وصلت إلى لندن في شتاء 1957 ذهبت صباح اليوم الموالي إلى حديقة “هايد بارك” وعندما بدأت السماء تمطر على رأسي وعلى جريدتي شعرت أنّي أغتسل من غباري الصحراوي.
ومنذ ذلك الوقت قامت علاقة عشق بيني وبين السماء اللندنيّة.
لذلك أجلس على ورقة الكتاب ملكًا وأتجوّل بين الحروف ملكا وأنام على صدر قصائدي نوما عميقا ” ويسهر الخلق جرّاها ويختصم”.
ثمّ تتالت محطّات الحلّ والتّرحال لهذا العاشق المتيّم الذي زارنا ” وعلى جبينه وردة وكتاب” فكاتب القيروان منذ سنة 1995 حيث غرّد:
” شكرا لمدينة القيروان
فهي أوّل مدينة عربيّة ترتكب
فضيحة حبّ الشعر وحبّ الشعراء
أوّل مدينة تكحّل عينيها بقصائدنا
وتكتبها بماء الذهب على قميصها
أوّل مدينة منذ العصر الجاهلي تعتبر
القصائد أيقونات مقدّسة وتعلّقها
على جدران الكعبة
أوّل مدينة ليبراليّة تتزوّج الشعر بلا مهر
ولا وثيقة زواج ولا شهود ولا خواتم سوليتير..”
ومن قبل كانت باريس
” هي السيدة العظيمة التي تعلّمنا على يديها
إنّ باريس هي الأفق المفتوح
والفكر  المفتوح
والحريّة الحرّة
ولا تزال قصيدة بول إيلوار (حرّية) التي قرأتها في مطلع شبابي تزوبع في دمي حتّى الآن”.
وكانت بيروت
كنت أنتقي في بيروت شعرا ….وأتكلّم شعرا ……وأنام شعرا ….وأستيقظ شعرا
وأشرب قهوتي ممزوجة بالشعر.
كنت أتمشّى صباحا على كورنيش البحر فيملأني الإحساس بأنّني قصيدة تمشي على قدميها ..”
وأخيرا وللأبد دمشق
وأخيرا شرّفتني مدينة دمشق بوضع اسمي على شارع من أكبر شوارعها جمالا ونضارة وخضرة
هذا الشارع الذي أهدته دمشق إليّ هو هديّة العمر وهو أجمل بيت امتلكته على تراب الجنّة.
السكنى في الجنّة
والسكنى في دمشق
شيء واحد
الأولى تجري من تحتها الأنهار
والثانية تجري من تحتها القصائد والأشعار
القصيدة هي إذن نسيج الحياة التي قضّاها نزار في الغوص في أعماق الأنثى فينتصر من أجلها ويتفنّن في وصف لآلئها المصونة وجواهرها المكنونة:
” إذا كانت الحضارة أنثى
والثقافة أنثى
واللّغة أنثى
والقصيدة أنثى
والشجرة أنثى
والثورة أنثى
فلماذا يتفرّد الرجال
بالسّلطة ؟؟..
الأنثى تتميّز في داخل نزار قباني
” أين أذهب بك؟
أين تذهبين بي؟
كلّ المقاهي تحفظ وجوهنا
وكلّ الفنادق تحفظ أسماءنا
كلّ الأرصفة تحفظ موسيقى أقدامنا “.
ورغم ذلك فالعاشق يغرّد: هل من مزيد؟
” زيديني عشقا … زيديني
زيديني غرقا يا سيّدتي
إنّ البحر يناديني
زيديني موتا …”
ويتوه به الهيام إلى ما لا حدّ له
” إذا كنت تعرفين رجلا…
يحبّك أكثر منّي
فدلّيني عليه
لأهنّئه …
وأقتله بعد ذلك..”
فتردّ الأنثى:
” متى ستعرف كم أهواك … يا رجلا
أبيع من أجله الدنيا … وما فيها
لو تطلب البحر … في عينيك أسكبه
أو تطلب الشمس … في كفيّك أرميها..”
ثمّ تسائله:
” تسألني حبيبتي
” ما الفرق ما بيني وما بين السماء؟
الفرق بينكما
أنّك إن ضحكت يا حبيبتي
أنسى السماء “
ثمّ يعقّب العاشق الدمشقيّ:
” لا أستطيع أن أحبّك أكثر
لقد كتبتك بالخطّ الكوفي
على أساور الحمام
وأباريق النّحاس الدمشقيّ
وقناديل السيدة زينب
وجوامع الأستانة
وقباب غرناطة “
قال الخطّ الكوفي ثمّ يرتد في قول متأخّر:
” لو أعطيت السلطة في بلدي
لقطعت أصابع من صبغوا بالكلمة أحذية الخلفاء
وجلدت الهمزة في لغتي وجلدت الباء
والزخرف والخطّ الكوفي … وكلّ ألاعيب البلغاء…”
ولعلّ عذره في هذه الردّة هو ازدراء لغة القوم الذين اغتالوا ملهمته بلقيس:
” شكرا لكم
فحبيبتي قتلت … وصار بوسعكم
أن تشربوا كأسا على قبر الشهيدة
وقصيدتي اغتيلت
وهل من أمّة في الأرض …
إلاّ نحن …. نغتال القصيدة ؟