عيسى البكوش يكتب لكم: السّاعاتي الأعظم

هشام رستم

 

كتب: عيسى البكوش

خطفت يد المنون يوم الاثنين الفارط الفنّان المثقّف الدكتور في الأدب وفي المسرح هشام رستم، ولقد اندهش البعض لفجائيّة الحدث إنّه القضاء، قضاء “الذي بيده ملكوتُ كلّ شيء وإليه تُرجعون »….

هشام رستم كان وسيظلّ أقوى الأصوات أداء وتعبيرا على الإطلاق في المشهد الفرنكفوني عبر العالم.
ولعلّ بلدنا ساع لتكريمه في المحفل الذي سيلتئم في جربة في نوفمبر القادم حيث يجتمع قادة البلدان الناطقة بلغة فولتير.
فولتير (1694-1778) هذا الذي نستعير منه عنوان هذه الخاطرة إذ أنه نحت ببراعة هذه الحقيقة السرمديّة.
« L’univers m’embrasse et je ne puis songer que cette horloge existe et n’ait point d’horloger ».
الزمان هذا النهر الصامت الذي يعبر الكون منذ الأزل فهو يمرق خلال الحياة ثم يسكب في التاريخ ما ينجزه الإنسان من أعمال.
فمنها ما يشبه الزبد ومنها ما يمكث في الأرض.
“فأمّا الزبد فيذهب جُفاءَا”.
الزمان كالبحر فيه مدّ وجزر تثور فيه العواصف ثم تهدأ.
الزمان تتسارع فيه السنون والأيّام كمثل الأمواج التي تتلاطم الواحدة مع الأخرى.
الزمان في دورته يقرّبنا إلى أجل محتوم فهو يحملنا مسرعا ولكن بخطوات ثابتة نحو القدر المعلوم.
وإني لأعجب من سؤال يتنافى مع هذا الأمر البديهي : كم عمرك؟ والأعمار كما يعلم المؤمنون بيد الله، ولعلّه من الصواب أن نسأل: كم مضى من عمرك؟ وثمّة سؤال آخر قد يجدر بنا أن نتوجّه به لأنفسنا: فيم قضينا عمرنا؟ أو بالأحرى فيم أفنيناه؟ لأن الأعمار تفنى عندما نموت.
الزمان ساعات معدودة متكافئة في حجمها ولكنها متفاوتة في وقعها ومن بينها ساعة إذا دُقّت فلا تأخير فيها ولا تقديم.
ولا أحد عندئذ قادر على أن يفكّ شفرتها سوى الساعاتي الأعظم الذي خلق الموت والحياة ليبلونا أيّنا أحسن عملا، فتبارك الذي بيده الملك وهو على كلّ شيء قدير.