عيسى البكوش يكتب/ منارات مغاربية على ضفاف السين: محمّد خير الدين

محمد خير الدين

كتب: عيسى البكوش

“الشعب جالس فوق الحصير الخشن
وفي الساحة قبالة المحيط
عجوز يروي للريح الملحمة القديمة
ويلطم وجهه ويلوّح بآثار التعنيف
والشعب يقهقه ويرمي العجوز بتجعيداته “

ولد محمد خير الدين سنة 1941 من عائلة من التجّار في تفراوت في جنوب المغرب. عاش في مدينة أغادير من 1963 إلى سنة 1965 ثمّ ارتحل إلى فرنسا فعاش في باريس إلى سنة 1979 وعاد فجأة إلى المغرب، ثمّ عاد إلى باريس وعاوده الحنين إلى المسرح، ثمّ كانت عودته النهائية إلى موطن الأجداد لمّا علم باستفحال مرضه سنة 1993 وتوفي بالرباط يوم 18 نوفمبر 1995.
كانت أعماله مصادرة في المغرب ولم تنشر إلا بعد وفاته…

زاول تعليمه الثانوي بالدار البيضاء ثمّ عمل فترة في الوظيفة العمومية ولكن سرعان ما تمكّن به شيطان الكتابة فأوقعه في حباله….حبال من كلمات.
” كاتب الهجرة ومهاجر الكتابة”
هكذا وصفه محجوب حقيق في مجلته Maroc Hebdo لشهر جوان 2002.
هو من دعاة حرب العصابات اللغوية لأنّه كان يبحث عن أشكال جديدة للتعبير، أشكال أحدثت ثورة في الكتابة المغاربية باللغة الفرنسية.
كان كثيرا ما يؤاخذ أترابه الكتّاب المغاربة باللغة الفرنسية لضحالة مخزونهم اللغوي بينما كان هو يستعرض ربما ببعض الزهو قدراته على التصرّف في رصيده الثريّ، ومع ذلك فلم يكن دائما راضيا عمّا يكتبه.
كان يقول ” أنا أتمنّى أن أعثر على جملة واحدة توجز كلّ شيء “
لعلّه يعني بكلّ شيء الجمال والثورة والانعتاق.
انطلقت مسيرته الإبداعية بنشر بعض القصائد في مجلّة La vigie Marocaine  
ثمّ بدأ يساهم في مجلّة أنفاس Souffles  لصاحبها الشاعر عبد اللطيف اللعابي.
لمّا استقر في فرنسا نشر :
سنة 1967 في دار le Seuil روايته الأولى ” Agadir “
ثمّ عند نفس الناشر أصدر سنة 1968 كتاب جسم سلبي Corps négatif
ثمّ Histoire d’un bon dieu
ثمّ سنة 1970 كتاب Moi l’aigre
وعام 1973 كتاب Le déterreur
وعام 1975 كتاب Ce Maroc !
وفي عام 1976 رائحة النوتي Une odeur de nautique
وفي عام 1978 Une vie, un rêve, un peuple toujours errant  حياة، حلم وشعب دوما في التيه،
وفي عام  1984 نشر كتاب Vie et légende d’Agoum
وأخيرا صدر له ديوان سنة 1991 Mémorial .
كلّ كتابات محمد خير الدين هي عبارة عن واد هرهار يتناثر من البراكين التي تتفجّر في وجدان الشاعر كلماته كمثل العواصف الهوجاء لا تذر ولا تكف.
كان منتجا لحصص أدبيّة في إذاعة فرنسا الثقافية.
وضع مهرجان Timitar بمدينة أغادير لسنة 2008 الذي التأم تحت شعار ” إشارات وثقافات Signes et cultures ” وخصصت تلك الدورة الثامنة لإحياء ذكرى محمد خير الدين وتكريمه من خلال أعمال المسرحية والموسيقية
نشرت دار Racines بمساهمة وزارة الشؤون الثقافية المغربية عام 2006 ديوان Quisars
من تغريداته
” ليسن الأرض هي التي تتقلّص
بل هي مشكاة الحلم التي تنطفئ
وسط ضحكات ملتهبة
أنا اللا منطوق
أنا الكثبان المتنقلة
ليس هناك زمان
بل هناك اتجاه للزمان
لم يعد هناك أفق
حتى التماسيح أخلت الأماكن “
حواراته تشكّل سيرة شفوية ضرورية لمعرفة مسار الكاتب ولسبر أغوار عالمه العجيب الصلب والهش في آن والذي لم يشغله غير الشعر.
رائحة النوتي Une odeur de nautique هذا الكتاب إنّما هو مفتاح لفهم مغامرة محمد خير الدين المليئة بالتصدّعات والانشقاقات، بالوحدة وبالتيه، بالغضب وبالأمل.
مدوّنة محمد خير الدين إنّما هي في المحصّلة رجع الصدى الشعري لحياته كإنسان عابر للسبيل بالضرورة، ولكن ما تبقّى يؤسّسه الشعراء.
رائحة النوتي هي قصّة عجوز يروي من خلالها محمد خير الدين مطبّات هذا العجوز بحوزته مرآة كان سرقها من بحّار بعد أن قتله.
فهو يتحدّث لهذه المرآة ويشهدها على نفسه إلى أن تتهشّم المرآة وتتناثر إلى ألف قطعة وقطعة ورغم ذلك فهي لا تنفك تراوده، هي إذن مأساة الهجرة.
نحن الآن في المهجر يا حبيبتي لقد وصلنا إلى الجنّة الموعودة، ولكن سرعان ما يبرز الوجه الحقيقي للجنّة وتتبخّر الوعود، ويشعر المهاجر بالظلم والحڤرة.
بالنسبة لمحمد خير الدين فإنّ الهجرة ليست فقط تنقله من بلد إلى آخر بل هي انتزاع الإنسانية من طرف المتقبّل كما المستقبل.
هل هو القدر المحتوم أن يعيش الإنسان محنة الهجرة ؟.
إنّ المهاجر يعيش في حال عطلة ولكن في عالم سجن الهجرة كالفقاع لا يستفيد منها إلا بائعوا الأحلام.
الهجرة تجعل من المهاجر شبه إنسان
رائحة النوتي: هي عبارة عن مذكرات من وراء القبر.
هي حمالة بصمات: بصمة المواطن المغربي، بصمة المهاجر، بصمة محمد خير الدين، بصمة في المعنى الذي عرّفه الفيلسوف الفرنسي Derrida أي ما هو ميت، ومع ذلك فهو دائم الحضور
” إنّ جلدته تتمزّق إربا إربا مدمدمة فهي الموت.
إنه ميّت وتزهر عظامه ولكن هي عظام تتحدث وتستفزكم،
آه لقد غيّبت وأصبحت كتلة صغيرة من الشعر الأشخم ، أنا البربري أنا الشلوح”

هذه الرائحة تحيلنا على الزلزال الذي ضرب مدينة أغادير عام 1960 والذي أوحى لمحمد خير الدين كتابه الذي ذكرنا طالعته ويحمل اسم المدينة المنكوبة.
في رائحة النوتي Une odeur de nautique يضمّن محمد خير الدين آراءه ومواقفه من الهجرة ولكن في ذات الوقت هو يصفّي حساباته مع أقاربه  وهو الذي عانى فراق والديه ومع الأوضاع الاجتماعية والسياسية لبلده، وهو على الرغم من ذلك يضمّد جراحه ببلسم الشعر فيقول:
” لقد أذاقوه العلقم ولكنهم لن ينزعوا عنه شاعريّته “.
العودة بالتيه لمحمد خير الدين هي نهاية المطاف منزوع الهويّة يعاود العجوز بناء نفسه لكي يبقى حيّا في نظر الأحياء.
من أجل ذلك ينسج أسطورته التي لا تموت.