في تجربة الفنانة التشكيلية هالة بوزواية: فسحة الرسم و التلوين و السيراميك و الزهور المجففة بين الحلم و الحنين

كتب: شمس الدين العوني

تلوينات متعددة في حياة الكائن لا يملك معها الناس غير التفاعل بحثا عن الأجمل و الأرقى و الأسمى..انها فسحة الفن و هو يعلي من شان الحلم يقول بما في الانسان من هواجس و كلمات تبرز ألوان أحاسيسها و شجنها..و هنا تكمن القيمة..قيمة الأفكار و العناصر و التفاصيل حيث طريق الفن و الابداع السالكة نحو الجمال.
هكذا هي لعبة الفن بحالاته الجمالية الشتى من الرسم الى الحفر الى الخزف …الى ..سائر التنويعات التي معها تغدو حكاية الفنان سردية تشي بالرغبات..رغبة الابداع و رغبة الابتكار و رغبة تأصيل الكيان و رغبة الامتاع و المؤانسة  رغبة القول الدفين تجاه الذات و الآخرين..تجاه العالم.
من هنا نمضي في فسحة من الفن و الجمال و الابتكار مع أعمال تنوعت أساليبها الفنية في التعاطي مع المادة و الشكل و بكثير من النزوع نحو التجدد وفق حلم قديم من طفولة عابرة نحتا للذاكرة و ذهابا تجاه البحث عن الخصوصية في عوالم الفن العالية و الصعبة.
هي فنانة تشكيلية سافرت في دروب الفن حبا و رغبات و حلما و ألما لمعايشات في الحياة منحتها اللون و الأشكال و العلاقة المخصوصة مع الطين تدعكه لتشكل هيئات و أجسام و حالات متعددة يجمع بينها نظرتها هي كفنانة للفن و خطابه الملون ..و قد تحدثت عن أعمالها صحف يابانية خلال نشاطها الفني التشكيلي هذا في بلاد الهايكو الأنيقة…
شكلت عددا من لوحاتها ذات تجربة مع الزهور المجففة التي تمنح بحا فضاء اللوحة حضورا فنيا خاصا و هي تجربة قدمت فيها معارض تبين خلالها الناظر في اللوحات جمالية من رحم الطبيعة لتضفي عليها الفنانة مسحة من الجمال .
في لوحاتها كذلك احتفاء لوني بأشياء من قبيل الحلم و الحنين و الأمومة وفق ما يعتمل في دواخلها و وجدانها ليظل الرسم ضربا من الترجمان في اشتغالاتها الفنية المختلفة..و في خزفياتها تذهب الى حالات شتى من الهيئات و ما به تبرز علاقتها الحميمية باللعبة السيراميكية في تعاطيها مع الانسان الذي ترى فيه جوهر العمل الفني و تحولاته و ابتكاراته..و هنا نذكر مشاركتها مؤخرا في معرض الصالون التونسي للفنّ المعاصر بقصر خير الدين ) رواق المعارض ) الذي ينظمه إتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين في دورته السادسة بعنوان “البريمة ” بألوان المقاومة الفلسطينية” . باشراف سعاد بن عبدالرحيم رئيسة بلدية تونس شيخة المدينة وثلة من أعضاء المجلس البلدي لمدينة تونس والإطارات البلدية حيث تم اقتناء عملها الفني.اننا اذن في جوهر العالم الفني للفنانة التشكيلية هالة بوزواية التي تمنح زائري معارضها و متلقي أعمالها حيزا من التفكير في كنه العملية الفنية التي قضت فيها كل هذه السنوات و منها سنوات الاقامة باليابان و تنوع أنشطتها هناك لتعود الى تونس و تواصل هذا التمشي الفني الذي تخيرته..
رحلة مع الفن تقوم بها الفنانة هالة بوزواية ديدنها في كل ذلك هواجس و أحلام و صعوبات عاشتها و ظروف قادتها الى أرض الفن بين رسم و زهور مجففة و سيراميك و هي تواصل هذا الذهاب الفني تبحث عن ذاتها في ضجيج الحياة و صخب الناس و تداعيات العوالم لا تلوي على غير قول ما بداخلها وفق موسيقى الحال و شجن القلب و ألق الرغبات.
عن هذا الحيز من التجربة و الحياة تتحدث الفنانة هالة عن البدايات و الحلم و الفن و الحنين و غير ذلك لتشير الى هذا السير الفني الذي تراه مغامرة راىقة فيها التعب الجميل و المغامرة لتقول : “… منذ صغر سني كانت لي رغبات و ميل تجاه الرسم و التلوين حيث كنت مع أمي و أختي كثيرا ما ننجز أشياء بعمل اليدين من ذلك التحف الصغيرة الذهبية ..و عندما زرت اليابان أعجبت بالخزفيات ففي هذه السفرة سنة 1998 الى حدود سنة 2004 قمت بالعديد من الأعمال الى جانب التربصات في فن الحفر في اطار أعمال و أنشطة للتعريف بتونس و تراثها و مأكولاتها و اللباس ضمن جمعيات للأعمال التطوعية ..لقد جذبني فن الخزف هناك و جمالياته و ابذاعات منتجيه و فنانيه و عند عودتي كان لي شعور بعدم ايلاء عناية بفنون الخزف و قلة عدد الفنانين المشتغلين عليه ..كان لي عشق و انبهار كبيرين بالسيراميك ..كان لدي احساس بشحنات ابداعية و فنية بداخلي و ساعدني في ذلك مرض أمي آنذاك (رحمها الله) حيث كنت أركز كثيرا للاستجابة لرغباتها و هي التي أقعدها المرض و أثر في حركة أعضائها لذلك اشتغلت على أعمال خزفية في شكل يد عاجزة و معوجة مثلا و ذلك لما كانت تعانيه أمي التي أصيبت وقتها بجلطة فكانت جل خزفياتي فيها جانب العجز في اليد أو غيرها من الأعضاء ..لقد كان لكل ذلك أحاسيس تجاه ما عانته أمي و أنا القريبة منها و الملازمة لها استلهمت من حالتها الكثير من الأحاسيس و الوضعيات في خزفياتي..الفن كان في جيناتي و هو شيء حيوي و بالنسبة لي كل يوم لا أعمل فيه هو يوم أشعر فيه بالضياع ..الفن مجال ابداع و حياة..خلال تجربتي هذه كانت لي مشاركات في معارض خاصة و جماعية و في اليابان شاركت في معارض جماعية مع الفنانة اليابانية الحفارة يانا قيساوا و كان لي معرض خاص كذلك بفضاء النادي الثقافي الطاهر الحداد سنة 2005 حول الزهور المجففة الى جانب معرض برواق السعادة سنة 2006 فضلا عن المعارض الدورية لنشاط اتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين و أنا منخرطة فيه منذ سنة 2018 ..
عند مباشرتي لعملي الفني و بحكم الظروف الصعبة التي مررت بها أشعر بأن الفن ملاذي و عالمي و هو مجال خلاص نحو عالم آخر و لهذا بعثت مقرا للتداوي و العلاج بالفن بسيدي بوسعيد  و الآن مازال فيه مجال للرسم كوصفة للعلاج ..و التعافي.انا الآن أعد لمعرضي الخاص الذي سيحوي جملة تجربتي و أعمالي الفنية ..
أحلم بأن أعرض في معارض عالمية و أن أوسع من مجال مشروعي الفني ..في شغلي الفني هذا أنجز العمل مباشرة بدون رسمة تخطيطية مسبقة لأن الفكرة قد تتغير مع العمل و أثناءه ..أتماهى في الرسم مع الزيتي و الأكريليك و أسعى لانجاز عمل فني فيه الرسم و التلوين و السيراميك ..الفنان يحب ما يفعل و ينجز و يبقى الحلم هاجسه في كل عملية ابداعية الى جانب الحنين..والدي و والدتي من حي باب سويقة و تربينا بعقلية فيها التقاليد و الحياء و ظل معنا الحنين الذي كان دافعا مهما في حياتنا و في ابداعاتي و هناك عودة للتقاليد لدى الناس ..أحب الموسيقى و هي فن يساعد على الابداع و هي ضرورية خلال العمل الفني و في مجال التذوق الجمالي فهي الابداع و الأمل و الحلم و الحب ..هي لغة راقية و أنا معجبة بموسيقى الذوق الرفيع مهما كان المصدر و البلد ..الفن مهم في الحياة الى جانب شؤوننا الأخرى و منها العائلية..الفنان مسافر في أرض تعده كل يوم بعطاء مهم هو حلمه الذي منه ماينجزه فنيا و جماليا و حضاريا….”.
هكذا هي بعض ملامح التجربة لدى الفنانة التشكيلية هالة بوزواية التي تسعى لاقامة معرضها الخاص ليضم بانوراما من أعمالها الفنية المنجزة..الفن رحلة مفتوحة على الأكوان و التجارب و الأفكار..الفن عناوين الدواخل تبتكر خصوصيات لحظاتها و اشراقاتها بكثير من عناء الذات و شغف المجد.