في ندوة التميمي: شهادات صادمة للمبلغين عن الفساد…تنكيل ومعاناة ونداء إلى رئيس الجمهورية

corruption

كتب: نوفل سلامة

بعد أن لم يجدوا أحدا يستمع إليهم .. وبعد أن تجاهلت الجهات الرسمية أصواتهم ولم تول العناية اللازمة لملفات الفساد التي بحوزتهم والتي تدين أجهزة في الدولة وشخصيات نافذة في المشهد السياسي وفي القرار السياسي بالفساد وضلوعهم الكبير فيه .. وبعد أن حاولوا الاتصال بالرئيس قيس سعيد ورغبوا في مقابلته لتبليغ معاناتهم بعد قراره غلق مقر الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وإنهاء مهام رئيسها غير أنهم لم يتمكنوا من ذلك…

محاولات للتنكيل

وبعد أن نسيهم الإعلام وتجاهلتهم الأحزاب السياسية .. وبعد أن تعمقت مأساتهم وزادت معاناتهم بعد حدث 25 جويلية الذي انهى منظومة حكم فاسدة تورطت في التستر على الفساد والمفسدين في مشهد سريالي، سيطرت عليه هوة كبيرة بين ما هو معلن وما هو مسكوت عنه وبين الأقوال والأفعال وبين المواقف الرسمية التي تدعي محاربة الفساد والمواقف الحقيقية التي تتعايش معه وتتستر عليه.
ولما شعر الكثير من المبلغين عن الفساد بعد القرار الذي اتخذه الرئيس قيس سعيد بإنهاء مهام شوقي طبيب من على رأس هيئة مكافحة الفساد وغلق مقرها، بأنهم مستهدفون ودون سند أو جهة حاضنة لقضيتهم ولما حصلت القناعة بأن المضايقات بدأت تتشدد أكثر بعد إغلاق مقر الهيئة ومحاولات التنكيل بهم بدأت تتسع وبدأت حياتهم تشهد مخاطر جدية وصلت إلى حد التهديد بالقتل والاعتداء والتخويف والترهيب .. بعد كل ذلك لم يجدوا من بد ولا حل إلا الذهاب إلى مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات التي احتضنت مجموعة كبيرة من المبلغين عن الفساد وفتحت لهم مقرها لتقديم شهاداتهم في ندوة فكرية التأمت يوم السبت 27 نوفمبر الحالي حفظا للذاكرة الوطنية في قضية من أخطر القضايا التي تعرفها البلاد بعد الثورة ومحاولة لتوثيق هذه الشهادات و الوقوف مع الأفراد الذين تصدوا لظاهرة الفساد بأوجه مكشوفة وصدور عارية من أجل ايصال صوتهم إلى السيد رئيس الجمهورية قيس سعيد أعلى سلطة في البلاد عله يستمع إليهم ويعتني بملفاتهم ويوفر لهم الحماية بعد أن أصبحت حياتهم مهددة….

شهادات صادمة

في هذا اللقاء الذي كان مثيرا وفي هذه الندوة القلقة التي أثرها السيد زبير التركي رئيس المنظمة التونسية للتنمية ومكافحة الفساد والسيد لسعد الذوادي الخبير في الجباية والمختص في قضايا الفساد المالي وعدد كبير من المبلغين عن الفساد جاؤوا من كل جهات الجمهورية، تم الاستماع إلى الكثير من الشهادات الصادمة والمقلقة والمخيفة التي تقدم بها عدد من المبلغين عن ملفات فساد الى هيئة مكافحة الفساد وقد كان من المفروض حسب القانون المنظم لعملية التبليغ أن تتم حمايتهم وحماية أرواحهم وحماية عائلاتهم غير أن الذي حصل معهم هو تعرضهم إلى الكثير من المضايقات، وتمت هرسلتهم وتخويفهم والتنكيل بهم وتعرض بعضهم للمساومات والإغراءات من أجل التنازل عن التبليغ أو صرف النظر عن الملف الذي بحوزتهم والبعض الآخر تعرض إلى الاعتداء الجسدي والتخويف بعد سرقة منزله أو كسر سيارته.

ملفات خطيرة

إن اللافت في الشهادات التي قدمها المبلغون عن الفساد و ما تعرضوا له بسبب كشفهم عن ملفات خطيرة أن أغلب المبلغين وأغلب ضحايا التبليغ هم من النساء بما يجعل من عملية محاربة الفساد لها بعد جندري كما أن اللافت الآخر أن الكثير من المبلغات عن الفساد قد تعرضن إما إلى الاعتداء الجسدي أو الطرد من العمل أو الايقاف في مراكز الأمن بعد تلفيق اتهامات كيدية تنتهي غالبا أمام القضاء والحكم بالسجن وهكذا يتحول المبلغ إلى جاني والمبلغ عنه الى ضحية وتصبح القضية مسألة مس بالأمن القومي واتهام موظف عمومي باطلا.

حجم الفساد

المهم في هذه الندوة ليس الكشف عن حجم الفساد الذي وصل إلى كل مفاصل الدولة والمجتمع واتساعه في المجال والمكان حتى وصل إلى وزارات سيادية حيوية كوزارة الفلاحة والتجارة والطاقة والبيئة والعدل والداخلية والديوانة والبلديات البنوك وشركات التأمين وغيرها من الوزارات التي كشفت الشهادات عن وجود حجم فساد كبير فيها من استغلال نفوذ وتلاعب بالمال العام والثراء غير المشروع وتهديد البلاد والشعب وهو تهديد وإن بات معلوما اليوم إلا أن الخطير في الموضوع أن يجد الفساد حاضنة تحميه وتسنده وتتستر عليه من داخل الدولة وما يحصل للمبلغين من هرسلة وتهديدات وتخويف وشعورهم بالعجز وبأن الدولة تتخلى عنهم..

مساومات

إن الخطير فيما استمعنا إليه من شهادات صادمة عن تعرض المبلغين للمساومات من قبل الجهات المبلغ عنها والمورطة في الفساد وعملية المقايضة التي يخضعون لها ومحاولة اسكاتهم وشرائهم وابتزازهم .. الخطير فيما صرح به المبلغون عن تورط مسؤولين وموظفين في هياكل الدولة في سلك الديوانة والقضاء والأمن والجماعات المحلية والسلط الجهوية حتى وصل إلى النقابات الأساسية وهم أشخاص مع كل أسف تتم ترقيتهم ونجدهم اليوم في مراكز متقدمة في الدولة وهو أمر محير تواصل بعد حدث 25 جويلية لنجد بعض المبلغ عنهم في الحزام الحكومي لفريق السيدة نجلاء بودن.
المهم في هذه الندوة في خطورة القضايا المبلغ عنها وفي ملفات الفساد التي فاقت المعقول حتى وصلت إلى حالات تجسس وتهديد للأمن الغذائي والصحي للمواطنين في ملفات عرفت بالقمح الفاسد الذي يتم إدخاله من موانئنا دون مراقبة ليتسلمه ديوان الحبوب ويتم خلطه بالقمح التونسي السليم ليباع إلى المواطن والحال أنه مادة سامة خطيرة على صحة المواطن وفي ملفات تهريب الدواء وصفقة البنج الفاسد واللوالب القلبية منتهية الصلوحية وغير ذلك من حالات الغش والتلاعب في المجال الصحي وملفات الطاقة والتلاعب بالوثائق في الشركة التونسية للأنشطة البترولية وملف النفايات القادمة من إيطاليا التي كشفت عن اخطبوط كبير مورط في عملية إدخال الزبالة إلى ترابنا تواصلت لسنوات من قبل الثورة وهو فساد كبير مورط فيه بعض المسؤولين في الديوانة وأفراد في وزارة التجارة ووكالة المحيط ووزارة البيئة وغيرها .. وملف تهريب أموال وتبييضها مورط فيها تونسيون وليبيون وهي العملية التي كان وراءها في بداية الثورة بعض المسؤولين في نظام العقيد الراحل معمر القذافي، وهي أموال ضخمة تم إدخالها بطريقة غير شرعية وتوظيفها في شراء العقارات وبنائها شققا للكراء وتم إيداعها في بنوك تونسية وهو ملف مسكوت عنه لم يتم الحسم فيه.
ملفات أخرى تم الكشف عن تبليغ بخصوصها طال الاتحاد العام التونسي للشغل ونقاباته القطاعية وتم الحديث عن عدم تحمس الأمين العام الحالي لها حيث ذكرت إحدى المبلغات أنها لما اتصلت بالطبوبي وأعلمته بملف فساد اكتفى بالقول : ‘عيش بنتي وسع بالك شويا’.. وملفات طالت البنك المركزي والفساد الذي تعلق بميزانية ودادية موظفيها بعد أن صعب القيام بتدقيق لحساباتها للفترة التي سبقت الثورة وكيف تم التستر على الموضوع من قبل أحد محافظي البنك بإجراء فيه تحايل .. وملف آخر تعلق بتسهيلات لقيتها شركة إشهار في تركيز لوحات إشهارية وشبهة الانتفاع بالإنارة المجانية من قبل مدرسة وما تعرض له الأستاذ المبلغ عن هذا الفساد المتعلق بالتلاعب في المال العام من انتهاك وهرسلة وتهديد ومضايقات.
ما يمكن الخروج به من هذه الندوة الصادمة أن ملفات الفساد المبلغ عنها عديدة وأكثر من أن تحصى وهي ملفات متهم فيها شخصيات نافذة و مسنودة من جهات في الدولة وأجهزتها تمثل شبهات فساد يزعم هؤلاء أنها تنشط في كل الوزارات والإدارات التونسية مع وجود استثناءات لموظفين شرفاء لكن لا حول لهم ولا قوة أمام هيمنة هذه اللوبيات ..
وأن الشهادات التي استمعنا إليها مؤلمة ومحزنة تصلح أن تتحول إلى أشرطة سينمائية تصور حجم الضرر الذي يحصل للبلاد وحجم المعاناة التي يعانيها المبلغ في غياب جهة تحميه وتسنده…

تعميم الفساد بعد الثورة

ما يمكن الخروج به هو أن السياسيين والقائمين على الحكم لم يلعبوا الدور المطلوب منهم وتعاملوا مع ملف المبلغين عن الفساد من منطلق الولاء الحزبي والتضامن السياسي والحكومي ووفق قاعدة تجنيب الشركاء في الحكم وقاعدة الانتقاء والتسويف .
ما يمكن الخروج به بعد هذه السماعات أننا انتقلنا خلال عشرية كاملة من الحكم من دولة الفوضى والتسيب إلى دولة يتحكم فيها الفساد والمفسدين ومن فساد كان معروفا ومحصورا قبل الثورة في ظل حكم حزب التجمع إلى فساد تحول إلى خطر كبير ينخر كل المجالات والميادين ومعشش في كل هياكل الدولة ومورط فيه العديد من موظفيها وهي وضعية تعطي الانطباع بأن الفساد أصبح حالة واقعية ومحاربته أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا..
المهم في هذه الندوة أنه أمام حجم الدمار الذي يحصل للبلاد من وراء توسع رقعة الفساد وأمام ما يحصل للمبلغين من هرسلة وتهديدات في غياب أية حماية للمبلغ أن الجميع يطالب رئيس الجمهورية قيس سعيد بضرورة إرجاع هيئة مكافحة الفساد إلى عملها بعد التثبت من تركيبتها وأن إغلاقها كان خطأ فهي الإطار الوحيد الذي كان يوفر جزءا من الحماية لهم وفي غيابها فقد زادت معاناتهم وأصبحوا من دون سند معنوي والسؤال أي فائدة وجدوى من وراء قرار حل هيئة مكافحة الفساد من دون تعويضها؟
هذا فيض من غيض مما جاء بعد ثلاث ساعات من الاستماع إلى شهادات المبلغين عن الفساد وما يتعرضون له اليوم من تهديدات وتضييق وانتهاك في غياب هيئة مكافحة الفساد وهي شهادات صادمة عن حالة البلاد وعن علاقة المسؤولين السياسيين بملف الفساد وهي اعترافات خطيرة لم تلق اليوم أذانا صاغية من ساكن قرطاج رغم تعدد محاولات الاتصال به من دون أن يجدوا استجابة منه.
كلمة أخيرة بخصوص هذه الندوة أنه رغم أن مؤسسة التميمي قد شكلت الحدث باحتضانها ندوة فكرية عن معاناة المبلغين عن الفساد إلا أن المؤسف أن بعض وسائل الإعلام في تغطيتها للحدث قد تجاهلت مؤسسة التميمي وقدمت ما حصل على أنه ندوة صحفية للمبلغين…
وهذا سلوك اعلامي مدان لا يمكن قبوله يشوه المشهد الإعلامي يفرض تقديم الاعتذار للأستاذ عبد الجليل التميمي الذي كان وراء ظهور هذا الملف في هذا التوقيت إلى العموم.