في ندوة ‘متشنجة’: نقابيون غاضبون من البيروقراطية النقابية ومعارضون للقيادة الحالية للاتحاد…

نقابيون

كتب: نوفل سلامة  

تعيش مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات منذ فترة وتحديدا بعد حراك 25 جويلية الحدث الذي غير المشهد السياسي مائة وثمانون درجة وقلب الوضع العام في البلاد رأسا على عقب، مرحلة غير طبيعية في علاقة بمسيرة المؤسسة التاريخي ودورها الأكاديمي الذي لعبته في زمن ما قبل الثورة لحفظ الذاكرة الوطنية رغم محاولات السلطة المتكررة لاستدراجها وتوظيفها دون جدوى لتحافظ المؤسسة على استقلاليتها وحيادها الأكاديمي ما جلب لها كل الاحترام والتقدير والمكانة….

مشروع ‘الشعب يريد’

لكن المنعرج الذي حصل في الآونة الأخيرة انخراطها في ما تشهده البلاد من صراع سياسي بعد تملك منظومة 25 جويلية من الحكم والسلطة في مشروع سياسي كبير لتونس الغد أو ما يُعرف بمشروع الشعب يريد والتأسيس الجديد الذي يقوم على القطع مع منظومة الحكم القديمة التي حكمت بعد الثورة وما يتبعها من رفض لمكوناتها من مؤسسات وهياكل ومنظمات وأحزاب وكل ما يعرف بالأجسام الوسيطة المنبثقة عن نظرية الديمقراطية الليبرالية وتطبيقات الديمقراطية التمثيلية التي يحمّلها الرئيس قيس سعيد مسؤولية الفشل السياسي الذي رافق عشرية كاملة بعد الثورة.

دراسة جديدة

المنعرج الذي حصل في المؤسسة في تحولها من فضاء علمي أكاديمي للنقاش في القضايا الحضارية والتاريخية الكبرى وحافظة للذاكرة الوطنية بجرأتها في فتح أبواب كانت مغلقة وملفات تحتاج إلى دراسة جديدة لإعادة القراءة والبحث والفهم والكتابة في قضايا مهمة وأحداث مفصلية في تاريخ تونس المعاصر من أجل التأريخ لما حصل بطريقة تقربه إلى حقيقة ما حصل وبنسبة معقولة من الحقيقة التاريخية .. إلى فضاء انخرط في الصراع السياسي المحتدم اليوم بين أنصار الرئيس ومعارضيه وتحول إلى فضاء تغيب فيه الموضوعية اعتبر في نظر البعض محسوبا على منظومة 25 جويلية من وراء الشهادات والسماعات التي سمح بها وتبنتها المؤسسة للمتضررين من منظومة ما قبل 25 جويلية وأجسامها الوسيطة فبعد السلسلة المثيرة من الندوات التي خصصتها المؤسسة لسماع شهادات ما حصل للمبلغين عن الفساد من هرسلة وأخطار و عدم توفر الحماية المطلوبة لهم وعدم قيام هيئة مكافحة الفساد بالدور الذي كان عليها أن تلعبه في حماية المبلغين وتحولها هي الأخرى إلى جهة متهمة بالفساد المالي والإداري…

وبعد سلسلة الندوات التي تعرضت إلى السلطة القضائية وتحديدا المجلس الأعلى للقضاء والانخراط في معركة الاطاحة بالمنظومة القضائية الحالية التي يعتبرها الرئيس أحد أسباب أزمة البلاد وحلقة من الحلقات التي ساهمت في افشال الثورة، وهي في نظر السلطة الحالية بؤرة من بؤر الفساد المتغلغل في تونس فكانت سلسلة من الشهادات والسماعات لأفراد تعرضوا لمظالم قضائية وحصلت لهم مضار على حد قولهم من القضاء الذي يوصف بأنه قضاء الولاءات والتعليمات و هو موال لجهة سياسية معلومة متهمة بالسيطرة والهيمنة عليه..
يأتي اليوم الدور على المنظمة النقابية لتخصص لها المؤسسة لقاءات فكرية في علاقة بالدور الذي لعبته بعد الثورة والمسؤولية التي تتحملها في إفشال المسار الانتقالي حيث تتهم منظمة حشاد بالانزلاق والانحراف عن مرحلة التأسيس الأولى والأهداف التي من أجلها تأسس الاتحاد العام التونسي للشغل مدافعا عن الطبقات العاملة والفئات الفقيرة والضعيفة.

ندوة متشنجة ومتوترة

فكانت ندوة يوم 19 مارس 2022 ندوة متشنجة ومتوترة لكونها تناولت موضوعا ثقيلا وقضية الحديث حولها متشابك ويعرف خلافا حادا في علاقة بما اعتبر انزلاقا قامت به القيادة الحالية عن المسار الحقيقي للزعماء النقابيين التاريخيين و انحرافا عن تاريخ المنظمة ومسيرتها النضالية فكانت الشهادات التي برمجت في هذه الندوة تصب جميعها في نقد لأداء القيادة الحالية واتهام القائمين على الشأن النقابي بالانحراف وتحولت في نظر المعارضين إلى سبب جوهري في أزمة تونس العميقة والجهة الأكثر مساهمة في تعطيل تحقيق الثورة وأهدافها.  
استمعنا في هذه الندوة إلى الصوت المعارض للنهج الذي سارت عليه القيادة الحالية للمنظمة الشغيلة جاء من نقابيين تم طردهم أو إقصائهم من العمل النقابي أو تم ايقافهم عن النشاط وتجميد عضويتهم لأسباب يقول عنها أصحابها أنها تعود إلى انحراف القيادة الحالية برئاسة نور الدين الطبوبي ومكتبه التنفيذي الذي يسيطر عليه لون حزبي معين عن النهج الديمقراطي الذي قام عليه الاتحاد منذ فترة التأسيس الأولى باعتباره خيمة جامعة لكل الآراء والاتجاهات وفضاء وطنيا قابلا بالاختلاف والتعدد غير أن الذي يحصل مع القيادة الحالية للاتحاد هو رفض الصوت المخالف وإقصاء الرأي الآخر الذي لا ينساق إلى تعليمات القيادة المركزية الأمر الذي حوّل النقابة اليوم إلى نوع من الجماعات المنغلقة عن نفسها المتصلبة لا مكان فيها للمخالفين وهو انحراف خطير عن نهج التأسيس الأول فيه إضعاف للاتحاد حينما يغيب عنه الاختلاف والصوت المعارض.

البيروقراطية النقابية

انتقد المعارضون من الذين تم طردهم بسبب آرائهم وعدم انصياعهم لتعليمات القيادة المركزية ظاهرة طغيان البيروقراطية النقابية المرض الذي تغلغل في هياكل الاتحاد وحول هذه المنظمة العريقة إلى نوع من الادارة المريضة التي يغيب عنها التجديد ويتغلب بداخلها الرأي الواحد وحكم الجماعة النافذة الحامية لمصالحها والمقدمة لامتيازاتها على مصلحة البلاد حتى أصبح الاتحاد شبيها بمكينة حزبية تتحرك كلما شعرت القيادة بأن مصالحها قد تضررت.
من بين الأسباب الخلافية العميقة التي عجلت بحصول الانشقاق داخل منظمة حشاد العتيدة وفرض على عدد من النقابيين والنقابيات الخروج عن سياسة القطيع التي كرستها القيادة الحالية القرار الذي اتخذته هذه الأخيرة بتنقيح الفصل 20 من النظام الأساسي للاتحاد في اتجاه السماح للجماعة المتمكنة من المكتب التنفيذي بالترشح من جديد إلى عضويته حيث اعتبر المعارضون أن الذهاب إلى مؤتمر استثنائي لتغيير قوانين المنظمة هو انقلاب عن الشرعية النقابية وانقلاب عن الديمقراطية وانقلاب على فكرة التداول عن السلطة…
الفكرة التي ناضلت منها أجيال كثيرة من النقابيين في زمن الاستبداد ومحاولة لتأبيد البقاء في القيادة فما قامت به جماعة المكتب التنفيذي الحالية في المؤتمر الاستثنائي الأخير هو سلوك غير ديمقراطي ونهج انقلابي مدان يخدم مجموعة تمكنت من القيادة ولا تريد الخروج منها بعد أن أضحت بحكم قوانين المنظمة ممنوعة من الترشح مرة ثالثة بعد أن استنفذت حقها في الترشح المحدد بدورتين لا غير…
واعتبروا أنه من حيث المبدأ لا شيء يمنع من تنقيح القوانين وتغييرها على أن يحصل ذلك بالطرق القانونية وفي الأطر الشرعية الديمقراطية وبعد تحكيم الصندوق الانتخابي، وأن نذهب إلى مؤتمر انتخابي نحكم فيه كل النقابيين والنقابيات ونعرض عليهم تنقيح القانون أما أن نذهب إلى مؤتمر صوري غير شرعي لإعادة انتخاب القيادة الحالية من وراء تغيير الفصل 20 من النظام الأساسي فهذا عين الانقلاب والتلاعب بالشرعية وخروج عن النهج الديمقراطي..

كلام خطير

ما يمكن قوله أن ما استمعنا إليه في هذه الندوة من شهادات لبعض النقابيين والنقابيات الذين يصفون أنفسهم بالمعارضين لسياسة القيادة الحالية للمكتب التنفيذي والمنشقين عنه بسبب خلافات عميقة مع القيادة المركزية هو كلام خطير في علاقة بصورة الاتحاد التاريخية و أن حجم الغضب لدى أصحاب الشهادات كبير وحجم الانتقادات أكبر وأن الإخلالات هي بدورها كبيرة بخصوص أداء الاتحاد في مرحلة ما بعد الثورة وأن الأخطاء التي ارتكبتها جماعة الطبوبي لا تحصى ولا تعد في علاقة بالبيروقراطية المتغلغلة، وفي تحكم السلوك الاستبدادي وفي غياب ثقافة التعدد داخل المنظمة في راهنها وغياب الروح الديمقراطية في الممارسة الفعلية وفي ازدواجية الخطاب عند القيادة التي تظهر في العلن بمظهر الطرف المحاور القابل بالتعدد والميال إلى تحكيم صوت العقل والمصلحة الوطنية…
في حين أن حقيقة القيادة في تسييرها للشأن النقابي الداخلي على العكس من ذلك حيث يغلب فيها منطق الغنيمة والمصلحة الخاصة والحسابات الشخصية وغلبة منطق البلطجة والعصابات تجاه كل من يعارض توجهات المركزية النقابية وممارستها للهرسلة والتهديد تجاه كل من يخالف أو ينتقد توجهات الطبوبي ورفاقه.

صورة مشوشة

ما يمكن الخروج به بعد هذه الشهادات أن صورة الاتحاد اليوم مشوشة وأن المنظمة الشغيلة ليست في أفضل أحوالها مع المكتب التنفيذي الحالي الذي توجه إليه انتقادات حادة في علاقة بفشله في تسيير الاتحاد وفشله في الدفاع عن مصالح منظوريه وتحمله جانبا كبيرا مما حصل للثورة من فشل…ومسؤولية أخرى في كل الاحداث التي حصلت بعد رحيل بن علي في علاقة بالإكراهات التي فرضها على كل الحكومات المتعاقبة ما صعب وعسر الحكم وممارسة السلطة وحكم على تجربة سياسية كان يمكن أن تنجح بالفشل في علاقة بإغراق الحكومات بكم كبير من الاتفاقيات القطاعية التي يتم ترحيل تطبيقها في كل مرة إلى الحكومة القادمة مما سبب إحراجا ماليا لمن يحكم…

لاعب سياسي بإمتياز

 وفي علاقة بكم الإضرابات التي عطلت العمل وحركة الإنتاج وصعبت الحكم وفي علاقة بتأجيج الشارع وتجييش الشعب في كل معركة سياسية بين الأحزاب أين رأينا الاتحاد يخرج عن دوره الاجتماعي النقابي ليساند جهة على حساب أخرى ويتحول إلى لاعب سياسي بامتياز وفي علاقة بتدخله في ممارسة الحكم وتحكمه في اللعبة السياسية بقوة بفرض سياسات وتوافقات وترضيات وفرض التعيينات في الإدارة والمؤسسات العمومية وسلطة القرار السياسي في الجهات وفي قلب السلطة…
وفي علاقة بمساهمته الواضحة في تحديد السياسات العامة في ملف  الفسفاط والناقلة الجوية وملف الدعم والوظيفة العمومية والمؤسسات العمومية التي تعرف صعوبات مالية وترهق ميزانية الدولة والانتدابات التي لعب الاتحاد فيها دورا رئيسيا بفرضه ترسيم الآلاف من العمال في الوظيفة العمومية والزيادات في الأجور، وغيرها من القضايا الحارقة التي توجه فيها التهمة إلى الاتحاد فيها الجمع بين المجال السياسي والمجال النقابي وتهمة تحول الاتحاد الى حزب سياسي في رداء نقابي.

شهادة للتاريخ

إن المفيد قوله بعد سماع كل هذه الشهادات المنتقدة والغاضبة من أداء القيادة المركزية الحالية للاتحاد أن عقد ندوة فكرية لتقييم أداء المنظمة الشغيلة بعد الثورة بات ضروريا وأن الوقوف على مسؤوليته في كل الأحداث التي جدت في البلاد خلال عشرية كاملة وعطلت انجاز حلم الثورة مهم وأن لقاء فكريا حول مسؤولية الاتحاد في كل العثرات والمنزلقات الانحرافات التي عرفتها الثورة وحالت دون تحقيق الانتقال الديمقراطي أضحى اليوم أكثر من المؤكد حتى نكتب تاريخا صحيحا وتاريخا قريبا من حقيقته التي حصلت يجد فيه كل الفاعلين موقعهم وحجمهم وجانبا من مسؤوليتهم التي يتحملونها نجاحا أو فشلا .. لقاء فكري قد تحتضنه مؤسسة التميمي عنوانه ” اتحاد الشغل من التأسيس الأول إلى انحرافات القيادة الحالية .”