كلمات في قلب معاناة السجين..عبر مسلسل «الفوندو»

كتب: الأمين الشابي
مسلسل ” الفوندو ” أسال الكثير من الحبر و أضاف الكثير الصحب و من الكلام من هنا و هنالك و حرّك الكثير من الجمود النقدي،
وهذا في الحقيقة يحسب لهذا المسلسل الذي أشعل نيران النقد من كلّ جانب بين مدافع و مستهجن و بين مستحسن و مستنكر و لكن قبل الدخول في قراءتنا لهذا المسلسل و حول مضمونه و مضامينه ، الذي حرّك الجميع يمينا و يسارا و وسطا، دعنا نذكر بجذاذته الفنّية لنقول و أنّ مسلسل ” الفوندو ” شارك في العمل فيه 18 ممثلا و هم ياسين بن قمرة وسهيل بن عمارة و كمال التواتي و نضال السعدي و بلال الباجي و لطيفة القفصي و رؤوف بن عمر وعيسى حرّاث و درصاف مملوك و نعيمة الجاني و محمد علي بن جمعة و الأسعد الجموسي و ساسية رحيم و أميرة .شبلي و سماح السنكري و عصام بالشيخ و مروان نوردو ونصاف بن حفصية. و ” الفوندو ” من تأليف عزيز الجبالي و سيناريو و حوار وإخراج سوسن الجمني بمساعدة مروى الزنادي و محمد علي كمّون.
وحتّى نقف على مضامين هذا المسلسل – و إن استهجن البعض لما أتى فيه من بعض المظاهر السلبية التي قد تؤثر على المراهقين سلبا خاصة أمام بعض المواقف المتعلقة خاصة ” بتشليط البدن ” و تعاطي الزطلة أو بعض مظاهر الفساد الأخلاقي فضلا على ما ذهب إليه صديقنا الناقد منير الفلاح الذي أتى في بعض ممّا دوّنه ” و لعلّ آخر استنساخ لأفكار الآخرين مسلسل ” فوندو ” فقلب الحكاية منقول عن سلسلة بثت مؤخرا على نتفليكس بعنوان ” من قتل سارّة ” و تتمحور حكايته حول شاب يتّم توريطه في قتل جريمة قتل لم يرتكبها و يزج به في السجن لسنوات ولما خرج يقوم بالبحث عن القاتل الحقيقي و ينتقم منه بطريقته، العقلية الّي نحكي عليها تكمن هنا في سرقة الفكرة المركزية للعمل و تونسنتها مع اضافة بعض الفروع الثانوية للدراما في شكل بهارات تونسية لتمرير الحكاية على أساس أنّها واقعية “
ولنبدأ من البداية لنقول و أنّ من حشر المسلسل في نقد النّواحي السلبية كمن وقف عند ” ويل للمصلين ” بدون أن يكمل الآية لأنّ الوقوف فقط عند كلّ ما هو سلبي في هذا العمل كمن رأى الشجرة التي تغطي غابة بأكملها. فمسلسل ” الفوندو ” عالج موضوعا هاما وهو وضع السجين بعد مغادرته السجن خاصة بعد مدّة طويلة قضاها في عالم خاص و شارك أشخاصا- لا علاقة له بهم – حياتهم وتجاربهم و حكايات ما ارتكبت أياديهم و ما لم ترتكب خاصة و كلّ هؤلاء فاقدين لطعم الحرية و لا يتحكموا حتّى في نوعية الطعام الذي يقدّم لهم و لا يستشيرونهم في شيء ممّا يضفي على حياتهم الرتابة و انقطاع الأمل في غد أفضل و يعيش محكوما فيه و هو غير قادر على تغيير ذلك المصير داخل السجن على مرارته. هذا من ناحية و من ناحية ما قد يعانيه السجين بعد مغادرته السجن في مجتمع مازال يعتقد و أنّ السجين – سواء كان مظلوما أو فعلا ارتكب جريمة ما – هو شخص منبوذ و يجب تفاديه و لا يقبل حتّى أن يشغلّه أحد و لا تقبل أيّ عائلة أن تزوجه من بناتها، فضلا عن المرارة و اليأس التي يعاني منها السجين بعد مغادرته السجن. نعتقد جازمين و أنّ كل هذه الجوانب النفسية أتى عليها المسلسل و نجح في ابرازها للمتفرج و كأنّه نصّب نفسه – أي المسلسل و ما تضمنه – مدافعا عن هذه النواحي النفسية التي يعيشها النّزيل المغادر للسجن. و قد تابع كلّنا الاضطرابات النفسية التي يعيشها السجين عبر أحداث المسلسل و خاصة إذا ما كان هذا السجين دفع حيزا كبيرا من حياته على جريمة لم يرتكبها. و بالتالي لماذا نهمل كلّ هذه المعالجات التي حاول المسلسل ابرازها و الإجابة عن كلّ الأسئلة الحارقة حولها و نهتم ببعض النواحي السلبية و التي نراها شكلية، رغم أنّ ذلك واقع بيننا يعايشنا و نعايشه على غرار تعاطي ” الزطلة ” و تهشيم البلور و بأقل حدّة ” تشليط ” البدن. و هنا نسأل هؤلاء الذين رأوا في المسلسل إلاّ تلك الظواهر السلبة و بدوا يكيلون له كلّ ما عنّ لهم من الأفكار السلبية، نسألهم أليس ذلك واقع ما يعيشه مجتمعنا اليوم؟ فلماذا نغطي عين الشمس بالغربال . و بالتالي النقد يجب أن يكون موضوعي أو لا يكون ؟ فالمسلسل في النهاية الفكرة الرئيسية التي عمل على ابرازها هي معاناة السجين المغادر و نظرة المجتمع إليه بالدون و هذا واقع و ليس خيال؟
وفي هذا الإطار أتذكر أنّي قمت بحوار مع أحد السجناء بعد أن قضى حوالي 24 سنة وراء القضبان و ألخص موقفه فيما قاله حرفيا لي آنذاك بالقول ” ما إن غادرت السجن حتى كثرت “محوني” و مشاكلي وأفقت على الكم الهائل من الصعوبات التي تنتظرني. فوجدت نفسي بلا مأوى ـ ليحميني من قساوة البرد وحرّ الصيف ـ وبلا عمل ـ ومن يقبل تشغيل سجين سابق ـ و بلا سند ـ بعد أن فقدت الوالدين وأنا في السجن ـ وبلا زوجة ـ وأنا ذو الـ 50 سنة من العمر ولم أتزوج بعد – مضيفا أليس البقاء في السجن أفضل و أريح….؟ و حديث هذا السجين، و لا يمثّل إلاّ عيّنة، يحلينا على الكثير من الأسئلة الحارقة لهذا الصنف من المواطنين الذين زلّت بهم القدم ونالوا ما يستحقونه من العقاب، أليس من حقهم مواصلة حياتهم بصفة طبيعية أم نواصل عقابهم مرّة أخرى؟ ولكن السؤال الأهم ماذا أعددنا لهم لإدماجهم في محيطهم الاجتماعي والاقتصادي والحال وأنّ نظرة المجتمع لنزلاء السجن مازالت لم تتجاوز النظرة النمطية لهم ؟ وكذلك من شروط تشغيل أي مواطن نظافة بطاقة عدد 3 ؟ فهل مهدنا لإدماج السجين بتغيير كل هذه الأشياء… بل أضيف شيئا آخر و هو أيضا من صميم الواقع و ذلك في إطار أحد التحقيقات الصحفية و جدت في السجن الكثير ممن زلت بهم القدم و حوكموا بأحكام ثقيلة تصل إلى المؤبد و لكن و رغم كلّ ذلك وجدت من بينهم من يعدّ اطروحة دكتوراه وهو وراء القضبان و من يشارك في أعمال مسرحية و من بينهم أيضا من سيشارك في البطولة الوطنية للمطالعة وعاينا كيف يلتهم هؤلاء الكتب التهاما رغم أن بعض من هؤلاء النزلاء لم يتجاوز مستواهم مرحلة الابتدائي أو الثانوي.
وبالتالي علينا أن نضع مسلسل ” الفوندو ” في اطاره و نكبر في مؤلفه و كاتب السيناريو و الحوار هذا الاختيار الذي يعالج فعلا موضوعا شائكا و مسكوتا عنه أ لا و هو معاناة السجين بعد مغادرته السجن؟ و بمثل هذه الأعمال الدرامية نكون قد ساهمنا في تحريك الجهات المختصة للانكباب على مآل السجين بعد المغادرة خاصة في ظل ما يعيشه العالم من تطورات و حركية دائمة قد يجد معها السجين نفسه يعيش خارج هذا العالم حتى لا نقول في كوكب آخر بعد أن فاته كلّ شيء.
أمّا فيما يتعلّق ما ذهب إليه صديقنا الناقد منير الفلاح من أنّ العمل في أصله لم يخرج عن دائرة الاستنساخ، فإنّي بقدر ما أكبر فيه هذا الجانب من توضيح حقائق الأشياء و ما قد يترتب عن ذلك ربما من تتبعات، بقدر ما أدعو صديقي وأخي منير الفلاح لعدم الوقوف عند الشكل و يدخلنا في عالم مضامين هذا المسلسل و أبعاده و أهدافه و معالجته و رؤاه الفنية وطريقة إخراجه . لنختم هذه الورقة بالذهاب بالقول بأنّي أقبل بالمسلسلات التي تعكس واقعا و كلّ المواضيع المسكوت عنها و التي قد تنفجر في يوم ما في وجوهنا جميعا على أن نكتفي ببعض الانتقاد من هنا وهناك تقزيما و تحقيرا لكل مجهود للآخر و من اجتهد وأصاب فله أجران و من اجتهد ولم يصب فله أجر واحد.