محمد المحسن يكتب: إشراقات غزوة بدر..في أفق انتصارات المسلمين

كتب: محمد المحسن
تصدير :
“كم هو جدير بالأمة تعيش هذه الأيام المباركة -رمضان- كما تعيش حالات وأوضاعاً شتى يظهر فيها المد والجزر،والتفرق و الاختلاف،وتبرز فيها التحديات العظمى في صور شتى من أعدائها.كم هو جديرٌ بها أن تستلهم من تأريخها الدروس والعبر فيما عاشه المصطفى صلى الله عليه وسلم، من رمضانات كانت تبعث فيها السرايا،وتجهز الجيوش وتخاض المعارك” (اقتباس)
فاتقوا الله أيها المسلمون وراقبوه ولا تعصوه،فبتقوى الله سبحانه تحصل السعادة،وتطمئن القلوب،وتنشرح الصدور،(وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً) [الطلاق: من الآية4].
قد لا أجانب الصواب إذا قلت أن غزوة بدر الكبرى التي سطّر فيها المسلمون أروع انتصاراتهم وتحول فيها الإسلام من الهوان إلى القوة لها مكانة عظيمة حيث ذكر اسمها في القرآن الكريم ونزلت الملائكة على جبالها التي تحيط بها من كل اتجاه وفي جنباتها عاش الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم وكانت أسواقها أحد أشهر أسواق العرب وأحد مراكز تجمعهم للتبادل التجاري والمفاخرة قديماً.
هذه الغزوه الخالدة تعد فاتحة الانتصارات في شهر رمضان؛شهر الفتوحات والانتصارات والخيرات والتمكين.
في رمضان من القيم الإيمانية والمعاني السامية لمن شأنه أن يضيف للمسلمين صبرا لا ينقطع، وعزيمة لا تنفد وإقداماً لا حدود له.وما إن تذكر الأحداث المهمة في تاريخ المسلمين والتي حدثت في رمضان؛ فإن أول ما يحضر في بال كل مسلم غزوة بدر الكبرى ( عام 624م “17 رمضان في العام الثاني للهجرة النبوية الشريفة”)،التي انتصر فيها المسلمون بقيادة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على جحافل الكفر وصناديد الباطل من قريش.
دلالات غزوة بدر الكبري :
سميت غزوة بدر الكبرى بهذا الاسم نسبةً إلى منطقة بدر وهي بئرٌ مشهورةٌ تقع بين مكَّة المكرمة والمدينة المنورة.
أسباب غزوة بدر :
تعد أولَ معركة للمسلمين ضد المشركين تعود إلى أن قريش كانت تعامل المسلمين بقسوة ووحشية فأذن الله للمسلمين بالهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة،لكن قريشاً استمرت في مصادرة أموال المسلمين ونهب ممتلكاتهم،وعلم النبي -صلَّى الله عليه وسلم -أن قافلة تجارية لقريش محملة بمختلف البضائع والأموال سوف تمرّ بالقرب من المدينة في طريق عودتها إلى مكة المكرمة قادمة من الشام وقرر أن يقابل المشركين بالمثل،ودارت بداية تفاصيلها عند محاولة المسلمين اعتراضَ تلك القافلة التي يقودها أبو سفيان ولكن أبا سفيان تمكن من الفرار بالقافلة بتغيير خط سيرها،وأرسل رسولاً إلى قريش يطلب عونهم ونجدتهم، فاستجابت قريشٌ وخرجت لقتال المسلمين.
وحيث أن المسلمين عند قدومهم نزلوا قرب كثيب الحنان في العدوة الدنيا،وكانت أرضاً واسعة محمية من جهاتها الثلاث،ثم انتقلوا بعد ذلك إلى موقع آخر وبنوا عريشاً من النخل في نفس المكان الذي يوجد في مسجد العريش حالياً نسبةً للموقع،وأمضى رسول الله صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الليل يصلي ويتضرع إلى الله في نفس الموقع أن ينصر المؤمنين فأنزل الله سكينته عليهم,ثم بدأ القتال بين المسلمين والمشركين صباح يوم السابع عشر من شهر رمضان المبارك.
وبلغ عدد المشركين في غزوة بدر 1000 مقاتل،مقابل 313 مقاتلا من المسلمين،وأمد الله المسلمين بمدد من الملائكة كما جاء في قولة تعالى: “وَلَقَدْ نَصَّرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِين بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِين”،واستمر القتال حتى ظهر ذلك اليوم وكتب الله النصر للمسلمين بعد أن استشهد منهم 14 رجلاً،وسقط من المشركين 70 قتيلاً وأُسر منهم 70،وهُزم الأعداء وغنم المسلمون غنائم كثيرة.
ولهذه الغزوة أهمية بالغة مع الانتصارات الكبيرة التي تحققت للمسلمين،بالإضافة للتأثيرات الإيجابية التي خلّفتها في نفوسهم،حيث رفعت من معنوياتهم وزادت في إيمانهم وقوت من شوكتهم وذاع صيتهم،وهزَّت كيان أعدائهم،وأصبحوا ينظرون إلى المسلمين على أنهم قوة لا يستهان بها.
وقائع وأحداث منقوشة في ذاكرة التاريخ الإسلامي :
ظهرت الخلافات في جيش المشركين بعد نجاة القافلة بين مريد للعودة دون قتال المسلمين حتى لا تكثر الثارات بين الطرفين،وبين مصر على القتال كأبي جهل،وقد غلب رأي أبي جهل أخيرًا،ولم يعد هدف قريش نجاة القافلة،بل تأديب المسلمين،وتأمين طرق التجارة،وإعلام العرب بقوة قريش وهيبتها.
إشراقات النصر..وتداعيات الهزيمة على نفوس المشركين:
كسب المسلمون مهارةً عسكريَّةً،وأساليبَ جديدةً في الحرب،وشهرةً واسعةً داخل الجزيرة العربيَّة، وخارجها. أمَّا قريش، فكانت خسارتها فادحةً، فإضافةً إلى أنَّ مقتل أبي جهل بن هشام، وأميَّة بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وغيرِهم من زعماء الكفر؛الَّذين كانوا من أشد القرشيِّين شجاعةً، وقوةً،وبأسًا لم يكن خسارةً حربيَّةً لقريشٍ فحسب،بل كان خسارةً معنويَّةً أيضًا؛ ذلك: أنَّ المدينة لم تعد تُهَدِّدُ تجارتَها فقط، بل أصبحت تهدِّد أيضًا سيادتها ونفوذها في الحجاز كلِّه.
وبذلك تعدُّ غزوة بدر رغم صغر حجمها معركة فاصلة في تاريخ الإسلام،ولذلك سماها الله عز وجل بيوم الفرقان،قال تعالى: {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} [الأنفال: 41]، ففرق بها سبحانه بين الحق والباطل؛فأعلى فيها كلمة الإيمان على كلمة الباطل،وأظهر دينه،ونصر نبيه وحزبه.
لقد عظمت غزوة بدر وانتصار المسلمين فيها من هيبة المسلمين في نفوس كفار قريش، ارتفعت الروح المعنوية عند المسلمين،و اهتزت هيبة قريش في الجزيرة العربية بأكملها، ودخل الشك في قلوب الكفار.
اللهم نصرك الذي وعدتنا..إنك سميع قريب..(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُم ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصرِهِم لَقَدِيرٌ،الَّذِينَ أُخرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيرِ حَقٍّ, إلاَّ أَن يَقُولُوا رَبٌّنَا اللَّهُ وَلَولا دَفعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ, لَهُدِّمَت صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذكَرُ فِيهَا اسمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيُّ عَزِيزٌ) (الحج:40).
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،والحمد لله رب العالمين.
على سبيل الخاتمة :
في تجديد الذكريات تجد النفوس سلوتها، وتستذكر الأجيال تأريخها، وتأنس القلوب وهي تعيد النظر كرةً بعد أخرى في سير أمجادها وسجلات أبطالها، وتعظم هذه الذكريات وتزهو حين تكون ذكريات نصر وخير وفداء وبطولة،يتوجها شرف الزمان والرجال:
فالزمان: شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان.
والرجال: محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام من المهاجرين والأنصار –رضي الله عنهم وأرضاهم- خير القرون، وأزكى الأمم،وأبرُّ الأجيال.
والأمم جميعاً اعتادت على قراءة سيرة روادها، وقداسة قوادها وأبطالها، والنظر في سيرهم وحياتهم، والوقوف معها وقوفاً لا يكمن في روايات تتلى، أو قصص تروى، وإنما هو وقوف على عبرٍ ومواقف تبصر المسلم بتأريخه يأخذ منها العظة والعبرة في حياته وتأريخه، (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [يوسف:111].
حسرتي الموجعة على أمجاد المسلمين التي سطرها السلف،وضيعها الخلف الذين شُغلوا بالشهوات والملهيات عن العمل لنصرة دينهم ورفعته.
(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) [يوسف: 21].
وأرجو..أن يستفيقَ العرب والمسلمون من غفوتهم ويدركوا أن ليلهم أوغل في الدياجير..