محمد المحسن يكتب: “بائع الملسوقة”..في زمن متخَم بالشدائد..نالت فيه المواجع من المبدع..في نخاع العظم

كتب: محمد المحسن
تصدير :” المثقفون يأتون لحل المشاكل بعد وقوعها،والعباقرة يسعون لمنعها قبل أن تبدأ” (البرت أينشتاين)
“المثقفون لديهم مشكلة:عليهم تبرير وجودهم.”(نعوم تشومسكي)
لا تغيب تجليات الأزمة العربية الراهنة ثقافيا عن رجل الشارع العربي البسيط،في ظل عصر الفضاءات المفتوحة والمباشرة،فكيف بالمراقب الخبير والمطلع على تفاصيل المشهد الراهن وتعقيداته ببلادنا،التي على وشك أن إن تمادت في نهج المزايدات السياسية والمناكفات الفجة إلى المربع الأول،مربع الظلم والقهر والاستبداد بعد أن كنا على وشك تجاوزه نهائيا، وإلى غير رجعة.فقد مثلت-ما يسمى-ب”ثورات الربيع العربي”المفاجأة واحدة من اللحظات التاريخية العربية الفارقة،التي بنجاحها قد تعيد تعريف كل مفردات هذه اللحظة العربية والإنسانية من جديد،بعد أن فقدت الكثير من هذه المفردات دلالاتها الاصطلاحية كاملةً،ولهذا كُثر المتآمرون داخليا وخارجيا على هذه الثورات التي تونس ليست إستثناء من تداعياتها..
والثقافة هي التي تعطى للحياة البعد الجميل وهي التي تشعرنا بجمالية الإنسان في كل أبعادة وبجمالية الكون أيضا.
والعلاقة بين الإنسان والثقافة علاقة قديمة للغاية بل هي ملازمة له منذ ميلاد الإنسان الأوّل،ومنذ اللحظة الأولى للإنسان تأسسّت معادلة مفادها أنّه لا إنسانية بدون ثقافة،ولا ثقافة بدون إنسان،ولا إزدهار ثقافي بدون الحوار بين كل الرؤى و الأفكار المتعددة .ولأجل ذلك كانت الثقافة هي السلاح الذي إعتمده الإنسان في تأكيد ذاته وحريته،وتأكيد أنّه خلق ليعيش حرّا.
وعلى إمتداد التاريخ البشري أستخدمت الثقافة لمواجهة الظلم وإحقاق العدل،لمواجهة الديكتاتورية وإحقاق الديموقراطية والحريّة،ويؤكّد التاريخ تاريخ الإنسان مهما كان لونه وشكله ودينه وقوميته أنّ المبدعين والمثقفين هم الذين قادوا التغيير وهم الذين مهدّوا للتطورات الكبرى التي عرفها التاريخ،والفلاسفة والأنبياء والشعراء والكتّاب والروائيون ما هم إلاّ بشرا من نوع خاص.هم بشر يحملون همّا ثقافيا ويهدفون إلى تغيير حياة الإنسان نحو الأفضل.
إن مصير البشرية سيكون مظلما بدون ثقافة تعددية،و القصائد والأشعار والروايات والأفكار التي تحدّت العسكريتاريا في العالم الثالث ستتحوّل إلى منارات لأجيال الغد.وأكبر دليل على ذلك أنّ الأفكار والثقافات كانت وراء كل التغييرات الكبرى الإيجابية التي عرفها التاريخ..
و هنا نقول جازمين أن الثقافة الوطنية هي إرث يجب أن نعتز به نضيف إلى سياقها ومساراتها و لا يمكن أن يتأسس الحوار على إستئصال هذه الثقافة لتحل محلها ثقافة أخرى فرضتها الكوكبية و العولمة وأفكار أخرى موغلة في الدياجير ..
وإذن؟
المثقف إذا،الذي يشكل عاملا إضافيا و رقما صعبا في معادلة التكامل الثقافي هو ذلك المثقف العضوي (مع الإعتذار لغرامشي) الذي يضحي من أجل أن تسود أفكاره و أفكار الآخرين، وينطلق عقله من قاعدة التحاور مع عقول الآخرين لصناعة دولة ومجتمع الرفاهية للإنسان العربي الذي تخبط في تجارب فردية ساهمت في تراجع مشروع التنمية و النهضة..
و الثقافة في مطلقها الحضاري هي التعددية وتشريك المثقف في بناء حضارة بلاده..
و المثقف لا يمكن أن يكون أسير فكرته ومنطلقاته فذاك سيؤدي إلى تحجيم العقل و تطويقه. والمثقف الحضاري هنا..أو هناك هو ذلك الذي يتشاور و يتحاور و يتجادل ويتبادل الأفكار،لكن في نهاية المطاف ينصاع للفكرة البناءة العملاقة التي تردف الدولة والمجتمع بأسباب القوة والمناعة و الحصانة من عوامل التعري و التآكل .
كما أن المثقف-أولا وأخيرا-هو ذاك الذي يكرس ثقافة الحوار كمبدأ و يجيد السماع والنقاش وإستخلاص المعادلات من الأفكار البناءة.
و الحوار هنا :هو الحوار بين أبناء الشعب الواحد حول آليات تسيير الدولة أو النهج السياسي المتبع أو الثوابت و المتغيرات التي يجب إتباعها في مسرح دولي متعدد تهب رياحه العاتية من الجهات الأربع،كما أن الحوار قد يكون بين الشعوب والحضارات و التشاور والتفاعل الثقافي بين الشعوب من سمات الراهن البشري ومجالات الحوار الحضاري تشمل الحوار المتفتّح في المجال الديني و المجال السياسي و الاقتصادي وغير ذلك من مجالات الحوار ..
وتونس اليوم تتهودج في ثوب الديموقراطية الذي خاطته أنامل ضحّت بحياتها في سبيل أن ننعم بكلمة”لا”حين يقتضيها المقام-..في زمن كانوا يريدونها بالأمس-دوما-“نعم”.وبالأمس القريب-ما قبل إنبلاج فجرالثورة البهيج-قلت:لا..بملء الفم والعقل والقلب والدم و”أدنت” تبعا لهذا-الموقف الرافض-بجسارة من لا يهاب لسعة الجلاد بكل عقوبات جهنم
من”إقصاء..تهميش..تجاهل، نسيان..ومراقبة أمنية لا تخطئ العين توحشها الضاري..إلخ
وهنا أختم بكلمة أخيرة منبجسة من خلف شغاف القلب: التكريم الحقيقي للمثقف..هو أن تصان كرامته في وطنه..وأن تحترم كلمته..
ومن هنا تجدر الاشارة إلى أن الكرامة التي أقصد إلى إثارة الانتباه إليها ها هنا، ليست تلك الكرامة التي يربطها البعض برغد العيش وهناء البال،والتي يحققها التمتع بأزاهير الحياة من مطالب طينية،حيوانية،رخيصة،إنما الكرامة التي أقصدها هي مُعْطًى فطريٌّ جاء مع الإنسان إلى هذه الحياة، وليس لأحد أن يَمُنَّ به على أحد. فالتكريم ثابت في حق الإنسان “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ” (الإسراء،70)،وهو “ملكية فردية” له،لا يحق له أن يتنازل عنها.ومن فرَّط فيها ضلَّ الطريق،وسار إلى إهانة نفسه،لذلك لا أعتبر الكرامة “مطلبا” بالمفهوم النقابي للكلمة،لأنه لا أحد قادر أن يمنحها لك،ولكنها “مِلْكٌ”من فرَّط فيه،أهان نفسه،وأوردها مهالك الاستغلال،والإهانة،والعبودية.
إن ثورة الكرامة إذاً،هي ثورة الحكم العادل الذي يحترم حقوق الإنسان وقدرة الأفراد على تقرير مصيرهم واختيار نمط الحياة الذي يريدون.
أثرت هذا الموضوع الشائك والمتداخل-وأنا أرى بعيون دامعة-ممثلا بحجم حمزة داود. (ابن قفصة الصامدة) وهو يبيع “الملسوقة” وقد أثارت صورته-المبكية/الموجعة-الاستنكار والتعاطف مع الفنّان الذي أفنى عمره على خشبات المسارح..
المنصف ذويب،الكاتب والمخرج نشر صورة حمزة داود الذي دفعته قلّة العروض خاصة مع الأزمة الصحية واغلاق المسارح الى العمل في احدى الأسواق كبائع على الرّصيف..
استغرب ذويب،عدم استعانة المخرجين بممثلي المسرح في مسلسلاتهم معلقا “وجاء النهار الي المسلسلات صارت قفصة بعيدة عليها”.
وهنا أختم : يتجددّ طرحُ عدم توفير ضمان اجتماعيّ وصحيّ من قبل وزارة الثقافة للمبدعين في كلّ مرة تنتشر فيها صورة أحد الممثليّن أو الرسّامين في حالة مُحزنة،دون مأوى أو دون عمل أو خلال وعكة صحيّة دون التمكّن من توفير الرعاية أو شراء الأدوية.. وتنطلق كلّ مرة حملات تضامن لمساندة الفنّانين لكنّها تكون مناسبتيّة وغير كافية للأزمة الحقيقية في القطاع.
وإذن؟
أنا إذا،منحاز لطبقتي،منحاز للفقراء،وأنا لا أغالط روحي ولا أتملق أحدا،القضية واضحة ولا تتحمل الاجتهاد ..الفقراء هم الذين يموتون،وهم الذين يسجنون.( ناجي العلي)..
وأختم بقولة لمحمد الماغوط:” وحدهم الفقراء يستيقظون مبكرين قبل الجميع،حتى لا يسبقهم إلى العذاب أحد..
وقد استيفظ الممثل المسرحي العتيق حمزة داود..باكرا..!!
وأرجو أن تستساغ رسالتي جيدا..وأن لا يقع إخراجها عن سياقها الموضوعي…