محمد المحسن يكتب: تجليات الفرح..في أفق عيد الفطر المبارك

كتب: محمد المحسن
ها هو العيد يتأهّب للقدوم إلينا بفرحته التي تظل المسلمين وتقر أعين المؤمنين الذين ركعوا وسجدوا وصاموا وقاموا وأخرجوا من أموالهم في سبيل الله تعالى لإسعاد الفقراء والمساكين وإدخال السرور على قلوبهم.
إننا إذ نودّع شهر رمضان الكريم (قريبا) بخيره الجزيل وحسناته المتكاثرة وأوقاته وساعاته التي مرّت علينا دون أن نشعر،فإننا نستقبل العيد السعيد الذي يفرح فيه المؤمنين بما قدموا من عمل صالح وينالون فيه جائزة الرحمن التي توزّعها الملائكة في يوم العيد،فهو بحقّ عيد سعيد على من أطاع وصلى وقام وعمل الصالحات..
ففي هذا اليوم يجد جزاء سعيه رضا في الدنيا وقبولا في الأرض ولذّة في الحياة ويوم القيامة يجد ذلك في ميزان حسناته وتلك هي الفرحة الحقيقية التي على المؤمنين أن تتحرك بها قلوبهم وتزدان بها حياتهم قال تعالى (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون)
وحق للمسلمين الذين جاهدوا أنفسهم طوال رمضان المبارك وبذلوا غاية الجهد ليتغلب عنصر الخير فيهم على نوازع الأنانية والأثرة وحب الذات،حق لهم أن يفرحوا بسعيهم المبارك وجهادهم العسير في سبيل تطوير إنسانيتهم في زمان تباعدت فيه ظروف الحياة بين الإنسان وإنسانيته،ولتأكيد هذا الانتصار النفسي الذي يحققه الصوم في حياة المسلم يفرح الصائم فرحتين كما جاء فيما روي عن رسول الله (ص) أنه قال: “للصائم فرحتان يفرحهما إذا انتهى رمضان فرحة بفطرة وفرحة بصومه إذا لقي ربه”.
وقد عبر عن فرحة الصائم بفطره بأحد العيدين اللذين أقرهما وحمل الناس عليهما،فكان عيد الفطر مناسبة سعيدة للفرحة والبهجة يحرَّم فيها الصوم وتنطلق فيها النفوس على سجيتها بعد أن تحررت على مدى شهر كامل من أكثر قيود الشهوات والأهواء والإطماع وتخلصت من سطوة العادات وسيطرتها على العقول والنفوس.
وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يقترن عيدا الإسلام بركنين من أركانه الخمسة هما الصيام والحج،فاقترن العيد الأصغر وهو عيد الفطر بانتهاء الصوم،واقترن العيد الأكبر وهو عيد الأضحى بانتهاء الحج،ولم يكن ذلك من قبيل الصدفة،ذلك لأن الصوم وما يكتنفه من تبتل وعبادات تحقيق لأهداف الإسلام على مستوى المجتمع،كما وإن الحج وما يكتنفه من نسك وشعائر تحقيق للإسلام على مستوى العالم،فإن المجتمع المسلم يبلغ ذروته من التكافل والتعاون والتعاضد والتراحم وهو يؤدي فريضتي الصوم والحج وفيهما يزداد المسلمون التصاقاً بكتاب ربهم الذي أنزل في رمضان.
وإذن؟
ما أجمل هذا الدين إذا،وما أحسن شريعته،فهو يترحّل بمعتنقيه من حال إلى حال،وينقلهم من عبادة إلى عبادة،فلا تزال نفوسهم في تجدد مستمر،وانبعاث للتعبّد بأنواع العبادات .
هاهو رمضان يستعدّ للرحيل من ساحتنا مودعاً بدموع المؤمنين،وابتهالاتهم،وتضرعاتهم بالقبول،بعد أن حل ضيفاً عزيزاً،كريماً،في جوانحهم،قبل مساجدهم،ومنازلهم،تاركاً أجمل الذكريات،مبقياً أثمن الدروس والعبر .
وفي الأفق المقابل يتراءى (العيد) ببهجته،وسروره،ليسكب في النفوس الجياشة طعماً آخر، ويصبغ الحياة الإيمانية بلون جديد .ولا تناقض بين الحالين،فكلاهما ينتظمه سلك العبودية !
فكما أن صيام المؤمن،وقيامه عباده،ففطره،وفرحه عبادة أيضاً،قال صلى الله عليه وسلم : (لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ ) متفق عليه.
وهذا الانسجام بين الدنيا والآخرة،وبين الدين والدنيا،لا يتألق إلا في الإسلام .
نٍسأل الله جل وعلا بعد رمضان وفي هذا العيد أن نعود كما كنا عليه بعد خروجنا من بطون أمهاتنا بغير ذنب، أعاد الله عليكم من بركة هذا العيد، وحشركم في زمرة أهل الفضل والمزيد, وأن يعيده عليكم وأنتم بخير وبصحة وعافية وأمن وإيمان ونصر وعزة، ونسأله أن يتقبل منا الصيام والقيام ولا يكون حظنا من صومنا الجوع والعطش،ولا حظنا من قيامنا التعب والمشقة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات