محمد المحسن يكتب: حين تعبق الأجواء بعطر رمضان..تنشرح النفوس

RAMADAN

كتب: محمد المحسن

نحن على مشارف ركن من أركان الإسلام، سيطل علينا ببركاته، ويفيض فيه ربنا برحماته وبالعتق من نيرانه، إنها أيام قلائل ويهل ضيف كريم ينتظره ملايين الناس بكل شغف، ولكن يتباين هؤلاء الناس في طريقة استقبالهم له، فما هو استعداد من يريد رضا الرحمن والرقي إلى أعلى الجنان؟
قال الله تعالى معظماً شهر رمضان «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»، وقال تعالى «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لّلنَّاسِ وَبَيِّنَـاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»، هذا الشهر المبارك موسم خير، وموسم عبادة، تتضاعف فيه همة المسلم للخير وينشط للعبادة.
ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بقدوم شهر رمضان، ويحفزهم فيه للعمل الصالح حيث قال عليه الصلاة والسلام: «أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر،من حُرم خيرها فقد حرم».
إن شهر رمضان مليء بالفضائل، وتعرض فيه الأجور العظيمة فهنيئاً لكل من صامه وقامه إيماناً واحتساباً، واستغل ساعاته استغلالاً. ويكفي من فضائل رمضان أنه سينجي صاحبه من كرب الإحراق أثناء مروره على الصراط، فهو عازل لك من النار أثناء مرورك على الصراط، حيث قال صلى الله عليه وسلم «الصيام جنة وحصن حصين من النار».
جدير بنا ونحن على بوابة هذا الشهر أن نتذكر أنه الشهر الذي تتوحد فيه الأمة الإسلامية وتجتمع على وجهة واحدة شعوريا عاطفيا ومشاعريا دينيا، ميزة هذا المعنى في أن أعداء الأمة طالما حاولوا وحرصوا على تفريقها وتمزيقها وربما نجحوا لما في أيديهم من إمكانات في بعض وجوه ذلك خصوصا فيما مضى ؛ لكن الأمة اليوم تتوحد وليس على قومية ولا عرقية ولا مصلحية بل على شعيرة عبادة ووجهة دين تلتقي عليه الأمة بكل ألوانها وجنسياتها وجغرافياتها..
ولكن..
مشكلة بعض ” وربما الكثير ” من المسلمين اليوم أنهم تعلقوا بشكل الدين دون جوهره، وأنهم يصومون صوم الامتناع عن الطعام والشراب (أي عن الحلال ولكنهم لم يصوموا عن الحرام ؛ ولم يصوموا عن فاحشة القلب من كره وكبر وشهوة فاجرة، ولا عن فاحشة العقل من شبهة في الرأي وبدعة في الدين ومن ولاء في غير طاعة الله وعداء لغير مكاره الله تعالى، ولم يصوموا عن فاحشة القول ؛ الغيبة والنميمة وشهادة الزور والتطاول على الناس.. ولا عن فاحشة الفعل والعدوان على حمى الله تعالى ومحارمه وأموال وأعراض ودماء الناس..
جدير أن نتذكر ونحن على أعتاب الشهر الفضيل أنه شهر الانتصارات الكبرى للمسلمين عبر سنوات وأزمان من تاريخه ؛ فقد كانت المعارك الفاصلة في تاريخ هذه الأمة في رمضان دائما وبالتأكيد ليس ذلك عن خبط عشواء أو عن مصادفة – ففي رمضان كانت غزوة بدر وفتح مكة – أول الغزوات وآخرها – ضد معقل المشركين في مكة، ما كسر شوكة مشركي الجزيرة العربية كلها ومهد للإسلام موطنا وأمنا للانطلاق في الدوائر الأوسع، وفي رمضان كان فتح عمورية ومعركة حطين اللتان حطمتا كبرياء الصليبيين وأوقفتا زحفهم وقلبت النصر عليهم حتى بودل الأسير الصليبي برباط نعل مسلم في النهاية، وفي رمضان كانت معركة عين جالوت التي كان شعارها ” واإسلاماه ” والتي ردت وكسرت شوكة التتار الذين سبق أن أفسدوا في الأرض وقتلوا كل حياة وظن الظانون أنها نهاية التاريخ.. ولسنا ننسى أن النصر الكبير في عصرنا الحاضر على العدو الصهيوني كان في رمضان 1973 ؛ فهل عرفنا لماذا جاءت آيات القتال والجهاد عقب آيات الصيام مباشرة في سورة البقرة؟! وهل لمحنا علاقة العزيمة على الصيام بالعزيمة على القتال؟ وعلاقة الصائمين العابدين بانتصارات الأمة وصناعة تاريخها؟
اللهم بلغنا رمضان، وأعنا فيه على الصيام والقيام، واجعلنا ممن يصومه إيماناً واحتساباً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.