محمد المحسن يكتب لكم: هل وباء ـ كورونا اللعين ـ ملهم للإبداع ..؟

كتب: محمد المحسن
تصدير : تعد الكتابة الإبداعية محصلة لتفاعلات المبدع مع محيطه الحياتي والاجتماعي زمنيا ومكانيا من خلال ما يعايشه من تجارب وذكريات وعلاقات متنوعة.فالإبداع ليس تسجيلا للواقع بقدر ما هو عكس الواقع بصورة فنية…
قد لا أجانب الصواب إذا قلت أن وباء (كوفيد-19) سينعكس على الأدب التونسي والعربي بعد زوال الأزمة، وأعتبر أن أدب الخيال العلمي قد يكون الأنسب لتمثل حالة الوباء،التي – في تقديري – كما أسلفت سيكون لها تأثيرا حتميا على الأدب العربي وخاصة الرواية.
وهنا أشير إلى أن الأوبئة ظهرت في الأدب العربي والمصري خصوصا في فترات قريبة، فنجيب محفوظ مثلا تناول الوباء في عملين هامين،وكان الوباء مدخلا لتغيير مصائر الناس في روايته (الحرافيش)،وكان وباء الطاعون الذي دفع ببطل الرواية للخروج إلى الخلاء حتى ينجو، فأطلق محفوظ على بطل روايته اسم (الناجي)، لأنه نجا من الوباء”.
نجيب محفوظ عاصر أيضا وباء الكوليرا في مصر،وتناوله في أدبه،في رواية خان الخليلي، عرض تحول أسرة من الثراء للفقر بسبب الوباء،الأسرة الميسورة التي عاشت في حي السكاكيني في القاهرة، الحي الميسور، وبسبب الوباء تراجعت حالتها فانتقلت إلى حي خان الخليلي،وتأملاته في أحوال وتحولات تلك الأسرة على خلفية وباء الكوليرا”.
هناك أيضا أعمال أدبية لم يكن الوباء محورا رئيسيا فيها،ولكنه حاضر،مثل رواية الوتد لخيري شلبي،وكذلك أدب السيرة الذاتية لا يخلو من ظهور الوباء،مثل رواية الأيام لطه حسين،كما تناول أدب الرحلات الوباء في مصر،مثل (رسائل من مصر) لليدي (دوف) غوردن،والتي انتقدت الأوضاع في مصر خلال الوباء وتعامل السلطات معه..
في عام 1606،مع التفشي الكبير للطاعون في إنجلترا، أُغلقت المسارح في لندن للحد من التجمعات وتقليل تفشي العدوى. كان شكسبير يعمل خلال هذه الفترة في فرقة “The King’s Men” المسرحية،واستغل شكسبير فترة التوقف لكتابة ثلاث من أهم مسرحياته هي “الملك لير” و”أنطونيو وكليوباترا” و”ماكبث”. وفي حلقة أخرى من حلقات الطاعون،وخلال انعزاله في مزرعة تبعد 60 ميلا عن الجامعة،توصّل إسحق نيوتن إلى نظرية الجاذبية.
هذه القصص وغيرها عن بوشكين وتشيكوف ومونش وغيرهم من الفنانين والمبدعين الذين استطاعوا إنتاج أهم أعمالهم الإبداعية في أوقات تفشي الأوبئة انتشرت مؤخرا ربما بحثا عن شيء من الأمل في كل ما حولنا من تخبُّط..
حين تدفعنا-القيود-إلى كسرها :
نشعر الآن بأننا سجناء داخل بيوتنا،فُرضت علينا قيود التباعد الاجتماعي والحظر والحجر الصحي والإغلاق الإبداعي. فكيف تدفعنا كل هذه القيود نحو الإبداع؟
لمقال نُشِر في “Harvard Business Review” بناء على تحليل تجميعي لبيانات 145 دراسة أُجريت حول القيود، بينما يميل الناس بشكل بديهي للاعتقاد بأن القيود تحدّ من الإبداع، فالحقيقة أنها تفعل العكس، ففي المواقف التي نكون فيها أحرارا تماما من أي قيد (على سبيل المثال ضغط الوقت أو الضغوط المالية) يشيع الشعور بالتراخي،ونتبع ما يسميه علم النفس بالمسار الأقل مقاومة،ونميل للأفكار البديهية التي تتبادر إلى أذهاننا دون بذل جهد لتطوير أفكار أفضل.
بينما على العكس،القيود تستبعد من أمامنا الحلول الواضحة والاعتيادية،وتجعلنا مجبرين على إعادة تقييم الأمور والبحث عن طرق أخرى لحل المشكلات غير تلك المعتادة. هذا -بالضبط- ما فعله الحظر،فبعد أن صارت الزيارة البسيطة للجيران أمرا غير متاحا،ابتُكر الغناء في الشرفات،وبعد أن صار شراء الحلويات الجاهزة مخاطرة بالإصابة بالعدوى،صار علينا أن نبتكرها في المطبخ.
وهنا أقول: بعد ما يسمى”تعسفا على الذكاء الإنساني” بالربيع العربي،ظهر نوع من الأدب يمكن وضعه تحت عنوان (الديستوبيا)،(عكس اليوتوبيا)،وأقصد بها المكان الخبيث أو الملعون، بعكس ( المدينة الفاضلة)،وهو الذي نتج عن تحولات في الحياة السياسية في مصر وبعض البلدان العربية في تلك الفترة،ولكن في السنوات الأخيرة تتحول (الديستوبيا) من السياسة للمجتمع،وهو ما قد يدفعه أكثر وباء كورونا وآثاره الاجتماعية والنفسية..
بالطبع ستكون هناك محاولات سريعة لمواكبة الحالة بأعمال أدبية،ولكن هذه المحاولات لا يمكن التعويل عليها وعلى تعبيرها عن الحالة،والأدب الحقيقي سيكون لديه استجابة متأنية للحالة وستكون أكثر رسوخا..
ختاما أقول: أدب الخيال العلمي سيكون مجالا خصبا للتعبير عن الحالة التي خلفها الوباء، وأعتقد أن أدب الخيال العلمي سينمو أكثر في العالم العربي،وهو من أنواع الأدب التي تفتقدها اللغة العربية،ويحتاج لنوعية مختلفة من الكتاب على درجة عالية من العلم والتخصص،وبالفعل نرى الآن متخصصين من مجالات مختلفة يتجهون لكتابة الأدب بتميز وبراعة ومع الحالة التي سيخلفها هذا -الوباء اللعين-كورونا يمكن أن نرى ازدهارا لأدب الخيال العلمي في اللغة العربية،وربما نرى طفرة قريبة في هذا المجال..
وإذن؟
نحن إذا،بحاجة ماسة لتجديد أنفسنا وحث ذواتنا على التطور الحقيقي الذي نأمل حقا الوصول إليه، في ظل الظروف الصعبة والتحديات الاقتصادية التي تجابه كل فرد فينا،لن نقبل أبدا بالاستسلام لتلك الجائحة والوقوف مكتوفي الأيدي ليطال الخراب كل بيوتنا،فكل فرد فينا مسؤول عن تغيير نفسه أولا والحفاظ على وطنه ثانيا،ولا يكون ذلك إلا من خلال العمل الجاد والصادق،ليصبّ في مصلحة الجميع.
والسؤال الذي يطرح نفسه : هل التركيز على عودة الحياة الطبيعية بشكل تدريجي ومنضبط، لإدارة عجلة الاقتصاد كفيل بأن يعيدنا حيث كُنّا؟
كمحاولة للإجابة أقول:
نحن اليوم بحاجة ماسة للتغيير؛ لا بد أن نستغل هذه الظروف الصعبة لنخلق منها عالم جديد بمقاسات جديدة؛ تنقلنا من صعوبة الحدث ومتاهته إلى بوابات النجاح بأقل الخسائر وأقل تكلفة، نحن اليوم على عتبات التغيير، لمواجهة أي تهالك اقتصادي قد يهدد حياتنا واستثمارنا،فلا بد أن نعيد حساباتنا و نفتح لأنفسنا بوابات جديدة للعمل؛ من خلال التركيز على علم الحاسب الإلكتروني والبوابات الذكية، ومن ثم استغلال الموارد البشرية وطاقاتها الذكية لجعل العمل أكثر سهولة وأكثر أمنا وأكثر ربحا.
لكن..
البعض استيقظوا فجأة على قرارات إغلاق مدارس أبنائهم،فصار عليهم أن يتأرجحوا كلاعب السيرك بين دروس التعليم المنزلي،وتسلية الأطفال،والحفاظ على صحتهم ولياقتهم،وكل ذلك باتباع قواعد التربية الإيجابية دون أن يُصابوا بالجنون.
والبعض يحاول الهرب من نوبات هلع لا يمكن السيطرة عليها،محاصرين بكل هذه الضغوط ودوائر الأخبار السلبية التي تبدو كأنها لن تنتهي.
ومنا الذين فقدوا وظائفهم أو كادوا،ويعانون لسد احتياجاتهم الأساسية.
نحن مجرد بشر،سواء كان يومنا مليئا بالإنتاجية،أو بالركض في سباق محموم لم تهدّئه الأزمة،أو حتى بالتحديق في سقف الغرفة.
كل ما نسعى إليه أن ننجو، ولو ليوم آخر.!