محمد المحسن يكتب: هل فكّرت النخب السياسية في تشريك الشباب في الحياة السياسية؟!

tunisie

كتب: محمد المحسن

تصدير:

لقد تراجع الشباب بعد النجاح الأوليّ للثورة التونسية، فحصلت”الانتكاسة الأولى”وعدنا إلى المربّع الإيديولوجي.بحيث يمكن القول أنّ الثورة قامت على”وعي مطالبيّ” موحّد، فنجحت في إسقاط رأس النظام ولكن لمّا رامت الثورة بناء “وعي مواطنيّ” موحّد لبناء تونس الجديدة تسلّل السياسيّون وفرضوا أجنداتهم الإيديولوجيّة وعدنا بذلك إلى المربّع الإيديولوجي..فهل يستعيد الشباب الحلم- ؟

حين لعلع الرصاص وبدأ يحصد رقاب المتظاهرين وتحوّلت تبعا لذلك العديد من القرى والمدن التونسية إلى مدافن ومداخن،وسارت قوافل الشهداء خببا في إتجاه المقابر ليوارى زينة شبابنا التراب،كانت تونس حينئذ تبكي بصمت تأففا وألما وحسرة على البراعم الشبابية التي تبرعمت أغصانها وأزهرت تحت ظلال القهر،الظلم والإستبداد، ثم دفعت حياتها بجسارة من لا يهاب الموت ثمنا للتحرر والإنعتاق من عقال الظلم المستشرى في البلاد..

لهيب تحت الرماد…

لم يكن أحد منا يعلم أنّ تحت الرماد لهيبا، ولا كنا على يقين بأنّ الشباب الذي تربى وترعرع تحت ظلال “إمبراطورية الفايس بوك” قادر على تفعيل المشهد الثوري ومن ثم الإرتقاء به إلى منصة الإستشهاد..هؤلاء الشباب هم الذين حركوا ركود سنينا وأفكارنا وهزائمنا السابقة ،وهم من قال “لا” بملء الفم والعقل والقلب والدم وأسقطوا النظام السابق مضرجا بالعار..كان محمد البوعزيزي أوّلهم حين إرتدى لحافا ملتهبا بحجم الجحيم وخرّ صريعا ليصوغ بدمه ملحمة الرفض والإنتفاض على قيد الظالمين..وكانت الرسالة التي أرسل بها إلى “قصر قرطاج”زمنئذ جد واضحة ولا لبس فيها،إلا أنّ مضمونها كان عصيا على الفهم، على من أوغل في القهر وأدخل البلاد والعباد في بوتقة الفوضى والفساد، دون أن يعي أنّ العاصفة التي هبّت في ربوع سيدي بوزيد لتكنس ركام سنوات الجمر….

هذه الرسالة سرعان ما تلاقفتها عواصم عربية أخرى على غرار طرابلس والقاهرة ودمشق وصنعاء والمنامة..والقائمة لم تكتمل بعد..ليبتسم ما يسمى بـ” الربيع الثوري العربي” ويتوارى خلف التخوم شتاء الخمول..

قلت رسالة تونس مؤلمة في جوهرها، مقنعة بشجاعة شبابها وطلائعها وقدرة شعبها على الصمود والتحدي.لكن الأمور ليست،للأسف،بهذه البساطة والوضوح لدى الحكّام العرب الذين أشاحوا بوجوههم عن المطالب المشروعة لشعوبهم وتركوها تتنزّى في القيود..

الظلم يرث الانتفاض


الظلم يرث الإنتفاض..ومن القهر تتوالد الثورات ليأخذ التاريخ مساره الصحيح..وتتدحرج أرائك وثيرة بمن يجلسون عليها في نشوة داخل قصورهم العاجية إلى القاع حيث لا شيء غير الندم وصرير الأسنان..من “إفهمتكم” إلى “من أنتم” إلى “فاتكم القطار”..ولعلّ القادم أعظم..فقد تتفتّق قريحة “حكامنا الأفذاذ”على ألفاظ وعبارات تبعث على التفكّه و التندّر..وتهبط بخطابهم إلى الحضيض..الثورة ببلدي لن تأكل أبناءها،وهذا ما أراهن عليه إيمانا منّي بأنّ دماء الشباب لن تذهب هدرا، فكل قطرة دم سالت من أجسادهم الغضّة، إنما هي نبراس يضاء على درب الحرية والإنعتاق.. كما أنّ التاريخ لن يرحم كل جبّار عنيد أوصل شعبه إلى حافة اليأس، بعد أن أوغل في القهر والإستبداد..

التخلف والانحطاط قلت هذا،إيمانا منّي بقدرة شعبنا على تجنيب البلاد والعباد السقوط في وهاد الترجرج والتخلّف وكل أشكال الإنحطاط،ومن ثم الإرتقاء بتونس الكرامة إلى سدّة التمدّن والديمقراطية،وما التجاذبات التي نشهدها اليوم تحتدم بين الأحزاب السياسية حينا،ومكونات المجتمع المدني أحيانا أخرى،إلا دليل قاطع على أنّ الأجواء تعبق برائحة الوليد القادم: “الحرية المشتهاة”..فهذا الشعب التونسي العظيم إستيقظ من سباته بعد أن أوغل ليله في الدياجير،وبدأ يسير بخطى حثيثة صوب الديمقراطية المبتغاة،ولن يتوقّف على المسير خصوصا بعد أن خلخل حسابات المنطق وجسّد هزّة عنيفة مخلخلة للوعي المخدّر والمستلب،وأضحى واقعا حيا ممهورا بالدّم وصنع تبعا لكل التداعيات إشراقات ثورية قدر الطاغية فيها الهزيمة والإندحار..

ما أريد أن أقول؟

أردت القول إنّ الشباب التونسي كان طليعياً في خطوات ملحمة الدم منذ اليوم الأول للحراك الثوري في 17 ديسمبر 2010،وصولاً إلى يوم فرار المخلوع في 14 جانفي 2011. لكنّه صار الضحية الأولى،بامتياز،لعملية الاستيلاء الممنهج على مفاصل الدولة.وعندما أقول الشباب،إنما أعني بالقول كل قطاعاته،ممن يناضلون من داخل جامعاتهم ومدارسهم الثانوية،وأولئك الذين استطاعوا بإرادة شبابية فذة إشعال الأحياء الشعبية والأرياف وهجاً ثورياً، لكنّهم تعرّضوا لحملة تحييد واختزال لدورهم في الحراك الميداني،وجرت محاولات عديدة لاستعمالهم أداة تنفيذية في الجسم الحزبي والخصومات الإعلامية..في هذا السياق بالتحديد،أكّد البنك الدولي،في السنوات القليلة الماضية،أنّ الشباب التونسي يعانى من ارتفاع معدل البطالة والإحباط، مشيرا إلى أن لديهم حضورا محدودا في عالم السياسة،ومازالوا يواجهون حالة من التجاهل وعدم التشاور المنظّم معهم بشأن القضايا الرئيسية التي تمسهم مباشرة في البلاد.وأضاف البنك في تقرير صادر بالتعاون مع مركز مارسيليا للاندماج المتوسطى،بحسب وكالة الأناضول،أنّ المواطنة الفعالة والمشاركة المدنية الواسعة بين الشباب التونسي،أمر ضروري لإستمرار الزخم الإيجابي للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية في البلاد، وتحقيق الإستقرار السياسي.

وإذن؟

ها نحن اليوم إذا نؤسس لغد مشرق تصان فيه كرامة الإنسان ويساهم فيه الشباب التونسي المفعم بحب البلاد في تفعيل المشهد الديموقراطي بمنأى عن التجاذبات السياسية المملة والمناكفات-المزعجة-وقد اتضح بما لا يدعو مجالا للشك أن الطلاب والشباب المعطّل عن العمل والشباب العامل يتخذ على نفسه مسؤولية ومهام متفقة مع رهانات المرحلة، ويستعد للعودة إلى الساحة الوطنية بنفس جديد،وإرادة في التنظيم والفعل لا يستهان بها،وقد أصبح أمام سؤال تشبيك العلاقات والروابط فيما بينه وطنياً،ومع التنظيمات والنقابات الشبابية العالمية..

ما أريد أن أقول-ثانية- ؟

أردت القول أنّ الحصن القوي والواقعي لتونس ما بعد 14 جانفي هو جيل يحمل قيم الحرية والعدالة والكرامة،ويعمل لها وفيها من خلال مجتمعه وعبر مؤسسات دولته..وما على النخب السياسية إلا استيعاب الإقبال الشبابي على العمل النقابي والمدني ومن ثم تشريكه في الحياة السياسية،خدمة للمشروع الديمقراطي والاجتماعي الذي تناضل من أجله التنظيمات الشبابية في تونس ما بعد الثورة..

ولكن..

ما يبعث على القلق هو النسبة المتدنية لمشاركة الشباب في الاقتراع.وهو ما يرسّخ المخاوف من استمرار الفجوة بين النخب السياسية من جهة،والشباب من جهة ثانية،على الرغم من كون الشباب،كما أسلفت،هم الذين فجّروا الحدث الثوري،لكن خيبة الأمل التي أصيبوا بها بعد ذلك شكّكتهم في أهمية الديمقراطية وجدواها..

على سبيل الخاتمة:

الفجوة الديمقراطية تبدو جلية من خلال رجوع الشباب التونسي إلى الفضاء الافتراضي حيث يتابع أحلامه الديمقراطية في بناء الجمهورية الثانية،جمهورية الحريات العامة وسيادة القانون ليس على أرض الواقع الملموس بل من خلال وسائط الإعلام الاجتماعي موجهاً سهام نقده للسياسات العامة التي لم تثبت نجاحات تذكر من أجل حياة أفضل للتونسيات والتونسيين عموماً.ولكن هذا الانكفاء والغياب عن الحضور الفعلي من الشباب الحر يترك الساحة لقوى أخرى لتشغلها وتدعي تمثيل المجتمع التونسي.ومن هنا بات لزاما على الشباب التونسي تهيئة أرضيّة فكريّة تمكّنه من تحديد آليات تحقيق أهداف ثورته، فالطموح المتجدّد ضروري لبناء المستقبل.كما أن الإصرار على استعادة الحلم ضروريّ أيضا ولو طالت المدّة.كما يجب على الشباب أيضا إمتلاك ناصية العلم،باعتباره القاطرة الوحيدة نحو التقدّم والإزدهار،إضافة إلى ممارسة التّعبيرات الثقافية المختلفة بوصفها أدوات فكرية وثقافية تسمح بتكوين رؤية للذات والآخر،وتسهّل التعامل مع الفضاء “المعولم”..