محمد الناصر يفصح عن حقائق غير معروفة عن حكم النداء..الباجي قايد السبسي والتحالفات الفاشلة…

كتب: نوفل سلامة
بدعوة من جمعية قدماء اتحاد طلبة تونس التي يرأسها الدبلوماسي السابق مختار زنات، نظمت المكتبة الجهوية متعددة الوسائط بأريانة ندوة فكرية مساء يوم السبت 29 ماي الجاري خصصت لتقديم كتاب
جمهوريتان وتونس واحدة للسيد محمد الناصر رئيس الجمهورية الأسبق ورئيس مجلس نواب الشعب في زمن حكم نداء تونس والشخصية السياسية المعروفة من الرعيل الأول لدولة الاستقلال وأحد الدستوريين القدامى الذي عُرف بدوره الاجتماعي سواء في اتحاد الطلبة أو لما تقلّد مهمة الإشراف على وزارة الشؤون الاجتماعية.
في هذا اللقاء الذي حضره عدد كبير من أصدقاء المحتفى به من شخصيات فكرية وسياسية وإعلامية كان من بينهم وزير السياحة ووزير الثقافة بالنيابة السيد الحبيب عمار والدبلوماسي السابق السيد أحمد ونيس ورئيس بلدية أريانة العميد فاضل موسى والكاتب والمثقف الأستاذ عيسى البكوش والعديد من قدماء اتحاد طلبة تونس والمتابعين للشأن الثقافي، لم يتم تقديم مضمون الكتاب كما كان الاعتقاد ولا تم تناول كل الجدل الذي رافق نشره وإطلاع العموم عليه في علاقة بالصفحات القليلة من الكتاب التي لا تتجاوز 10 صفحات من جملة 600 صفحة التي فهم منها أن محمد الناصر قد وجه اتهاما لرئيس الحكومة حينها يوسف الشاهد بترتيبه لانقلاب بالتعاون مع البرلمان في اليوم الذي تعرضت فيه البلاد إلى عملية إرهابية بشارع الحبيب بورقيبة، وفي الوقت الذي كان فيه رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي يرقد بالمستشفى العسكري بعد ان تعكرت صحته وكان محمد الناصر في إجازة مرضية.
سنوات عاصفة…


لقد خيّر من كان وراء هذا اللقاء الفكري أن لا يتم تركيز الحديث على هذه الصفحات التي أحدثت جدلا حادا وجعلت الكتاب تنفد طبعته الأولى وأن يُخصص هذا اللقاء للحديث عن جمعية قدماء اتحاد طلبة تونس والتذكير بكل الأسماء التي مرّت من الإتحاد ومساهمتهم في بناء الدولة التونسية الحديثة ودورهم في عملية التأسيس التي قادها الزعيم الحبيب بورقيبة ومناسبة للحديث عن شخص محمد الناصر وعن خصاله التي عُرف بها وهي كونه رجل هادئ الطبع، صديق الجميع، رجل المبادئ ورجل عُرف بنهجه التوافقي الأمر الذي جعله محبوبا من الجميع يمينا ويسارا حتى أنه كان مع المرحوم أحمد المستيري الشخصية التي تم اقتراحها لإدارة شؤون الحكم ورئاسة الحكومة في زمن حكم الترويكا بعد أن عصفت بها الاغتيالات السياسية التي حدثت في سنة 2013 فكان الخيار وقتها أن تتكون حكومة مستقلة برأسين يتولاها كل من محمد الناصر وأحمد المستيري غير أن هذه الفكرة لم تنجح وفشل الخيار لصعوبة إدارة الدولة برأسين.


الحكم غنيمة..
تحدّث محمد الناصر في الكلمة المختصرة التي ألقاها عن ملابسات الكتاب فذكر أن السلطة اليوم قد تحولت إلى غنيمة وفرصة للاستئثار بالحكم وجني المكاسب وتعيين الأقارب، والحال أن الحكم كما تعلمه وتربى عليه طوال تاريخه الطويل في تجربة الحكم في ظل الحزب الاشتراكي الدستوري بقيادة الزعيم الحبيب بورقيبة هو أمانة ومسؤولية وخدمة الغير، وهذه ثقافة سياسية غابت اليوم مع الحكام الجدد وهو سلوك يراه اليوم ضعيفا مما حوّل غياب المسؤولية إحدى أسباب الأزمة التي نعيشها .. اليوم ما زلنا نعيش في ظل مرحلة انتقالية وفي ظل الديمقراطية التي تأخر تركيزها غير أن الديمقراطية التي تحكم اليوم هي ديمقراطية الأغلبية النابعة من أقلية شعبية في حين أن أغلبية الناخبين ممتنعون عن ممارسة حقهم في الانتخاب مما جعل من الديمقراطية القائمة على أصوات قليلة من الشعب لا يمكن أن تتحول إلى أغلبية تتكلم بإسم كامل الشعب… اليوم لدينا ديمقراطية تدعي بأنها تتمتع بالأغلبية والحال أنها نابعة من عدد قليل من الناخبين وهذا يفرض ـ في ظنه ـ تقييم كامل تجربة الحكم خلال 10 سنوات بعد الثورة خاصة وأنه يعتبر أن التجربة التونسية في ممارسة الحكم الديمقراطي اليوم تعيش اختناقا كبيرا وتتقدم بصعوبة كبيرة وهذا يفرض أن نفكر في كيف يمكن أن نحكم بأغلبية حقيقية…

الديمقراطية القائمة على أصوات قليلة من الشعب لا يمكن أن تتحول إلى أغلبية تتكلم بإسم كامل الشعب…

تحدث عن صفات القيادة وشخص القائد الذي يقود الدولة والتي يراها اليوم مفقودة ومن أهمّها أن يتعالى القائد عن مصالحه الشخصية والحزبية والعائلية وأن يكون ناكرا للذات بمعنى ألا يُقدم مصلحته الخاصة على مصالح المجموعة الوطنية وأن يكون دوما في خدمة الشعب فهو مسؤول على حاضر الأفراد ومستقبلهم وهذه الصفات التي تجعل من القائد خادم القوم وبالتالي هو سيدهم هي مفقودة في من يقود البلاد اليوم هي من بين أسباب أزمة الحكم اليوم وهذا ما يفسر كيف أن الناس تعيش أوضاعا صعبة مع قيادة سياسية لا تعطي الأمل لشعبها ولا تحس بأوجاعه ولا تنزعج لفقره وبؤسه ولا تقلق لصعوبات عيشه… اليوم ليس لنا من مخرج من هذا النفق المظلم إلا بمساعدة الاتحاد الأوروبي والمانحين الماليين الدوليين ومساعدة الدول الصديقة والشقيقة ولكن ما هو مطلوب أكثر هو التفكير في المستقبل والتفكير في الكيفية التي تجنبنا الوقوع في مثل ما نعيشه اليوم…ما أدعو إليه هو التفكير في بناء المستقبل وبناء دولة جديدة.
حقائق جديدة…


وبخصوص تجربة التوافق التي يلام عليها المرحوم الباجي قائد السبسي وينتقد فيها حزب نداء تونس بشدّة، قال محمد الناصر أنه سوف يفصح لأول مرة عن معطيات لم يسبق له أن تناولها وهي أن حزب نداء تونس كان يوّد بعد فوزه في انتخابات سنة 2014 أن يحكم مع اليسار وأن يتوصل الى توافق معه وأن يتمكن من تكوين حكومة من دون النهضة… يقول محمد الناصر: كنت قد أجريت لقاء مع حمة الهمامي وعرضت عليه الفكرة وهي إقامة جبهة سياسية مع اليسار إلا أنه بعد نقاش موسع رفض المشاركة في الحكم وهذه حقيقة أقدمها للتاريخ وهي أننا لم نكن ننوي في البداية الالتقاء مع حركة النهضة لكن رفض اليسار هو الذي اضطرنا إلى الذهاب نحو نوع آخر من التوافق وأكثر من ذلك فقد أردنا أن ندخل انتخابات سنة 2014 بقائمات مشتركة مع حزب المسار الشيوعي وأجريت لقاء مع سمير بالطيب دام ثلاث ساعات بحضور الدكتور فوزي الشرفي واقترحت عليه بعض القائمات غير أنه طلب الدخول معنا بعشر قائمات وهو الشرط الذي لم يوافق عليه حزب نداء تونس وأجهضت التجربة…

تجربة النداء خلفت لي حسرة كبرى وانطباعات سيئة وخيبة أمل كبرى والكثير من الأسى والإحباط


وعن تجربته في حزب نداء تونس تحدث محمد الناصر بكثير من المرارة وقال بأنها تجربة خلفت له حسرة كبرى وانطباعات سيئة وخيبة أمل كبرى والكثير من الأسى والإحباط، معتبرا أنها محطة سيئة في مسيرته السياسية خاصة وأن هذا الحزب كان له صدى كبير في الداخل التونسي وفي المحيط الخارجي وكان متوقعا أن يحكم لسنوات عديدة غير أن الذي حصل له من صراع على الحكم وصراع على القيادة والزعامة دمره بالكامل ليجد نفسه اليوم بنائبين في البرلمان لقد كان الحزب يعيش صراعا على من يحكمه ويقوده، وصراعا آخر حول المواقف والرؤى وساد هذا الخلاف ونسينا البرنامج الديمقراطي الاجتماعي الذي التقينا عليه بعد أن صاغه خيرة ما لدينا في تونس من خبراء كما أن التحالف مع النهضة وحزب آفاق تونس الذي كان يترأسه ياسين بن براهيم وحزب الاتحاد الوطني الحر لسليم الرياحي قد أضعف هذا البرنام
لقد كان للكثير ممن كان في نداء تونس طموحات عالية جدا وسقف رغبات واسعة لا يمكن كبحها ونزعة للقيادة يصعب التحكم فيها وحزب بمثل هذه التركيبة مع شركاء مختلفين عنه مع ظروف أخرى داخلية وخارجية جعلت من المستحيل أن يصمد كثيرا فكانت الصراعات حول القيادة هي التي عصفت بكل البناء الذي بنيناه…
عائلة الباجي قايد السبسي


ولما كانت السلطة كما يقول ليست غنيمة ولا استئثار بالحكم من طرف شخص أو حزب أو عائلة .. ولما كان الحكم مسؤولية وخدمة الشعب دون تردد وأمانة يحاسب عليها المسؤول أمام الله قبل الناس فهل كانت كل هذه الخصال وهذه الثقافة متوفرة عند المرحوم الباجي قائد السبسي لما كان في الحكم ومارس السلطة؟ ولما كان الحكم كذلك فهل غلّب المرحوم الباجي مصلحة الشعب على مصلحة الحزب والعائلة في علاقة بالخلاف الذي جد بين إبنه ورئيس الحكومة يوسف الشاهد وخلافه هو مع هذا الأخير؟
وفي علاقة بتدخل العائلة في الحكم هل كان الباجي ناكرا لذاته وقام بتغليب المسؤولية والأمانة التي منحت له وأنكر ذاته ؟ هذا سؤال محرج وجه في خاتمة هذه الندوة الى السيد محمد الناصر وطلب منه أن يجيب بكل صراحة للتاريخ وللذاكرة الوطنية باعتباره يقدم اليوم شهادة عن تجربة حكمه فلو كان الباجي ناكرا لذاته ولعائلته ولقرابته أفلم يكن التاريخ غير الذي نعيشه اليوم في علاقة بالوضع السياسي المتردي الذي تشكل بعد انتخابات 2019 بهذه التركيبة التي عليها بسبب وفاة الرئيس الباجي وبعد تفتت حزب نداء تونس بعد أن دمرته الفضائح الحزبية والعائلية ؟ لقد خير محمد الناصر أن لا يجيب على هذا السؤال المحرج وهو الذي كان صديق الباجي وصديق عائلته ونائبه الأول في حزب ولكن لعل في تحفظه وعدم إجابته إجابة كما يقولون..