محمد نجيب عبد الكافي يكتب لكم من مدريد: جيل واعد…وليبيا بخير

كتب: محمد نجيب عبد الكافي
 
إن من يقول إن ليبيا تفتقر، بأجيالها الحاضرة، إلى من هم قادرون على التسيير والإدارة، وانعدم بين أبنائها الوطني المخلص، النظيف قلبا ويدا، القادر على المسك بالمقود والسير بالمركب إلى شاطئ الأمان، مخطئ في قوله، يحكم عبر ما يراه ويشاهده سطحيا، وهو فعلا محزن يبعث على اليأس والتشاؤم….

لكنه لو تعمّق وسبر غور المجتمع ومكوناته، لخرج برأي آخر، مناف كلية، لما يعتري حكمه الأول السريع، لأن المجتمع الليبي، كأي مجتمع آخر، فيه الغث والسمين، الصالح والطالح، الخيّر والشرّير، المهتدي والضال، ولو أن البارز حاليا يدعو إلى التشاؤم واليأس، لكن، ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. إن الأجيال المتواجدة حاليا فيها ومن بينها من هم أكفاء قادرون علميا، وسياسيا، ووطنيا، وإداريا، على الإمساك بالدفة والسير بالمركب إلى ميناء السلام، للشروع في إعادة البناء، والسير نحو الأحسن والأفضل.
سعدت بمعرفة بعضهم، ولو أن أكثرية من عرفت ينتمون إلى عالم الأدب والثقافة. أذكر منهم المؤرخ الكبير والدارس القدير الدكتور عبد اللطيف حميدة، صاحب المؤلفات الكثيرة الرفيعة، محمد الفقيه صالح، الشاعر الناقد، الذي اختطفته منا المنون رحمه الله، الصحفي الكاتب أحمد الفيتوري، القصاص المبدع جمعة بوكليب، الصحفي الكاتب محمد جمعة البلعزي، وغيرهم يذكر فيحمد. أما الذي سأتحدث عنه في هذا المقال فهو اقتصادي، متخصص في الاقتصاد السياسي، فضّل العمل الحر عن الوظيفة الرسمية، يكتب كثيرا بقلم سيال ومنهجية ووضوح. زارني مرات هنا بمدريد، وترجمت له بعض كتاباته، نشرت في أكبر الصحف الإسبانية وأكثرها رواجا مثل ” الباييس ” (البلاد) و”الموندو” (العالم). إنه المهندس الاقتصادي السيد فوزي عمّار الذي جاءني قبل أيام منه مقال، طويل عجيب. غريب عجيب، لأنه اختلف – موضوعيا – ظاهريا على الأقل، عمّا تعوّد كتابته ونشره. قلت مقالا، وكان الأصحّ أن أقول دراسة، لأنها سبع صفحات كاملة تحت عنوان ” إخوان ليبيا. … خيار الجماعة أم خيار الوطن؟ رغم هذا العنوان لم يتعرض لإخوان ليبيا إلا في الآخر ليتساءل عن خيارهم بعد أن سرد، وذكّر، وأرّخ، وحلّل، فاستنتج أو تساءل. أعطى بسطة عن نشأة الإخوان المسلمين بمصر، مصدرها ومن أين اقتبست فكرتها، وشيئا من مسيرة السيد قطب، شارحا ما جاء في ” قانونها الأساسي ” وشروط ولزوميات المنتسب إليها، من إخلاص، وطاعة، وتبعيّة. أبرز، بمنهجيّة ومنطق، وحلّل التضارب والتناقض الذي يلاحظه، خاصة فيما على المنتسب اتباعه. قبل ذلك يقول: “كانت الفكرة تعاني من مشكل منهجي. فداخل مجتمع مسلم تخرج جماعة تريد أسلمة المجتمع، وداخل هذه الجماعة، ينشأ حزب يريد ان يحكم باسم الإسلام!!!!! فكان سبب سقوط الإخوان عامة، من “وجهة نظري”، نتيجة لهذا الخلل المنهجي أولا، ولأسباب أخرى مثل العمل السري، اللجوء للعنف، والقتال لاحقا. تبنت الجماعة الفكرة، لأنها تنص على أن التفاسير والاجتهاد والأوامر، هي حكر لمرشد الجماعة فقط، وعلى الاتباع السمع والطاعة والتنفيذ، دون اعتراض او نقاش.” اكتفى السيد فوزي عمار بلفت النظر هذا، تاركا القارئ يستنتج منه ما يرى ويشاء، وهو كثير في نظري. ثمّ إن الكاتب لا يصدر حكما، أو هو إبداء رأي لا غير، إلا ليقارن، ناقدا بإشارة خفية مؤدّبة،
إلى من هم، مثل الإخوان يحتكرون فيضلون.
يقول بهذا الخصوص: ” فاحتكار الإسلام لهم، مثل احتكار العروبة او الهوية الليبية، لأحزاب أخرى، وهو سلاح ذو حدين. ففي حالة الفشل، يعني فشل الإسلام نفسه، وهذه كارثة في حق الدين، الحق الذي لوثوه بالسياسة والسرقة والقتل والعنف.  المشكل المنهجي الآخر لهذه الجماعة اليوم، هو اصطدامها مع مفهوم الدولة الوطنية (القُطرية) وسيادتها. فالجماعة تؤمن بتنظيم عابر للحدود، لا يعترف بالدولة وإقليمها ومؤسساتها، مثل القضاء او الجيش والشرطة، وتعتمد على دولة وهمية (الجماعة) أينما وجدت في كل العالم، حتى وان أعلنت غير ذلك.”  
هكذا، وبهذا المنطق والعقلانية والمنهجية، يواصل شرحه وتحاليله، ليصل إلى ما أسماه إخوان ليبيا، فيقول: ” اما أخوان ليبيا الذين ينقلون عن أخوان مصر، فجاء كلام السيد الكبتي “مراقب أخوان ليبيا ” – عن مجتمع ” ليبيا   المسلم كليا “- كلاما مضحكا ومثيرا للاستهزاء حين قال: (نحن نريد أسلمة المجتمع المسلم سلميا !!!)”
“فإخوان ليبيا في مأزق بنيوي. فكيف يكون لجماعة داخل مجتمع مسلم مائة بالمائة، ومنهجية إسلامية تريد أسلمة المجتمع؟  هذا من جهة، ومن جهة أخرى، لمن يكون الولاء في حالة الخلاف بين ليبيا ومصر – بلد المرشد والمنشأ – في حالة حكم الإخوان مصر؟ بما أن الولاء للمرشد في مصر شيء أساسي لقادة التنظيم، وفق القانون الأساسي للجماعة، والمادة الرابعة التي تنص على عدم اتخاذ أي قرار يخص الأقاليم الا بعد موافقة المرشد العام..  (بسطاء، وأفراد الإخوان لا يعلمون بهيكلية الجماعة.. كما يقول القيادي الاخواني السابق؛ ثروة الخرباوي”. بمثل هذه الطريقة ومثل هذه التساؤلات يحلل السيد فوزي عمار الوضع منطقيا وقانونيا وينهي بتساؤل شرعي فيقول:” السؤال الشرعي الجوهري هو، كيف يكون للمؤمن بيعتان وولايتان؟  ولاية للحاكم في بلده، وولاية للمرشد في مصر.. فهي بدعة لم يأت بها أي من اصحاب البدع من قبل. ثم ان المنتمي للإخوان يجب ان يبايع بأن يكون جنديا في جماعة الإخوان، وليس مواطنا صالحا في الدولة. نحن نعلم ان الجمع بين السلطة الدينية والسياسية هي سمة اختص بها سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم ولا مجال لأحد بعده أن يجمع هذه الصفات في ظل تطور النظم السياسية، وتعقيدات المنهج الإداري اليوم. “
هذا اختصار مقتضب، ولمحة عاجلة، أردت من ورائها – أتمنى أني قد وُفِّقت بعض التوفيق – تقديم نموذج مما لليبيا بين أفراد مجتمعها الحالي من مقدرات وكفاءات، وهم، كثيرون وبمختلف التخصصات. أين هم؟ يتابعون ويتألمون.
موقف أراه مخطئا لأنهم إن بقوا منسحبين من ركح العمل والبناء، أضرّوا، لأن سياسة الفراغ تترك المجال فسيحا لكل منتهز دخيل، ولكل مغامر ضال، وهذا ما أوقع ليبيا فيما قاسته طوال عقد تقريبا، مثل ما وقعنا نحن من قبل. لذا، فها أنا من صومعتي النائية أقول لإخوتي الليبيين، ” اسأل مجرّبا ولا تسأل طبيبا” حسب المثل الشعبي، وتذكروا أن العاقل من اعتبر بغيره.

مدريد في 17-7-2021.