محمد نجيب عبد الكافي يكتب لكم من مدريد: إرادة ووحدة…فانتصار…

كتب: محمد نجيب عبد الكافي

كانت خالتي رحمها الله تقول” لحمتنا حلوة، كل آت يعضنا « … تذكرت مقولتها وأنا أتابع كغيري، ما مرّت به وتمرّ هذه البلاد، هذه الدولة الحديثة، رغم قدمها وأبعاد جذورها في أقاصي التاريخ. سمّوها شقيقة، وهي أكثر من شقيقة….

قالوا عنها جارة، وهي وإن جاورت ليست جارة فقط. فأي اسم ينسب إليها هو مخطئ وإن أصاب، لأننا وإياها مثل أصابع اليد، منفصل كل إصبع عن البقية، يحمل اسمه الخاص، ويقوم بدوره المختلف عن أدوار كلّ واحد من الأصابع الأخرى، لكنه يبقى تابعا لليد، وإن قطع عنها تعطّل هو وشلت اليد.
الحديث عن ليبيا، وليبيا هذه لحمها ليس حلوا فقط، بل يبدو أنه سمين، كثير شحمه، لذيذ طعمه، فتنافست في عضّه دول كثيرة، وتناور ضدها الكثيرون، فأوقعوا بعض أبنائها في ضلال مبين، فجرّوا البلاد إلى فتنة دامت سنين. الآن، وقد ساد صمت الأسلحة، فساد بدله وفاق واتفاق، فشكلت حكومة وفاق، بين المتناحرين ـ لصالح الغير ـ بالأمس، وها هي، حسب الأقوال والتصريحات، ومن خلال التحركات والخطوات الأولى، تبعث في المواطن والمتتبّع، أملا كبيرا في السير قدما نحو مستقبل يضمن السلم، والأمن، والرفاه، والتقدّم والتطور….
آمال هذه، تخالج نفوس كلّ المواطنين، وجعلت جميع المتدخلين الذين نهشوا لحم ليبيا، وتسببوا وشاركوا ” فعليا “، مباشرة أو تحت ستار مرتزقة “رسميين”، في فتنتها التي دامت سنين، يعلنون كذبا ونفاقا: يجب الآن أن تنسحب كل القوات الأجنبية عن ليبيا، بينما قوات ومليشيات، ومرتزقة كلّ منهم، متمركزون على التراب الليبي لا يتحرّكون نحو باب الخروج.
فهذا الوجود العسكري المسلح، من دول قريبة وبعيدة، جغرافيا وتاريخيا وعرقيا، هو وسيكون، أصعب مشكل أمام ليبيا اليوم، وبعد الانتخابات الموعودة المنتظرة. لأنه ما لم تنسحب، تخرج، تغادر القوات الأجنبية تراب بلد، لا استقلال له ولا حريّة ولا سيادة ولا كرامة. لذا على الحكومة الحالية، رغم صفتها الانتقالية المؤقتة، أن تشرع في ضم شمل وتجنيد كل القوى الوطنية، بأشكالها المختلفة، عسكرية، ثقافية، مدنية، اقتصادية، في كتلة واحدة موحّدة، متراصة، مصمّمة، بإرادة وحزم، على إخراج جميع القوى الأجنبية دون استثناء، ومطالبة المجتمع العالمي، والأمم المتحدة، وكل المنظمات الإنسانية بداية بحقوق الإنسان، حتى صحافيين بلا حدود وأشباهها، بالوقوف إلى جانبها، والضغط بكل الوسائل، على البلدان التي لها ولو عسكريّ واحد بليبيا، أن تسحبه وتترك البلاد تضمد جراحها، وهي كثيرة دامية، وتطهر بيتها، وتزيل ركامها، وتعيد بناء ما تهدم وانهار، حسيا ومعنويا، حتى تستطيع  النهوض من جديد، واستئناف السير نحو الأفضل والأقوم.
غير هذا أمام ليبيا والليبيين مشاكل أخرى عديدة، سأكتفي بلفت الأنظار إلى أحدها فقط، وهو لوحده يتطلب ما الله به عليم، من إرادة، وتصميم، وحنكة، وتدبير، وتفهّم ومساعدة من الغير، لاتساع رقعته وتعدّد أصوله ومشاكله. إنه مشكل الجنوب، ولاية فزان الشاسعة، التي استقطبتها الضرورات والأطماع، فأصبحت قاعدة الكثيرين من شتى ذوي الغايات المعلنة والخفية، أكثرها خارج عن كل منطق وقانون أو شرعية.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، إن الطعنة القاضية التي سددت لإدريس دبي، جاءت من تلك الولاية الليبية فزان، التي أصبحت ” نقطة سوداء ” جغرافيا وسياسيا. فجبهة التداول والوئام بالتشاد مثلا، المسؤولة حسب ما يُقال، عن موت الرئيس التشادي، يوم 20 أفريل، جعلت من هذه الولاية الليبية، ملاذها ومنطلق نشاطها. ثم إن سقوط نظام القذافي عام 2011 كان سببا في إحراز عدد كبير من القوات المكوّنة، على أساس إثني بوجه خاص، على حرية انطلاق عملياتها. إليها يجب إضافة مجموعات مسلحة ذات انتسابات وتوجهات مختلفة.  
ميليشيات منتمية إلى قبائل عربية مثل أولاد سليمان، طوارق، أو تبو، تتعايش وتتواجه، بأصول جهادية أو شبكات “مافيِيّة ” لها ضلع في التجارة ببني الإنسان. أما التحالفات أو المعارك فمدارها رقابة الحدود الجزائرية، النيجيرية، التشادية، والسودانية، فهي إذن سائلة مائعة، ومن ثمّ فهي دروب هجرة، وهي أيضا حقول نفط، ومطامع أخرى لا حصر لها. ليبيا الجنوبية هذه أصبحت بالضرورة، القاعدة الخلفية لمجموعات المعارضة المسلحة، القادمة من الدول المجاورة أولها تشاد، حيث تهيّأ في هذا الملجئ السليم، أو القاعدة الخلفية، ضرباتها القادمة ضد بلدانها الأصلية.
إن المفارقة في هذا، هي أن الهجوم ضد دبي، قد طبخ ونضج داخل بلد عاد إلى هدوئه ظاهريا. فمنذ شهر فبراير، تشكلت حكومة وحدة وطنية، أخذت مكانها بالعاصمة طرابلس، على أساس مصالحة رسمية بين الطرفين المتنازعين، منذ اندلاع الحرب الأهلية (الفتنة) عام 2014 بين كتلة طرابلس، غربا، التي تنسب نفسها إلى الثورة ضد القذافي عام 2011، وبين تحالف عسكري قبلي ببرقة شرقا، تم حول شخصية المشير خليفة حفتر، الذي لا يزال يقلق ويتعب بخروجه عن الصف، عملا بما يشار عليه به، من الداخل والخارج. لذا، ولكل ما ذكر آنفا وغيره أكثر وأصعب، أمام الحكومة الانتقالية هذه، وأمام كل الشعب الليبي، بفئاته، بقبائله، بجمعياته، بمنظماته، بكل من دب وهب من أبناء الوطن، أن يجمعوا كلمتهم – ولو مؤقتا حتى تسلم السفينة – وأن يقفوا وقفة الرجل الواحد بإرادة وحزم، لشد أزر الحكومة حتى تنجز مهمتها، ولإنجاح الانتخابات القادمة بحسن الاختيار، حتى يكون مجلس النواب المنتظر، خير ممثل وخير نائب عن الشعب بأكمله، يحرص ويتفانى في سبيل تحقيق مطامحه وضرورياته. كل هذا وغيره، يحتاج إلى إرادة وتصميم، إلى وضوح رؤيا وتحديد أهداف، يمكن، بل يجب، على المجتمع المدني أن يكون في طليعة العاملين، لأنه هو الذي سيناله مردود كل المنجزات بصالحها وطالحها، فهو أعرف بما يحتاج ويريد، فلا يترك المجال خاليا يرتع فيه السياسيون وحدهم، ولو أخلصوا وكانوا من النزيهين.
إن المرحلة التي تمر بها ليبيا حاسمة مصيرية، تحتاج إلى عمل، وانتباه، ومشاركة كل مواطنة ومواطن. تحتاج إلى تكتل وتوافق، إلى تبصر وتعقل، إلى نشاط وإخلاص، حتى يعلم من يجب أن يعلم، في الداخل أو الخارج، أن الشعب الليبي صحا من غفلته، وهو واقف صامد، متربص بكل من يريد له سوءا، من أبنائه وغير أبنائه، وهو مسالم لمن يسالمه معادٍ لمن يعاديه، وهو سائر بوطنه، بتصميم وثبات، نحو السلم، والأمن، والعمل، فالتقدم، فالرفاه. إن الأجيال الحاضرة ما هي إلا خلف أجيال سلفت، سجلت للتاريخ وللخلف، بإخلاصها وتفانيها، وتضحياتها، بطولات وإنجازات، كانت وبقيت وستبقى، أمثولة وقدوة، لخلفها وللعالم أجمع. ليس هذا على الله بعزيز، ولا هو على أبناء ليبيا بمستحيل، فلتكن الإرادة، فالعمل وإلى النصر المبين.

مدريد في 5 جويلية 2021