محمد نجيب عبد الكافي يكتب لكم من مدريد: أيام لا تنسى في حرب تحرير الجزائر..

كتب: محمد نجيب عبد الكافي

إن الثورة الجزائرية التي اندلعت يوم غرة نوفمبر 1954، ودامت سبع سنوات، انتهت بنصر مبين. أتت بعجائب وبطولات ذكرت في وقتها، ثم أهملت، كما أهملت الثورة نفسها.

ثورة، لو كانت في بلد آخر، لخضعت لدراسات وأبحاث وتحاليل وتعليقات وتفسيرات، عن مبعثها، وأسبابها، ودوافعها، وغاياتها، ونفسيات باعثيها، وروح مقاوميها، إلى غير ذلك مما يحسنه ويتقنه العارفون. لكنها انبعثت في بلد محسوب على البلدان
“النامية ” ويقع في الضفة الجنوبية من المتوسط، لذا فالإهمال من نصيبه.
التفسير الوحيد تقريبا، الذي شاع والثورة على أشدّها، هو الذي أشاعه المستعمر فقال إن أسبابها اقتصادية. حتى أنّ ديغول، الذي انتهى به الأمر إلى الإذعان للواقع ففاوض وأعلن الاستقلال، قد آمن بالدوافع الاقتصاديّة، فوضع مشروعا عظيما أسماه “مشروع قسنطينة “، أظن أن الإخوة الجزائريين استغلوه بعد خروج المستعمر. أما الجانب الوطني والأنصار، فكنا نعتبر الأسباب والدوافع وطنية استقلالية، وبعضنا ـ وأنا منهم ـ أضفنا الأسباب الدينية. أما الحقيقة والأصل فهو خليط مزيج، قد يساعد على فهمه دون كلام أو تفسير، الحدث الذي عشته وبصحبتي بعض الرفاق، على أرض الواقع والحقيقة.
تولّى أوّل رئاسة الجمهورية الجزائرية المستقلة، الزعيم الثائر، أحد باعثي الثورة الصديق المرحوم أحمد بن بلّة. عند إحياء أول عيد ثورتهم المجيدة، طلب من رئيس مكتبه توجيه دعوات خاصة، لجميع أصدقائه الذين تعاون معهم، وكنت أحدهم، ففعل واستجبنا.
ذهبت لتحيته فطلب مني، ومعي رفيق آخر، مرافقة المكلفين باستقبال الوفود العربية، لأن أغلبهم من الشباب المقاوم الذي لم يخرج من الجزائر، لا يعرفون أحدا من المدعوين. تمّت الاحتفالات، بما رافقني أثناءها من نوادر ومفاجآت، لها علاقة بوضعي كلاجئ ووضع الوفد التونسي الرسمي، وخرجنا يوما، يقودنا ويرافقنا وزير الصحة الدكتور محمد الصغير النقاش، نزور ونطلع على ما كان بين أيدي المعمّرين من خيرات، وقبلتنا الرئيسية قرية “إيفن كريمن” التي منها عائلة الشهيد ديدوش مراد. توقفنا فيما يسمى بلاد القبائل، وسلسلة جبال “الجرجرا” للاطلاع والاستراحة. كان بصحبتي، من ليبيا عبد الرازق شقلوف، وكيل وزارة المالية، الحاج عثمان السوسي، من رجال الأعمال ببنغازي، وسالم شلبك، مقاول نقل، كانت شاحناته على ذمة وفي خدمة الثورة، ومن تونس عبد العزيز شوشان، رحمهم الله جميعا.
أذهلنا الجمال الطبيعي وخصب الأراضي، وأنواع المنتوجات، حتى بلغنا قرية. دخلنا مكانا، أظنه بديل مقهى، فألقينا السلام على الحاضرين وأجابونا بمثله، وانتهى الكلام. لم يكن بالإمكان التفاهم لا بالعربية، ولا بالفرنسية. فطلبنا من سالم شلبك، الأمازيغي اللسان، فكان جوابه النفي لأنه لا يفهم مما يُقال شيئا.
التجأنا إلى الدكتور النقاش، الذي كان يبتسم طوال الوقت، كأنه ينتظر ذلك المشهد، فقام مشكورا رحمه الله، بواجب الترجمة، واعدا بالشرح بعد أن نخرج من هناك. طالت جلستنا المفيدة، علمنا أثناءها ما لم نكن نعلم ولا يخطر لنا على بال، مما قاساه وعاناه أهل تلك المناطق من ظلم وتشفٍّ سلطه عليهم المستعمر وجنوده.
خرجنا قرابة المغرب، مودّعين بالحفاوة والكرم، مذهولين بما لمسناه من صلابة وقوّة عزيمة، ملتحفة بصبر هادئ واستعداد لكل مصير.
خرجنا والظلام بدأ يزحف فغيّر الوزير الطيب الوجهة فتوقفنا في إحدى المزارع التي كانت من ممتلكات كبار المستعمرين، قيل لنا أن صاحبها كان يتفقدها مستعملا طائرة صغيرة، نظرا لاتساع مساحتها. قضينا الليلة هناك فأفهمنا الدكتور النقاش سرّ بلاد القبائل وأمثالها وهو أن السلطات الفرنسية أرادت إنشاء مدارس بتلك المناطق، فاشترط السكان أن تدرس بها اللغتان العربية والفرنسية. رفضت بكل شدة تلك الاقتراحات بتعلة أن الجزائر فرنسية ولا تعلم إلا لغتها، تمسك الأهالي برأيهم وانتهى الأمر بأن لا مدارس…
لا تعليق ولا شروح بل تذكير لمن لا يتذكر، أن كل تلك المناطق أهلها أمازيغ. والفاهم يفهم، والعاقل يستنتج…

مدريد في 16 جويلية 2021