محمد نجيب عبد الكافي يكتب لكم من مدريد: فلسطين والعرب

كتب: محمد نجيب عبد الكافي
ضربني وبكى، سبقني وشكا. هكذا تصرف الصهيونيون من يوم أن دخلوا مستعمرين أرض فلسطين، ووجدوا في الحكام العرب مساندين، عن قصد أو عن غير قصد، لكنهم ساروا وسايروا فوطدوا إحدى غايات بني صهيون الدخلاء، وهي التظاهر أمام العالم بأنهم ضحايا لا معتدون، صغار ضعاف، محاطون بأكثر من عشرين ليثا يريدون افتراسهم، فسرت الحيلة في عقول ومفاهيم العالم، بينما الشعب الفلسطيني الأبي يدلي ويبرهن ويؤكد، كل يوم وكل ساعة، أنه أكثر الشعوب صمودا، وأصدق العرب انتماء، وأشد المكافحين صبرا وثباتا، وبهذه الخصال لابد أن ينتصر، طال الزمان أم قصر. نجح الصهيونيون المعتدون أيضا في إلباس القضية ثوبا دينيا، مسلمون ضد يهود، فتصرّف العرب، الذين حذّر من الاعتماد عليهم البطل الشهيد عبد القادر الحسيني، تصرفوا حسب وطبقا لادعاءات الصهيونية، فغابت الحقيقة مُبرزة الصورة المضلّلة، التي سادت بين شعوب ودول العالم، تسندها دعاية منظمة مخطّطة، ترتكز على ما فعلته النازية باليهود، حتى أنه لا تمرّ ليلة، إلا وفي أكثرية قنوات المرئية بالغرب، يُبث شريط أساسه تلك التصرفات الإجرامية، كأنها لم تسلط إلا على اليهود، بينما هي شملت الكثيرين غيرهم لأسباب ودواع لا صلة لها بالدين.
كنت بمدينة ستوكهولم، عاصمة السويد في مستهل الستينات من القرن الماضي، فطالت إحدى سهراتي حتى أني صحوت من الغد متأخرا، فكدت أن أخسر رحلة سياحية مقرّرة لذلك اليوم الذي تلى السهرة. أسرعت فصعدت الحافلة وارتميت في المقعد المخصص لي، وأنا لا ألوي على شيء، أفرك العينين، وأسوّي ما ارتديت، وأستنشق الهواء بقوّة كي أصحو حقّا. تحرّكت الحافلة فساهم الهواء الآتي عبر النافذة القريبة، وصوت الدليلة وهي تشرح برنامج الرّحلة، في إيقاظي وعودة انتباهي وإذا بجانبي فتاة حسنة الوجه تبتسم وتقول طالت السهرة، أليس كذلك؟ حييتها وأنعمت على سؤالها وتبادلنا الأسماء والتعارف فتصافحنا. أعجبني سوار في معصمها تدلت منه ضمن ما تدلّى نجمة سداسية – ختم سيدنا سليمان كما نقول – فلا أدري لماذا قلت لها، بدون مقدّمات، أنت في بلادنا إخ، ومررت سبابتي في عنقي في حركة ذبح. انتفضت المسكينة وحملقت في وجهي غاضبة وقالت لماذا؟ صحوت آنذاك حقا، فاسترجعت عقلي، وسارعت بإصلاح ما أفسدت فقلت: لأن ذلك ما تعتقدون، وهو خطأ وضلال. أأنت يهودية؟ قالت نعم. قلت إذن دعيني أعطيك الحقيقة ولتذهب الرحلة إلى الجحيم. إن الأمر يا آنستي لا علاقة له بمسلمين ويهود، ولا دخل للدين والمعتقدات فيه، وما هو إلا استعمار يقوم به نفر دخلاء جاؤوا من بعيد، أكثرهم من بولونيا والمجر وروسيا، فاستعمروا أرضا غير أرضهم، وطردوا وقتلوا، ونهبوا أهلها المسلمين واليهود والنصارى، فتصرّفوا كأسياد مستعمرين. فالقضية استعمار وعدم قبوله، قضية استعمارية بحتة، لا دخل للعرق ولا للدين فيها. ابتسمت شاكرة وقالت: أرأيت دليلتنا؟ قلت نعم. قالت هي أختي، زوجها فرنسي سيكون في انتظارنا أين تنتهي الرحلة لنتناول طعام الغداء معا. أرجوك، إن لم تكن لك روابط أخرى، أن تقبل الدعوة للغداء معنا، كي تشرح لنا ما قلته لي عن هذه القضية الأليمة. قبلت العرض واستجبت للدعوة. فكانت جلسة طويلة مفيدة، للأجسام التي نعمت بشهي الأطباق الفرنسية الأصل، ولعقول وأفكار الطرفين التي تزودت فأثرت، بمعلومات وتفاصيل كانت مجهولة ولا يخطر بعضها على بال. شكرني الثالوث عما شرحته لهم، واقتنع ثلاثتهم بأن القضية استعمارية بحتة، ممزوجة بالأهداف والأطماع السياسية والاقتصادية، من لدن الدول الكبرى، في مقدّمتها الولايات المتحدة التي تبنتها وجعلت من البلاد قاعدتها الأساسية بالمنطقة. إن ما تعجبوا له واعترفوا أنه لم يخطر لهم على بال، هو تمييز العناصر الأوربية والغربية عموما، عن الشرقية والإفريقية من اليهود النازحين للدولة الجديدة، فالسلطة ومقاليد الأمور جميعها بأيدي القادمين من أوربا والغرب عموما، وبقية اليهود مهمشون، محتقرون، يُعاملون باستهجان ونكران، حتى أن بعضهم لم يتحمّل ما يتعرّض إليه من لدن أبناء جلدته، كما يظن، فعاد من حيث أتى أو استقر ببلد آخر. أثرت كل هذه الحقائق في الثالوث المتعطش فكال لي من الشكر والامتنان ما لست به جدير.
ظننت أني كفرت عن ذنبي وقمت بواجبي نحو قضية إنسانية قبل كل شيء، قضية حق مغتصب واعتداء واضح، أصبحت عملة بين أيدي المرابين بما فيهم العرب المحسوبون عالميا خطرا يهدد ” اليهود المساكين ” فاقدي الأرض والسند. لكن، فوجئت وأنا أستعد للراحة والنوم، بجرس الهاتف بحجرتي يرن، وعندما رفعت السماعة جاءني صوت الفتاة “الذبيحة ” تعتذر عن الإزعاج، وتخبرني بأنهم أعادوا ما سمعوه مني على أبويها، وهما يدعواني غدا مساء لتناول العشاء على مائدتهما إن كنت لا أرى مانعا. تأدبت في جوابي ما استطعت، شكرت وأثنيت، وقبلت الدعوة طبعا، واتفقنا على المكان والزمان. أخذت الأمر بجد واهتمام، فجعلت أسترجع ما استطعت من حقائق تاريخية واجتماعية وسياسية، لها صلة من قريب أو بعيد بفلسطين والقضية الفلسطينية، وحسنا فعلت. أحسنت لأني واجهت مفاجأة أخرى، أعظم أهميّة وجدّية مما كنت أظن. جاءت الأخت وزوجها فأخذاني من الفندق إلى بيت الأهل، حيث وجدت الأبوين يستقبلانني عند الباب. رحّبا بي ورافقاني إلى قاعة فسيحة ذهلت عندما دخلتها إذ كانت تغص بالحاضرين، نساء ورجالا، قرابة الثلاثين شخصا. لاحظت ربة البيت دهشتي فهمست لي تقول، جاء جميعهم ليستمعوا إليك. شكرتها والقلب يخفق، والأعصاب تتوتّر، والصوت يتحشرج، خشية ما ينتظرني. فكرت بسرعة فلم أجد أمامي سوى الإقدام والاتكال على الله. تلوت سرّا الآية الكريمة ” ربي اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي ” فاسترجعت بعض سكينتي واجهت بها ذلك الامتحان العسير.
قدمني صاحب البيت كصديق أتى من بعيد، له ما يقول لنا ويعلمنا بما لا نعلم، عن قضية من أهم قضايا عالمنا المنتشرة فيه الصراعات، والاعتداءات، والحروب، تثيرها وتستغلها الأطماع والنَّهم وحبّ السيطرة. أعطاني الكلمة، فبادرت بالسؤال عن اللغة التي عليّ استعمالها، وأنا لا أعرف العبرية، فانطلق الجميع يضحكون فقالت ربة البيت لست الوحيد، فكلنا في ذلك سواء. أعدت على الحاضرين ما سبق لي قوله لأصدقائي الجدد، مضيفا، ما جادت به الذاكرة آنذاك، من جزئيات، وختمت باقتراح عنّ لي حينها فقلت: لماذا لا يُتّبع في فلسطين ما اتُّبع في لبنان المجاور مثلا؟ ينتخب عدد محدّد من ممثلين أكفاء عن المسلمين واليهود والنصارى، أبناء الأرض الأصليين فقط، لا النازحين، ويغلق عليهم مكتب يُعدّون فيه دستورا يأخذ بعين الاعتبار تعددية المعتقدات والأصول ونسبها، فتقام على أساسه دولة جديدة تعلن حيادها العالمي – مثل سويسرا – ونظرا لقداسة تاريخها ومعالمها، تعلن انفتاحها لكل زائر وحاج. قوبل اقتراحي بتصفيق حاد، ومصافحات وشكر، قضيت بها بقية السهرة راض عن نفسي، سعيد بما ألهمني الله، محاط بتقدير واحترام لم أعهدهما، وبوابل من الأسئلة المستوضحة المستفهمة. خرجت من هذه التجربة بعبرة وحقيقة، وهي أن القضية الفلسطينية يُنظر إليها وتعالج كما أرادها المعتدون، وتقابل من طرف الجميع بقليل التعريف والإعلام، كي لا أقول بتشويه أصولها وحقيقتها، وفوق كل ذي علم عليم.
مدريد في 22 ماي 2021