محمد نجيب عبد الكافي يكتب لكم من مدريد: كيف ننقذ تونس من الإفلاس الكامل الشامل؟

كتب: محمد نجيب عبد الكافي
كثرت مؤخرا الأقوال والكتابات والاقتراحات، منشورة ومذاعة، تنادي جميعها وتطالب الثالوث الجالس على قمة السلطة في تونس أو فيما بقي منها، تريد منه الجلوس على مائدة التفاوض والمصالحة، والاتفاق على مخطط يخرج البلاد من زقاقها المسدود. الأعمال بالنيات، وهذه المطالبة صادرة عن نوايا طيبة صادقة، تريد وتحاول المساهمة، كما أنا فاعل الآن، في إنقاذ الوطن مما يهدّده، مساهمة ولو برأي، والرأي المقترح سديد.
لكنه، ويا للأسف، غير ممكن التنفيذ، ولو توفّرت الإرادة. لماذا؟ لأن الأول أتى من بعيد محمّلا بمخطّط – طويل عريض – شرع ويواصل تنفيذه بتؤدة، وتلوينات حسب الظروف، ولن يحيد عنه أبدا، ولو أراد، لأنه يخشى ما يخشى من محمّليه المهمة هنا وهناك. الثاني جيء به ليكون سندا في مجابهة أي ضرر قد ينتج عن مخطط الأول، فتحزّم واستعد بنيّة إثبات أنه لن يصاب بما لحق بسابقيه من سقوط وخروج، فوقع في شباك، كان من المنتظر منه تمزيقها، فها هو خوفا أو طمعا، سائر على غير هداية واضحة جلية، بينما المركب يزداد كل لحظة غرقا، ولا يعرف غيره إن هو أسير، أم مُسيّر، أم له حاجة في نفسه. أما الثالث فلا حول له ولا قوّة تُمكّنه من فصل الأمر والقضاء على الذبذبة، كما لا يعقل أن يوافق على مخطط الأول، لأنه إن فعل أتى بما يدعى خيانة مؤتمن. فلا سبيل إذن لأي اتفاق ولا وفاق، ولو توفّرت الإرادة الشخصية، لأن الأيدي مكبّلة، والعقول إن لم تكن مخدّرة مُسيّرة، فهي مؤمنة بمبدئ إن حادت عنه ضاعت أو أضيعت.
فكيف يكون الحل إذن؟ وكيف تُخرج البلاد وتُنقذ من الانهيار أكثر مما انهارت، ومن الإفلاس الكامل الشامل، الذي لا نتيجة منه إلا ضياع الاستقلال. طالما اتهمنا، وانتقدنا، ونعتنا بكل النعوت، حتى بالخيانة، البايات بالجمع وبلا تخصيص، لأنهم – حسب رأينا ونحن تحت ثقل الاستعمار – أفلسوا البلاد ففتحوا الباب على مصراعيه للاحتلال الأجنبي. لا غاية لي الآن في مناقشة ما في هذه التهم من صحة وخطئ، لأني إن فعلت احتجت إلى مجال أوسع ووقت أطول، لأن الظروف في البلاد آنذاك، وفي المنطقة القريبة، وفي أوروبا بطموحاتها واستعداداتها، والتنافس والتسابق بين أقطارها البارزة المتحفزة، مثل فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا، للتوسع وبسط الامبريالية، يحتاج إلى كتاب لا إلى مقال وإن طال. لكني أستطيع الآن وفي صفحة أو اثنتين، أن أسأل وأجيب حول موضوع الساعة الذي لم يعد يقبل ولا يحتمل تأخيرا لمعالجته، إذ البلاد تواجه أكبر خطر، مثل ما هدّدها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والذي انتهى بضياع الاستقلال والخضوع إلى التبعية. نحن ووطننا في هذه الساعة على عتبة وضع مماثل، بل أشد حطرا ومرارة، وما المفاوضات مع صندوق النقد الدُوَلي إلا مؤشرا لذلك. ما الحل إذن؟ وكيف الخروج من المأزق وإنقاذ الوطن من المهالك؟
رأيي المتواضع يجيب بمفهوم وحكمة مثل شعبي، ذلك الذي مفاده: من بدأ عملا، يُتِمّه. فالشعب قد بدأ عملا جبارا، وهو الإطاحة بالظلم وهيكله، وعبّد الطريق لنظام ديمقراطي يضمن الحريات والعيش الكريم. لكنه أحسن الظن بمن لا يستحقه، وها هم الانتهازيون، والدخلاء، والمغامرون، والضالون، يستولون على ما حققه الشعب، وها هم يعبثون به وبمصالح الشعب ومصيره، ومستقبل أبنائه والأجيال القادمة. فليسيء الشعب الظن بدل أن يُحسنه كما فعل، ويجمع أمره فيزحزح، سلميا كما بدأ وأنجز، الدخلاء الانتهازيين الضالين، ويرمي بهم إلى سلة التاريخ.
سبق لي وأن تعرضت في مقال سابق إلى ما اعتبرته ظلما وعدوانا على المساواة، مشيرا إلى امتيازات وفوائد مادية وشرفية، قننها من استفادوا منها، وتركوها لمن خلفهم قاعدة ثابتة، من أجلها يتكالب الطامعون المغامرون. يكفي إزالة تلك الثوابت، التي أصبحت تسمى حقوقا لدى المستفيدين منها، كي يفرّ معظم الذين يمسكون اليوم بحبل الخراب ومقود التدهور والإفلاس. ليس من الجديد في شيء إن قلت ” نائبه كهُ ” أي من ينوب أحدا يصبح كمُنوِّبه، يتكلّم باسمه، ويدافع عن مصالحه، ويدافع عنه. ولزيادة الشرح، النائب يقوم بما ذكرت نيابة عن مُنوِّبه، كما لو بعثت بابنك لقضاء حاجة لك، فهو في تلك الحالة نائبك وممثلك. فلا يُعقل والحالة هذه كما ذكرنا، أن يكون للنائب مزايا وفوائد لا يتمتع بها المنوّب إذ هو الأصل، ونائبه كأنه فرع منه. غير أن الأمور انقلبت، وأصبح الأصل فرعا والفرع أصلا، وصار النائب يتمتع ويستفيد بامتيازات وفوائد، محروم منها مُنَوّبه، ذلك الذي وضعه حيث هو. فعلى الشعب الآن، إن أراد الخروج مما هو يعانيه ويقاسيه، فينقذ نفسه والوطن، أن يقف وقفة الفرد الواحد، معتصما حول أو تحت قبة المجلس النيابي، فيُعلن سحب ثقته من الذين خانوا الأمانة، وبإضراب جوع إن لزم الأمر، ويطالب إلى أن يتحقق طلبه، الذي هو ليس إلا خلع الثقة وكل الامتيازات التي وضعها النواب والحكام لأنفسهم، فأصبحت وكأنها حق مُكتسب.
فلماذا نذهب أنا وأنت أيها القارئ المحترم أو القارئة المبجلة، إلى عملنا بوسائلنا الخاصة والعمومية، بينما السادة ممثلونا وحكامنا تخصص لهم السيارات بسواقيها، على حسابنا فنتحمل تكاليفها، بينما تلك السيارات موقوفة – من المفروض – على تنقلاتهم أثناء العمل لا غير. لماذا يتمتع نائبي بحصانة ليس لي منها فائدة ولا مرجع، بل ترجع عليّ بالوبال. لأنه إن زاغ نائبي وخرج عن القانون، لا لفائدتي بل لنفسه أو لمن على شاكلته، لا يمسه القانون فلا عقاب. إن كل ما يتمتع به ممثلو الشعب وبعض مسؤوليه، لا معنى له ولا وجوب غير اللهفة والجشع والحماية، فأدت بنظرائهم السابقين وأملت عليهم هذه الدروع الحامية، وهذه العيون المثمرة، فوضعوا لها القوانين، فأصبحت عادة وحقا، بينما لا حق لهم فيما يأخذون. إن هذه المنافع والميزات هي التي جعلت كل منتهز، وكل طامع، وكل باحث عن فائدة وحماية، يلجأ إلى الحصول، بأية وسيلة، على منصب يكفل له ما هو باحث عنه، يرغبه وبه يحتمي. فعلى الشعب، والشعب وحده، الذي أتى بحرية استغلها من لا خير منهم ولا هم ينفعون، أن يزيح عن كاهله وكاهل الوطن، الانتهازيين الطامعين المفسدين، فتستريح البلاد من شرّهم وعرقلتهم مسيرتها، فيكون الشعب قد بدأ وأتمّ، وبارك الله فيمن عمل عملا وأتقنه فأتمه.
أما إذا انتظرنا حلا يأتي من رئاسة الدولة أو من الحكومة أو أية جهة أخرى، فما ذلك إلا مضيعة وقت وتسويف حتى يضمن الناشطون الانتهازيون ما جاؤوا له، وتكون البلاد بذلك – لا قدر الله – قد انهارت كليّة أو خضعت لما لا تحسن عقباه. إن الأخطار المهدّدة ذات بال ووبال، ونظام الدولة الذي كان مثاليا ثابتا سينهار، واستقلال البلاد والعباد في مهب الرّياح، ستأتي، إن هبت بقوّة، على الأخضر واليابس مما كنا به نفتخر فحسدنا عنه الحاسدون، فها هم، بواسطة عملائهم من أبنائنا، علينا يعتدون، وأيديهم بقفاز من حرير يسترون، ونحن ببعضنا البعض منشغلون، نتطاحن بلا جدوى، كأننا للمخربين مساعدون. الأمر إذن بين يدي الله سبحانه وبأيدي الشعب، أيديك أيها الشعب الكريم، فاسحب ثقتك ممّن لا جدارة له بها، فأتمم ما بدأت وكن مرة أخرى مثالا يُقتدى، وعلى الله فليتوكل المتوكلون.

مدريد في 14 ماي 2021