محمد نجيب عبد الكافي يكتب لكم من مدريد: …رب ضارة نافعة

كتب: محمد نجيب عبد الكافي
عنوان حديثي هذا حكمة شهيرة، أصبحت مثلا يقال ويهتدى به، لأنها أثبتت مع الأيام والتجارب، صحتها وسدادها. كنت أظن أنها مقصورة على اللغة العربية وأهلها، لكني اكتشفت، كما اكتشف غيري ولا شك، بأن نفس المفهوم يوجد لدى غير العرب من الشعوب، مُعبَّرا عنه بلغاتها المختلفة.
ففي إسبانيا حيث أقيم، يقال بنفس المعنى تقريبا: لا شرّ يأتي إلا وبالخير أتى. فالحكمة إذن، بأي لغة قيلت هي نافعة مفيدة، تدعو إلى عدم اليأس والصبر حتى تتغيّر الأحوال، لأن المرء ابن ساعته، ولا يعرف عواقب الأمور. فكما قال العزيز الحكيم، ” عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبّوا شيئا وهو شرّ لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.” ما لم نكن نعلم هو ما سأتحدث عنه، وهو لا يخلو من عبرة لأولي الألباب. تأسست في مستهل الثمانينات من القرن الماضي، جمعية الصداقة الإسبانية العربية، فهللنا وكبّرنا، لا لتأسيسها فحسب، بل لمن كان باعثها، ومن تولّى أمرها في تلك الآونة. نخبة من الشخصيات البارزة علميا، وثقافيا، وصدق مشاعر. أذكر منهم الكاتب، الروائي، والشاعر الرقيق أنطونيو غالا، أول من ترأسها، وكبير المستعربين الدكتور بيدرو مارتينث مونتابث، نائب الرئيس، والمستعربة الدكتورة كارمن رويث فياصانتي، وأخريات وآخرين من نفس المستوى العلمي الاجتماعي الإنساني. تحركت الجمعية بنشاط ومستوى إعلامي تثقيفي رفيع، أتت به على شكل محاضرات، منتديات، معارض، إلى غير ذلك مما يُعرّف، ويشهر، ويُقرّب، كلّ ما يجب أن يعرفه الصديق عن صديقه، أن يعرفه الإسبان عن العرب – جميع العرب – في هذه الحالة. إن ما لا أنساه ما حييت، هو المحاضرة التي قدّمها الأستاذ مارتينث مونتابث عن فن التمثيل، الذي كنت أعتبر نفسي ” عريفا ” به وبمراحله وتطوره، فجلست – متعمدا – قرب المحاضر كي لا تفوتني جزئية، مستعدا للردّ عليه متأكدا من أنه سيقصّر ولا شك. هكذا ظننت سوءا، وبعض الظن إثم. إثم جعلني، والمحاضر يتلو ويعرض ويشرح ويدقّق، أخجل بيني وبين نفسي، وانكمش باطنيا وظاهريا، وأعجب بالمحاضر أيما إعجاب، لأنه أتى بصور ومعلومات دقيقة شاملة، عن الفن المسرحي في كل بلدان العالم العربي، التي لها ما تقول في هذا المجال، مبرهنا، لا على واسع اطلاعه فقط، بل على إدراكه متطلبات هذا الفن، كوسيلة تثقيفية، وكيف استغلّ فنها وأفاد.
لا دوام إلا لله. لأسباب عرفت بعضها وخفيت عني أهمها، خمدت النار، وضاق الحال، فذبلت الزهرة، وهزل عودها، فانفض أهم النشطاء والناشطات، فيا أسفاه على ما فات. لم نصح من دهشتنا حتى غزتنا الطوائف، حفاظا على السنة والطبع، لأن ما بالطبع لا يتغيّر. كل قطر، كل بلد، كلّ أمّة – كي يلتذ بعضهم بالتسمية – أصبحت لها جمعية صداقة مع إسبانيا، بنتائج لا تبعد كثيرا عما كان من الطوائف. هنا تبرز المقولة بثقل حكمتها وسديد مفهومها، إذ للزمان وجوه لا خمار لها، تبدي ابتساما لكل أمر عسير. أرادت الظروف والمقادير، أن تنشئ وزارة الخارجية الاسبانية، عن طريق وكالة التعاون الخارجي، بيتا خاصا بأميركا، مجموعة الأقطار الصديقة التي لسانها اللغة الإسبانية. يوم التدشين، حضره جمع غفير في مقدّمته السفراء المعتمدون بإسبانيا، من ضمنهم العرب. فاغتنم عميد السلك العربي آنذاك، الصديق الذكي اللبق، سفير ليبيا السيد نوري بيت المال، فأدلى دلوه وقال لوزير الخارجية ما معناه ” نحن أيضا نريد بيتا مثيلا.” رحب الوزير السيد موراتينوس بالاقتراح ووعد بدرسه. لم يدم الانتظار، اتخذ القرار، وشرع في التنفيذ. أهدت بلدية مدريد بناية لائقة شكلا وفعلا، إذ هندستها ومظهرها ممّا يسمى مدجّنا، وهو بتعبير غير تقني، الشرقي الإسلامي، بأعين وأيدٍ غربية. فالمقر من أجمل هندسة ومظهر، في أحسن موقع، في سُرّة العاصمة، أمام أكبر حديقة منتزه بها، وعلى مفترق أطول شوارعها. دشن المشروع الذي سمّي ” البيت العربي “، وخصصت إدارته لرتبة سفيرة أو سفير، وشرع في العمل والإنجاز. أسندت أول إدارة البيت لمستعربة نشطة، هي الدكتورة خيما مارتين مونيوث، التي أجريت معها حديثا، نشر آنذاك في صحيفة العرب اللندنية، أعطت فيه حوصلة ما هو مقرّر اتباعه في نشاط هذا البيت، وبواعثه وغاياته، وما أنجز وسينجز، منه كما قالت: ” بغية تعريف واقع عالمنا العربي عند الغربيين، بما فيه أميركا اللاتينية والشمالية. تعريفهم بواقع يجهله الكثيرون، أو لهم عنه صورة مشوّهة نتيجة الجهل، حسب قول محدّثتنا، فأنه من الضروري إذن، العمل كثيرا و تخصيص كثير الوقت، وعظيم الجهد للعلاقات بين العالم الغربي و العالم العربي الإسلامي – لأنها تستحق ذلك، ولتصحيح الكثير من القناعات الخاطئة، والكثير من القوالب المسبقة، ولتحقيق ذلك عبر الإتيان بالمعرفة الواقعية الحقيقية، عن العالم العربي الإسلامي و تزويد مجتمعاتنا الغربية بها.” هذه حوصلة النهج الذي تقرّر اتخاذه، فسار وعمل به كل المديرين حتى الان…
وقد مرّ على نشأة البيت العربي بإسبانيا عقد ويزيد، وهو بعد كلّ خطوة يستحدث الجديد ويعمل على إنجازه. قلت بإسبانيا لأن البيت له مقر ثان بقرطبة بنشاطات مستقلة والنشاطات التي تقرر بالمقر الرئيسي. لا يمكنني أن أعطي، بهذه الأسطر، سوى فكرة إجمالية عمّا ينجزه البيت العربي ويقدّمه، إذ هو محاضرات في مختلف مواضيع وشؤون العرب والمسلمين، يقدّمها أخصائيون عرب وإسبان وغيرهم أحيانا. ثمّ هي المعارض، والأشرطة السينمائية، والملتقيات، والفرق الموسيقية، وما هو ملفت الانتباه، دورات التدريب وبرامج التعليم. تعليم اللغة العربية، والخط العربي، وبعض الصناعات التقليدية، مرورا بما يهم الأطفال، والظروف الخاصة كشهر رمضان وسهراته، والجولات المقننة المنظمة، لزيارة ما هو من أصل عربي إسلامي. تجسيما وبرهانا لما تقدّم، ها هو آخر إشعار أرسله البيت العربي، كتعريف ودعوة حضور ومشاركة ممن أراد. 1- حديقة هسبيريدس، رقص مسرحي تقدمه فرقة أليسيا أوخا راسكا. 2- ضمن سلسلة المحاضرات عن أهداف التنمية، كيف يقاوم الفقر بالبلدان العربية. 3- التشابك الثقافي كآلة سلم وتعايش. 4- نظرية أهداف الشريعة لدى الشاطبي. 5- ورشة همسة: طريقة عجيبة لتعلم التاريخ. 6 – دروس العربية المكثفة. 7 – دورة دروس الخط العربي. 8 – دورة صيفية حول رومانية وإسلام غربيّ المتوسط. 9 – الفكر الإسلامي: أسس، مؤسسات، مجتمعات. 10 – دورة صيفية في استقبال، مرافقة، والعمل مع المسلمين. 11 – الملتقى 54 للدراسات العربية. 12 – دورة صيفية حول العلاقات الدُّولية والتغيير السياسي بشمال إفريقيا والشرق الأوسط: التحديات الحالية. 13 – الاختراع والمحتويات والوسائل في المحيط العربي الإسلامي. 14 – اليوم العالمي للمهاجر. 15 – اللقاء الثاني بين المكسيك والأندلس. 16 – الحديث عن الشجر. 17 – برزخ بين العوالم. 18 – حسن فتحي ضد التيار. 19 – قرطبة، يصلها المعرض. 20 – مفاهيم متوازية. 21 – نساء الساحل. 22 – عودة افتتاح المطعم والمقهى بمقر البيت العربي، بالتعاون مع مؤسسة شد أزر المهاجرين. وكيف لا، استغلال فصاحة أستاذ متخصص، هو أيضا صديق، يقوم كل يوم سبت بسرد قصص ألف ليلة وليلة.
أخيرا، وكأن البيت العربي علم بمقالي هذا، وصلني منه، يوم 22 جوان الجاري كما وصل غيري، آخر إشعار بنشاط جديد جاء فيه: سنعقد يوم الثلاثاء 29 جوان عبر الشبكة ” أون لاين ” مائدة مستديرة متعدّدة القطاعات، تهمّ الشركات، كيف يُستفاد من الإمكانيات الاقتصادية التونسية في مختلف القطاعات ذات الأهمية، خاصة منها الغذائية الزراعية والطاقات المتجدّدة. ويحمل الإشعار بسطة توضيحية عن تونس أقتبس منها مستهلها الذي جاء فيه: ” رغم سنوات التحوّل السياسي والاقتصادي المعقّدة، التي جاء لينضم إليها تأثير الكوفيد والأزمة الاقتصادية العالمية، فتونس بلد توقعات استقرار سياسي، وشروع نمو اقتصادي، قد يكون من المهم تعزيزه.”
أظن أني لست في حاجة للإدلاء بأي تعليق أو إيضاح، لكني سأختم بسؤال تسهل الإجابة عنه – بالنفي طبعا – وهو: هل كان بإمكان الجمعيات الطوائف، كما أسميناها، تقديم مثل ما ذكرت أو حتى بعضه؟ إن قدمت، وما قدمت فعلا، انحصر وتقوقع في القطر المنتسبة إليه الجمعية، وبالأساليب والخصائص المشينة المعروفة، ليس دونها تأليه الحاكم وتنزيهه. أما الجواب عن السؤال فهو مضمون معروف وصدق المثل: رب ضارة نافعة.
مدريد في 12 جوان 2021