محمد نجيب عبد الكافي يكتب لكم من مدريد:… لا نبي في قومه..وكل نفس بما كسبت رهينة

كتب: محمد نجيب عبد الكافي

لا تكلّف نفس إلا وسعها، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، بمثل هذا العدل والإنصاف قضى الله أن يحكم على مخلوقاته بما يفعلون. لكنهم، فيما بينهم، لم يمتثلوا لحكم الله وقضائه، بل خضعوا لأهوائهم وما تمليه عليهم أنفسهم، وهم يعلمون أن النفس لأمّارة بالسّوء. لهذا ومثله، تحاشيت ما استطعت الحديث عن الأشخاص والأفراد، وإن فعلت، حرصت على ذكر المحاسن دون غيرها، كي تكون عبرة لألي الألباب، ومثالا يُقتدى. 

أما إذا المذكور قد قضى نحبه، أكتفي باتباع ما جاء في القول الكريم: اذكروا موتاكم بخير. أقول هذا وأنا واثق من أني كمن يُبشّر ويدعو في الصحراء. لأن زمننا خلا، ويخلو كلّ يوم أكثر، من سامي المبادئ، وعالي المفاهيم، ونبيل الأخلاق، وحسن المعاملة، وصدق القول، وصفاء النيّة، واتباع الحق والفضيلة.

عرفته وهو طفل في المرحلة الابتدائية من دراسته، فكان من المتفوقين. عرفته صبيا يجتاز المرحلة الثانوية بنجاح وامتياز، فملت لاستغلال معرفته، ففعلت، مُسخّرا إيّاه حتى يساعدني على ترجمة قصيدة من قصائد أبي القاسم الشابي، إذ لغتي الإنكليزية كانت في بدايتها، وغاية القصيد أحد مُراسلِيّ بألمانيا. كيف كان مصير القصيدة؟ الله ورسوله أعلم! لكنها أحرزت على استحسان المراسل وكثيرين حوله، حسب قوله، إذ هو تلاها وناقشها مع عدد من رفاقه، عرفت بعضهم وجهلت البعض. دخل صاحبي الجامعة، وخالف الأسلاف والأقارب في اختيار اتجاهه العلمي، إذ مال إلى الاقتصاد، فدرسه بجامعة بنغازي، بليبيا، فكان الأول في دُفعته. تخرّج فعُيّن معيدا بكليّة الاقتصاد، لكن سريعا ما تحصّل على بعثة دراسيّة، فواصل المسيرة العلمية بجامعة مانشستر بالمملكة المتحدة، فتخرّج منها بشهادتي الماجستير والدكتوراه، بتفوق دائما، حتى أن مجلة الإيكونيميست الشهيرة، نشرت جزءا من رسالته لنيل درجة الماجستير في صفحتها الافتتاحية عام 1966 تخرج ليعود فيخدم وطنه ليبيا بنفس الحماس والإخلاص والتفاني، خصال ميّزته خلال مسيرته الدراسية، وسيحتفظ بها فتميّزه في مسيرته ومسؤولياته المهنيّة، مضيفا إليها تضحيات مادّيّة ذات بال، كرفضه عروضا عالمية ضخمة مغرية، أذكر منها إدارة البنك الدولي، ورئاسة صندوق النقد الدولي، ومؤسسات أجنبية كبرى أرادته على رأسها.

رفض بحزم وعزم، لأنه يؤمن بوطنه الذي علّمه وصرف من خزانته على مستحقات دراساته، فيرى من الخسّة والدناءة، الهجرة ووضع إمكاناته في خدمة الغير، وبلاده التي كوّنته في حاجة أمسّ لخدمة ومردود أبنائها. بقي لبلاده، وقدم لها الكثير مما استطاعه، انطلاقا من مناصب متعدّدة تولاها فأنجز، فبعد التدريس وإدارة الجامعة، تولى منصب وزير التعليم، وبعدها وزارة المالية، ثمّ وزارة التخطيط. كما شغل منصب محافظ مصرف ليبيا المركزي، ورئاسة مصرف ليبيا الخارجي، ومن كلّ هذه المناصب ومسؤولياتها، تعاون وتبادل مع تونس بمهنية وعناية، بكل ما كان في خدمة ومصلحة البلدين.

عرفته لأنه قريب مني بعيد، أو بعيد قريب. له علاقة بتونس متينة، أسريّة ومهنيّة، وعاطفيّة. إنه الدكتور عبد الحفيظ محمود كمال الزليطني، شفاه الله، ابن عم الزعيم التونسي الدستوري، الذي خصته الصحافة الفرنسية أيام الكفاح بلقب « ساعد بورقيبة الأيمن»، وعندما استقلت البلاد، تخلّى بورقيبة عن ساعده، فحكم عليه بالأشغال الشاقة وسجنه. «المرحوم علي الزليطني، الذي كوّن، وطنيا ودستوريا، جيلا كاملا من أبرز المناضلين، أذكر منهم على سبيل المثال، الدكتور امحمد بن صالح، العروسي المطوي، عبد الجواد، مصطفى الفيلالي، وأحمد بن صالح، الذي كثيرا ما ردّد كلمته المشهورة «دستور علي الزليطني» يعني بها الوطنية والإخلاص، والتفاني، بتواضع وشعبية، بلا طمع ولا انتظار جزاء. ساهم في تكوين غير هؤلاء وهم كثيرون، كانوا طلبة بالمدرسة الصادقية والزيتونة، من ضمنهم أيضا جزائريون مثل الطيب فرحات والطاهر العلالي. يبدو أن الوطنية وخدمة الأوطان موروثة، لأن أباه، امحمد الزليطني وعمه محمود، كافحا سياسيا وميدانيا ضد المستعمر الإيطالي، ثمّ لجآ إلى تونس، فاستوطنها أبو علي وعائلته. والآن ها هو ابن عمّه، الدكتور عبد الحفيظ الزليطني، الذي لم يتوان، انطلاقا من مختلف مسؤولياته، الوزارية خاصة، عن تقديم تونس في كلّ المعاملات الثنائية بين ليبيا وتونس، والمناسبات التعدّدية الدولية، قد عمل بإخلاصه المعروف ورصانته المميّزة، على ألا تحرم تونس ما هو من حقّها. 

وها هو، وهو على فراش المرض الذي اشتكاه وهو في زيارة أحد الأبناء بكندا، يترك المستشفى هناك، مفضلا تونس وأحد مستشفياتها. عُرف عن الدكتور عبد الحفيظ، الذي يعمل بصمت وتؤدة، نزاهته ونظافة يديه، معتبَرا، عالميا، خبيرا في مجال تخصّصه، فنال ثقة واحترام القيادة في وطنه، وتقدير واحترام رؤساء وقادة العالم الذين تعاملوا معه. الدكتور عبدالحفيظ الزليطني، الذي نقل لي عنه المترجم الرسمي برئاسة الدولة الليبية حتى تقاعد، الأستاذ فؤاد أبوبكر الزليطني، كيف عرَّفَه الاستاذ عزالدين عقيل قائلا: « كان أحد أبرز رجالات ليبيا، الذين انطلق على أيديهم أعظم مشروع للتنمية، بين كافة المشاريع التي شهدتها الدول النامية بالعالم اجمع، والذي انطلق مطلع العقد السابع من القرن العشرين. وهو الذي أنهى بليبيا حياة « البراريك والقمل» (مدن القصدير والفقر) والوجود العسكري الأجنبي، وحرر النفط، والبنوك من السيطرة الأجنبية الكاملة، كما أنهى السيطرة المطلقة للمستوطنين الأجانب، على التجارة ورأس المال الوطني. دكتور عبد الحفيظ الزليطني العالم التنموي، الذي كان يخشاه كل شركاءنا من الدول الاخرى بلجان التعاون والتنمية المشتركة، لشدة دقته، واصراره على استيفاء حقوق الليبيين.»

 هذا العالم الخبير، الذي وضع كل معارفه ومجهوداته في خدمة وطنه، كان خارج البلاد عندما نهض الشعب وثار لتغيير الأوضاع، فنصحه العارفون بألاّ يعود حتى تتبيّن الأمور، فكان جوابه العودة، ثقة منه في نفسه وخلوّ مسيرته ممّا يُدان أو يُلام، وثقة أكبر، في أبناء وطنه الشعب الكريم. لكن علمت شيئا وغابت عنك أشياء يا دكتور! 

نسيت أنك في بلد عربي، حيث النكران وعدم الاعتراف سليقة وطبيعة. عاد فاقتبل بالتّنكّر، وزج به في السجن، حيث لبث بضع سنين، ثم أطلق سراحه بلا محاكمة ولا مساءلة. وافق شنّ طبقة، أو كلنا في الهم شرق. فليبيا كتونس، كمصر، كسوريا، ككل قطر عربي، لا سائد فيه سوى المكر، وعدم الاعتراف بالحقائق، وسيادة الكذب، والحسد، والطمع، ونكران الفضل عن أهله، وإتقان الدسائس. «خصال» ميّزتنا وبها كنا « خير أمّة أخرجت للناس.» متعك الله يا عبد الحفيظ بالعافية والشفاء العاجل، ولا أقول لك تحمّل، لوثوقي من ذلك، لكن من واجبي أيضا تذكيرك في أيّة أمّة أنت، وخصائص طبيعة البشر حولك، كما أذكرك بقائمة طويلة من أمثالك، قدّموا وكانوا سباقين، ولم يذكرهم مواطنوهم إلا بعد وفاتهم، حرصا منهم – حسب الظاهر – على تأكيد حكمة المثل الشعبي: «عاش يتمنى عنبة، مات فأتوه بعنقود». منهم، على سبيل المثال، الشابي والحداد بتونس، والسعداوي، وبويصير، والمغيربي، بليبيا، والخلاصة هي: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون. لكن، أقول بكل أسف وأسى، لم يرَ المؤمنون في ليبيا أعمالك وخدماتك… الله أعلم بما في نفوسهم، وكما قال العزيز الحكيم « كل نفس بما قدّمت رهينة «. أما أنت، ونحن جميعا، علينا ألاّ ننسى المقولة الحكيمة:  

لا نبي في قومه…

مدريد في 1 جويلية 2021