محمد نجيب عبد الكافي يكتب لكم من مدريد: أعداؤنا الأحباء…منافع ومضار

كتب: محمد نجيب عبد الكافي

لو فتحنا القاموس اللغوي، بحثا عن تعريف “العدو”، لوجدنا ما يلي، أو ما يشابهه….العدوّ مصطلح نسبي، يستخدم لوصف كينونة تمثل خطرا، أو تتصف بأفكار مضادة. فكلمة العدو تمثل نموذجاً خاصاً “للآخر”، فكل عدو هو “آخر”، لكن ليس كل “آخر” عدو. 
هذا يعني أنّ العدو لا يمكن أن يكون أو يعتبر صديقا ولا حبيبا. لأن الشعور الطبيعي نحو العدو هي الكراهية وخشية المضرّة. رغم هذا التعريف، فعنوان كلمتي هذه، التي تبدو تناقضا وتحديا، هو في الحقيقة والواقع، تفسير وشرح، لحالة ووضع يحملان هذا التناقض نتيجة الجهل أو الغفلة. فحبيب عدو، أو عدو حبيب، هو الاسم المناسب المطابق المعقول، الذي يحق أن تسمى به وسائل عصرية كثيرة، أصبحت أكثريتنا من عبيدها، الخاضعين المأسورين عن طريقها وبواسطتها، لمسيّريها الحاذقين، الخبيرين في سبر غور النفوس والعقول، وعن طريقها لنا موجهين مسيّرين. كثرت هذه الوسائل خلال العقود الأخيرة. 
بدأت بالخيالة ” الصمّاء “، أي بلا صوت أو حوار، عام 1895 واستمرت حتى 1929.، تاركة الميدان لوليدتها ذات اللسان الفصيح، و الألوان المغرية من بعد ذلك، ثمّ أدخلت الموسيقى في الأشرطة، ” كي يُدفع بالمشاهد إلى الظن بأنه طرف مساهم ضمن مجموعة، فيُجتنب عزلته ويسهل إدماجه في المشهد.” استمر ذلك حتى عام 1940تقريبا، عندما بدأت الخيالة تدخل البيوت عن طريق وليدتها الإذاعة المرئيّة. تتالت بعد ذلك المخترعات وتعدّدت، وبمرور الأيّام طوّرت، وحُسِّنت بتوسّع إمكاناتها وخدماتها، ونحن بها فرحون معجبون، لها مقتنيون مستعملون، كثيرون متباهون فخورون، دون أن نتوقّف ولو برهة، لنتبصّر فنفهم، ولنحلّل فنستنتج، فنكون على بيّنة مما اقتنينا واستعملنا، فنعرف أضراره ومنافعه، لأنّ كلّ عمل بشري له وجهان سلبيّ وإيجابيّ. لست في حاجة لسرد وتعداد المحاسن والخدمات إذ أن الجميع، دون استثناء، أعرف منّي بها، وأكثر خبرة في استعمالها والاستفادة من خدماتها الكثيرة، وسأحاول فقط، لفت الأنظار لما يضرّ ويفسد، ويُغيِّر ما بنا ونحن غافلون مذعنون. 
سيطول العرض والشرح بلا شك، فيضيق المجال، ويقلّ الاهتمام، فيُعدل عن متابعة القراءة، لأننا في ” زمن السّرعة ” – حسب العارفين – وهي سرعة حسب رأيي نحو لا هدف ولا غاية. لذا، سأركز هذه المرّة على المرئيّة فقط، وقد أعود مستقبلا إلى ما هو أخطر وأضرّ مثل الهاتف المحمول، والشبكة العنكبوتية وما احتوته من مواقع، تزداد هي الأخرى كلّ يوم عددا وخطورة وأضرارا. 
قد لا أبعد عن الحقيقة إن قلت إن قنوات مرئياتنا العربية أسلم من أخواتها في العالم، خاصة الغربي، القريب منّا ونفهم لغاته…لكن رغم الانتقاء وانتخاب ما يناسب، فما يعرض من أشرطة يحمل ما يكفي ويزيد للدلالة على ما نقول وسنحاول شرحه.  تجب الإشارة أولا، إلى أن كل ما سيقال ويعاب ويلام وينتقد، في ما تقدّمه قنوات المرئيّة، يشمل بطبيعة الحال أجهزة الهاتف المحمول ويفوق، بما تختص به الهواتف من أشرطة، وألعاب، وقنوات تواصل لنقل ما لا ينقل، من جنس وإجرام، وهي أجهزة بأيدي الكبار والصغار، بعيدا عن كلّ مراقبة أو توجيه، غير الذي توحيه تلك البرامج المهيئة المحبوكة بطرق علمية نفسانية، لا مهرب من الوقوع في شباكها، فاعتناقها وامتصاص ما توحيه، جهارا أو تحت ستار من الخفاء الموحي المثير، فالسير وتقليد أو تطبيق ما أوحاه ولقّنه. 
أما ما تبثه قنوات المرئيّة، فأقل ما يوصف به، هو أنه دروس تطبيقية، بالصوت والصورة، تخبر، وتفسّر، ثمّ تدرّب وتعلّم، ” فنون ” قلة الأدب، وسوء التربية والمعاملة، والسّرقة، والإجرام بأنواعه وأشكاله، وطرق وأساليب تنظيمه، فتطبيقه وإنجازه، مع تجسيم، وتقريب، وإبراز أشدّ الجزئيات أهمّيّة وحساسيّة، عن طريق توجيه، أو تقريب، عدسة المُصوِّرة ونورها، على الجزئيّة المُراد نقشها في ذهن المتفرّج. بمثل هذه التقنية والتفنُّن، ومثل هذه القواعد التربويّة وشبيهاتها، يمتصّ المشاهدون، كبارا وصغارا، والصّغار أقرب إلى التأثر واستيعاب ما يُعرض، كما هو معلوم، دروسا أخرى حول المخدّرات بأسمائها، وطرق بيعها، وسبيل الحصول عليها، ثمّ طرق وكيفيات تناولها، دون نسيان، أحيانا، نشوتها ولذّتها، والضحك والسرور الذي تخلّفه. كل تلك الدروس والتوجيهات، المتقنة بيداغوجيّا، وتقنيّا، وفنّيّا، وما تحمله من أضرار وعواقب، في أنفس الشباب خاصة، نشاهدها بكلّ براءة واطمئنان، وليس بيننا من يتوقف لحظة حتى يلمس ” السمّ في الدّسم “، والتفكير في تحاشيه. أما أن يفكّر أحد في الوقوف دون هذه الأخطار المأساوية، فذلك من المستحيلات المحرّمات المنكرات.
إن العراء، و”بيع” جسم المرأة أصبح، منذ زمن طويل، من اللزوميات العاديات، ففتح الطريق أمام جسم الرّجل، فها هو، بالطريقة المعهودة، أي شيئا فشيئا، بالتدرّج من القليل إلى الكثير، ومن الجزء إلى الكل، أصبح عرضه عاريا يتسلل حتى يصبح أمرا عاديا لا غنى عنه بسبب أو بدونه. هناك الكثير، الكثير، غير هذا، يحتاج إلى أكثر من مقال في صفحتين أو ثلاث، لذا سأكتفي بمثال واحد أو اثنين، عسى أن أوفق في إبلاغ ما أريد إبلاغه. تحت ستار حرّية الأطفال، والأبناء عموما، واحترام آرائهم، قليلا ما يخلو شريط من ابن، وغالبا ابنة، يناقش أو تناقش أحد الوالدين، في أكثر الأحيان الأم، بصوت وحركات وعبارات، خارجة عن كلّ لياقة، أو مفاهيم التربية، والآداب، وحسن الخلق، لا تجاه أمّ فحسب، وبالنسبة لنا الجنّة تحت أقدام الأمهات، بل بالنسبة لأي شخص آخر، ولو كان صديقا أو رفيقا في نفس العمر. مثال آخر هو ظهور أحد شخوص الأشرطة ينظف أسنانه أمام العدسة، أي أمام المشاهدين، وهو يتحدّث مع من قُرْبَه من العائلة. عمليّة شخصية حميمة، تشمئز النفس لدى البعض من مشاهدتها، يستحيل على أي مربّ أن يطلب من أي كان تحاشيها إلا في خلوة، لأنه سيحتج ” بأن المرئية تبثها فأين العيب في ذلك؟ ” المرئية بثتها، قالت المرئية، جاء بالمرئية، وهذا التعبير إن دلّ على شيء فهو ” قداسة” المرئية التي ” لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ” فهي أمثولة يقتدى بها في كلّ ما تشير إليه حتى في الكلام والتعبير، الذي بترجمة حوار الأشرطة، وعدم التفكير في المجتمعات المختلفة ثقافتها، عن ثقافة البلاد منتجة الأشرطة والبرامج التي تبث، تسرّبت مفردات وعبارات بذيئة، قبيحة أحيانا، غير لائقة في الغالب، فاستعملها المشاهدون كبارا وصغارا، لأنها ” قالتها المرئيّة.” أما الهندام، فحدث ولا حرج. فهو، علاوة على اعتباره عاملا فعالا داخل إطار العولمة، أي الاستعمار الجماعي الحديث، فهو مصدر أرباح ومنافع ماديّة جمّة، تسيل فتملأ الخزانات بمردود المصنوعات التي، إن هي اتصفت بليونة أو اعتبرت مريحة، فهي فاقدة لأي جمال وحسن مظهر، وها هي أصبحت مظهرا عاما عموميا شاملا، شرقا وغربا، فقضى كلية على كلّ أناقة وحسن هندام. أين أناقة الإيطالية والإيطاليين عموما؟ أين جمال مظهر الفرنسية وأذواقها في اللباس؟ أين ما كان ينفرد به الإسباني والإسبانية في ألبستهم وهندامهم عموما؟ كلّ هذا وغيره أكثر، قد قضت عليه المرئية وروافدها، لغاية أو هي غايات، بدأ يظهر بعضها، وهو مؤلم خطير، وما لم يزل، فالله أعلم.
هذا بعض ما ” يصيبنا ” بواسطة المرئية وما شابهها، أما الوسائل الأخرى واشتراط استعمالها بتوفير معلومات شخصية حميمة، تباع بعد ذلك بأغلى الأثمان، رغم الادعاءات الكاذبة بحفظها وصيانتها وعدم إفشائها. لقد أصبحنا نحيا ونسير عراة رغم ألبستنا، لا اسرار لنا إلا وهي مشاعة، ولا خصوصيات إلا وهي مذاعة، بموافقتنا الضمنية ومساعدتنا الشخصية، لأننا نريد أن نكون أبناء عصرنا المتمدنين. 
يفعل الجاهل بنفسه، ما لا يفعله العدوّ بعدوّه.

مدريد في 3 جويلية 2021