محمد نجيب عبد الكافي يكتب لكم من مدريد: لؤلؤتان معماريتان في اسبانيا…ولؤلؤة ثالثة منسية…

كتب: محمد نجيب عبد الكافي
إن أغلبية العرب والمسلمين الذين يزورون إسبانيا بغية السياحة، أو بداع لزوميات عمل ما، يضعون في مقدّمة برنامجهم، زيارة لؤلؤتين معماريتين، ممّا خلفه أسلافهم وأقرباؤهم لمّا كانوا، ولا تسَلْ كيف كانوا.
أما اللؤلؤتان فهما جامع قُرطُبة – دار العلوم كما أسماها أبو البقاء الرُّندي في مرثية الأندلس الشهيرة – وقصر الحمراء بغرناطة، آخر معقل إسلامي بشبه الجزيرة الإيبيرية. لكن أغلبهم يجهل، أن هناك لؤلؤة ثالثة تضاف حتما، لأنها نموذج جميل باهر مُعبّر ثمين، هو الأوحد، حسب العارفين، إذ تتمثل قيمته في أنه الشاهد الوحيد المحتفظ به، من عمارة كبرى، من المعمار الإسلامي الإسباني، في عهد الطوائف.
هذه اللؤلؤة الثالثة هي قصر الجعفرية، الذي شُيّد بما كان يسمى الثغر الأعلى، عاصمته مدينة سرقسطة. أما الاسم، “جعفرية”، فهو نسبة لاسم الملك الذي أمر ببنائه، وهو أبو جعفر المقتدر. قصر حصين، شُيّد في سرقسطة، عاصمة إقليم أراغون، شمال شرق شبه الجزيرة، وتمّ بناؤه خلال النصف الثاني من القرن الحادي عشر ميلاديا، بمبادرة من المقتدر، كي يكون قصر إقامة ملوك بني هود بسرقسطة. قصر النزهة هذا، الذي سمي وقتها ” قصر السرور”، يعكس الجمال والروعة التي بلغها مَلِك هذه الطائفة، إبّان أقصى الأوج السياسي والثقافي الذي عُرف به.
فهكذا، وبالحفاظ على نموذج باهر من الخلافة القرطبية، جامعها من القرن العاشر، ونموذج آخر، من “نشيد البجع” بالنسبة للثقافة الإسلامية بالأندلس، من القرن الرابع عشر، وهو قصر الحمراء بغرناطة، يجب إضافة قصر الجعفرية بسرقسطة، القرن الحادي عشر، كنموذج من إنجازات الفن “الطائفي ” الذي عرفته حقبة ممالك الطوائف المستقلة، التي سبقت مجيء المرابطين. إنّ ما بقي من قصر الجعفرية، المعماري الإسلامي الإسباني، اعتُبر لوحده، تراثا إنسانيا من طرف اليونسكو عام 1986، وهو، كما يقول أخصائيو الآثار، “جزء من مجموعة معمارية من الطراز المدجَّن، أنشئت في وقتها بإقليم أراغون.” إن أحسن ما نجا من ويلات الزمن، كما يقول علماء الآثار، ” بجانب ما عرف باسم “القاعة المذهبة” أو “قاعة المرمر” التي يُظن أنها كانت قاعة المقتدر، المخصصة للاستقبال- مسجد صغير وجميل، ذو تخطيط مثمن الأضلاع؛ يدل موضعه وميزته الخاصة، وأبعاده المصغرة، على أنه صُمِّم كمصلى لاستعمال الملك ومحيطه العائلي الخاص.” وكما هو الشأن في الجناح الشمالي، كان الجناح الجنوبي من القصر يحتوي على قاعة كبيرة، وقاعات جانبية، وفضاء ذي رواق كان يُستعمل، دون شك، غرفة انتظار الزائرين، أو ذوي الحاجة، حتى يؤذن لهم الدخول على الملك. لسوء الحظ، قد دُمرت هذه القاعة من أجل بناء كنيسة القديس خورخي، في القرن الرابع عشر الميلادي، كنيسة تم هدمها في نهاية المطاف عام 1867 لكن، وقبل القيام بهدم هذه الكنيسة والفضاءات المجاورة، استطاع ذوو الشأن، إنقاذ بعض العقود، والتيجان، وعناصر زخرفية أخرى، مكنت حالياً من إعادة بناء الرواق وقاعتين من القاعات الجانبية. لقد استوحى المُشيِّدون عناصر القصر المعمارية والزخرفية، من النماذج القرطبية، لكنها– العناصر – تصبح في الجعفرية أكثر تركيباً. فتنسيق العقود مختلفة الخطوط، متعددة الفصوص المجدولة، بزخرفتها النباتية الوافرة، تنسيق نادر، يزيد التصميم الزخرفي تعقيدا. فعلى عكس طابعه الخارجي كقلعة بسيطة، يكشف القصر في داخله عن مهارة زخرفية بارزة، وجمالية أخاذة، تعرب عن عالمين مختلفين تماماً: الخارج دفاعي والداخل متحضر ومُرهف، كان يعيش به الحاكم محاطاً بحاشيته. كان الحاكم من بني هود، وهم سلالة عربية من ملوك الطوائف في الأندلس، حكموا في سرقسطة ما بين 1039-1110 م. أما باني القصر فهو المقتدر الذي قال عنه الأستاذ محمد عبد الله عنان، نقلاً عن دوزي في تاريخه عن مسلمي إسبانيا: “وكان المقتدر بن هود من أعظم ملوك الطوائف في زمانه، وكان يُحيط نفسه بشيء من العظمة والأبهة، وكان بلاطه من أعظم قصور الطوائف وأفخمها، وكان يُحيط نفسه بطائفة من أشهر العلماء والكُتَّاب في عصره؛ ومنهم: العلامة الفقيه أبو الوليد الباجي، ووزيره أبو المطرف بن الدباغ، بل كان المقتدر نفسه من علماء عصره، وكان يشغف بدراسة الفلسفة والرياضيات والفلك، وقد كتب كتبًا في الفلسفة والرياضيات”.
وهكذا استطاع المقتدر أحمد بن هود أن يُكَوِّن مملكة مترامية الأطراف، ويُوَطِّد حكمه فيها، إلى أن تُوُفِّيَ سنة (475هـ=1081م) متأثِّرًا بعضة كلب، بعد أن دام حكمه 35 سنة. يقول الله عز وجل: لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب. وما قصر الجعفرية إلا عبرة لمن يعتبر، أو هو كما يقول المثل الشعبي بهذه البلاد التي أقيم على ترابها القصر الجعفري، لا شرّ يأتي إلا وخير معه. فلعل هذا القصر هو الخير الذي رافق شر ويلات عهد الطوائف، التي منها حصار سرقسطة والمذابح، والجوع، والعطش، والآلام التي عرفها سكان المدينة طوال شهر وعشرة أيام، بقيت وستبقى عبرة لمن يعتبر.
مدريد في 18 ـ 4 ـ 2021