محمد نجيب عبد الكافي يكتب من مدريد: العصر الرقمي…أضرار بلا حدود لا نعلمها!

العصر الرقمي

كتب: محمد نجيب عبد الكافي

لا نستطيع نكران الواقع…الوسائل الرقمية أصبحت جزءا من حياتنا… هكذا هي الحال حتى أن الهواتف المحمولة حشرت نفسها وجلست إلى مائدة الطعام. …لقد تعوّدنا العيش بصحبتها فها هي عادة تناول الغداء أو العشاء والهاتف المحمول بجانب الطبق، أو ها نحن نشاهد المرئية، أو نراجع ونتابع مواقع التواصل الاجتماعي، أو البريد الإلكتروني من خلال المحمول تزداد رسوخا.

أنا محصن ضد الهاتف

 هذه حالات، أو هذا السلوك والتصرّف، لا تضر صغار السن وحدهم، بل الكبار أيضا، كما تقول التحذيرات الآتية من المعهد المهني لاختصاصيي الحمية والتغذية بمدريد، لذا، فالغاية المأمولة هي الحد من عادة بإمكانها ترك نتائج وخيمة، على صحتنا الغذائية، على مستويات مختلفة. استعملت صيغة جمع المتكلم ومعه غيره – كما يقول النحويون، تعبيرا عن تأدب، واحترام القارئات والقراء المحترمين، لأني، والحق يقال، لا علاقة لي كلية ولا صلة بهذه العادة المنكرة صحيا على الأقل، لأني والحمد لله، محصن فطريا ضد هذا ” الوباء العصري ” الذي أصاب الناس، ثم إني عموما، لا أستعمل ما لا حاجة لي به.

فالهاتف، حسب حاجياتي والضروريات، موقوف استعماله عندي، على النجدة، إذا اقتضت الحالة، أو تحديد موعد فرضته ظروف أو ما شابه هذا… لذا فهو شيخ مثلي، فاق عمره العشرين، ويقضي معظم وقته وحيدا بعيدا عني. لأن العقل والمنطق يأمران، بأن استعمال الوسائل مرتبط بالحاجة أو الاضطرار. أما أن أكون لعبة بين يدي من خطط فصنع فربح وأثرى بجهاز وضع فيه كل ذكائه وحيله، فلا وألف لا…
لأني لو فعلت لوقعت في شباك باعث هذه الأجهزة التقنية الحديثة، رغم أني معتقد متأكد أن نجاتي من الوقوع في الشباك قليلة فرفضي الانصياع والامتثال “يقلل من الخطر” لكن لا نجاة ولا إفلات. فلندع هذه المشاكل ولنركز الاهتمام، والبحث عن الفهم الصحيح لما نستعمل، كي نرى، إن فتحنا أبصارنا وبصائرنا، بعض الأضرار التي تنتج عن استعمال هذه التقنيات، ونحن في غفلة غير شاعرين.

أضرار كبرى

لذلك، أستسمح من سيطلع على هذه الثرثرة، طرح سؤال وهو: هل نعرف ما هي المشاكل الصحية المتصلة بالسمنة؟ والأضرار غير القليلة الناشئة عن تناول الطعام مع مشاهدة شاشة المرئيات؟ أو متابعة أحد محتويات الهاتف المحمول أثناء تناول الطعام؟ هذه الأسئلة والموضوع ذاته، ليست من بنات أفكاري، بل أوحتها دراسة اطلعت عليها مؤخرا، أتت بما ارتأيت فائدة في نقله إلى قراء هذه الصحيفة، حتى يكونوا على بيّنة من حقائق مجهولة لدى معظمنا.
يقول العارفون ” إن المحتمل بصفة عادية، (عند الأكل ومشاهدة المرئية أو الهاتف) هو إقلال الشعور بما أكل وأيضا، مردود أو منفعة أعلى لعدم شعورنا بما نحن آكلون.” يجب أيضا الأخذ بالاعتبار تغير نسبة تذوّق الطعم واللذة، لأن تذوقنا يحتوي على نسبة من الانتباه.

نأكل أكثر مما نحتاج

كمثل واضح نعطيه، لفهم ما سبق، هو ما يجري في قاعات الخيالة، أثناء مشاهدة أشرطتها، حيث يتناول المتفرجون نسبا كبيرة من حبات الدرة المصلية مثلا، دون الشعور بالشبع، وينتهي الأمر بفم جاف، لعدم الشعور بكمية الملح التي اجترعت… لذا وحسب إنذار السيدة مار دوران أخصائية التغذية، علينا أن نأخذ بالاعتبار المشاكل التالية التي يمكن أن تعترضنا.
نأكل أكثر: فمن آثار الأكل مع متابعة الشاشة، إمكانية التدخّل في علامات الشبع، فتكون النتيجة أننا نتناول لا شعوريا نسبة أكبر من الطعام، دون الانتباه لا إلى ما نحن آكلون ولا للكمية المتناولة منه. نأكل بأكثر سرعة. ثم إن الآليات المحمولة، مثل الهاتف واللوحة والحاسوب، من المحتمل أنها تجعلنا نأكل بأقصى سرعة. إضافة إلى أننا نأكل رغم عدم شعورنا بالجوع. وهذا من آثاره ازدياد في الوزن.
تناول الطعام أمام شاشات المرئيات وأخواتها من الوسائل، قد يحدث مشاكل هضمية مثل تراكم الغازات، بإدخال مقادير من الريح ناشئة عن الأكل بسرعة، وعدم المضغ بشدة، ومن آثارها الانتفاخ، والجشاء، والغازات، والألم.  

نصائح مفيدة

 يقول الأخصائيون بالمعهد المهني للغذائيين الحميين بإقليم مدريد – إسبانيا – ” أن تركيز الانتباه، عند مشاهدة المرئية وتناول الطعام معا، يكون منحصرا في نشاط حاسة النظر، فيبقى التذوق إذن في المرتبة الثانية.” لكل هذا وغيره، لا بأس من قراءة النصائح التالية، التي تكرّم بها علينا أخصاء وعلماء التغذية بالمعهد السالف الذكر، وها نحن ندرجها لقراء الصريح الكرام، لعلهم واجدون فيها ما يفيد ويصلح، وهذا هو الغاية والمرام.  
اقرأ هذه النصائح لعل فيها ما يفيدك.
تقول المتخصصات والمتخصصون الذين أعدوا الدراسة ” إن أقل ما يجب فعله هو التقليل من عادة مشاهدة المرئية أثناء تناول الطعام، لأننا إن فعلنا ركزنا اهتمامنا وانتباهنا على ما نشاهد، لا على ما نحن آكلون.
فدماغنا غير قادر على تركيز اهتمامه في مُرَكّبين مختلفين تماما، فتكون النتيجة الإكثار من الأكل، دون انتباه، للاكتفاء والشبع. وما هو أخطر إن أكلنا مولين اهتمامنا إلى شيء آخر غير الطبق، قد يُحدث ما يسمى ” ملتقى المسران والعقل”. فيمكن في هذه الحالة تناول كميات كبيرة من الشحوم والملح، أو حبوب غير جيدة، وهو ما ينتج كميات كبيرة من أطعمة بكتيريات المسارين غير المفيدة. إن ما يجب علمه واتباعه هو: أن قتل الجوع لا يعني ولا يساوي التغذية الحسنة. أما بالنسبة للأطفال فالأمر يزداد تعقيدا وأضرارا.

تشتيت الانتباه

فبالإضافة لما عددناه أعلاه، وما ينشأ عن الوسائل الرقمية من تحويل الانتباه عندما يكون على الطفل المشاركة في ألعاب عملية نشطة، تجعله يضيع فرصة التواصل وجها لوجه مع أصدقاء وأفراد العائلة. فهذه العادة، يمكن أن تحدث خطرا أكبر، كارتفاع الوزن والسمنة الطفولية، حسب قول خبراء الكودمنا، معهد التغذية والحمية. لكل هذا، وبغية توضيح الأمر من لدُن المتخصصين، فها هم يدلون ببعض النصائح البسيطة جدا، منها الأكل والمرئية مطفأة، إبعاد الحاسوب واللوحة والهاتف عن الأطفال، إعطاء المثل في ذلك، بمحاولة الآباء عدم استعمال تلك الأجهزة عند تناول الطعام بالبيت أو بالمطعم.
ليس من الجديد التذكير بأن الطفولة هي المرحلة الرئيسة، في تعلم ورسوخ أساليب السلوك والسيرة الحياتية، وهي الباقية طوال المستقبل. فالأولياء المحرزون على ثقافة تغذوية صحيحة، يخلقون طبائع وعادات صحية غذائيا لدى أبنائهم.
إن هذا وغيره كثير، يجعلنا نعود، فنكرّر، ما قلناه وأعدناه عن الوسائل الرقمية العديدة التي دخلت حياتنا، فأصبحت من ضرورياتها لدى الغالبية العظمى، إما احتياجا لا مفرّ منه، أو تقليدا لإثبات ” العصرنة ” والتظاهر بالتحضر والتقدم. أيا كانت الدوافع، فمن الواجب والضرورة أخذ المحدثات هذه بالتعقل والتبصّر، بالرغم مما فيها وحوته فتقدمه من المغريات، التي هي الطعم الجذاب المبرمج الممنهج، الذي وضعه المخترعون، مستندين إلى نتائج الدراسات القديمة والحديثة التي أجريت وتجرى على النفسية والإرادة البشرية، وكيف التحكم فيها وتسييرها حسب رغبة المُسيِّر، لا إرادة المسيَّر، الممتثل بلا حول ولا قوّة. لذا يفرض التعقل والتبصر، أن تؤخذ هذه الوسائل بحذر وحيطة، وأن يعلم مستعملوها ويتذكروا عند استعمالها، وجهيها السلبي والإيجابي، فوائدها وأضرارها، حتى يبقى مستعملها في “مأمن” – نسبي في جميع الأحوال – لأن صانعوها فكروا منذ البداية في كل ما قد يتخذه المستعمل من حيطة وحذر، فوضعوا فيها وفيما تحويه من مغريات، ما يبطل أو يحد من مفعولها وتأثيرها، كما أرادوه وخطّطوه.