مقامات رمضانية: مقامة الفوضى

كتب: الأمين الشابي
حدثنا صاحبنا الغيور، الذي لن يتحدث اليوم عن الفوضى التي تجتاح عالم السياسة عندنا، و لا على الأحزاب التي مثل الفقاقيع متناثرة، حيث أصبح جوّها هذه الأيام كمناخ الخريف، مطر و غبار و طقس مقرور، و لا على تأويلات الدستور و لا عن تلك التي تعيشها حركة المرور، حدّثنا فقال خلال شهر رمضان أصبح مولعا بالتبضع رغم قلّة ذات اليد وتأزم الأحوال، واليوم ذهبت إلى سوق الخضر و الغلال و هدفي ضرب عصفورين بحجر واحد، ابتاع ما تيسر من النعم الحلال و أمضي بعض الوقت في التجوال بين الخضار و الجزار و أنّا أقلّب النظر من حال إلى حال و لكن ما رأيته و ما لاحظته دفعني أن أهرول نحو الدار وأنا غاضب ومتجهم وحانق ومحتار، لأنّ الفوضى كانت عارمة و اللعبة صادمة و خسّة البعض قاتلة و مؤلمة ؟ فهذا يمتطي دراجة نارية بين الزحام و هي تنفث مثل الأفعى دخانها بين النساء و الرجال ، و آخر يجرّ صناديقا جرّا و ما يسببه من أزايز مزعجة لكل الأجيال وهذا ينادي بصوت يصم الآذان و غيره أوقف مجرورته وسط الطريق فحال دون المرور و الجولان…. وآخر عرض أسماكه على قارعة الطريق وهي تسبح في الغبار و الأوحال و ما حزّ في نفسي تكالب النّاس على مثل تلك الحيتان…
وهذا يبيع عسلا مغشوشا رائحة السكر منه تفوح في الحال ويلح عليك أن اشتريت واحدة يهديك الثانية بالمجان.
وتقترب منه مترددا من أن تسقط في فخ هذا العسال. و هناك رهط خاص استغل الزحام استغلالا، فهذا يترصّد شيخا ليسرق نقوده أو ينتشل حقيبة يدوية من سيدة و يذوب مثل الملح في الزحام و في الحال. و لكن الملفت و أنّ بعض التجار بعد أن احتلوا كلّ الرصيف و تركوا المواطن يهان، لم يكتفوا بذلك بل احتلوا نصف الطريق لعرض سلعهم من حرام و حلال…
ونحن على تلك الحالة من الفوضى العارمة أطّلت سيارة الشرطة البيئية في الحال، فسبحان الله من غيّر الوضع في دقائق من حال إلى حال، فلا تدافع و لا فوضى و لا أصوات الحمير ناعقة و كأني أمام مشهد القط و الفار. الكلّ هرع إلى جحره بعد أن دوّت كلمة السرّ بين الباعة الأجوار. و لكن ما أن غادرت الشرطة المكان حتّى أطلت رؤوس الثعابين من غار و غار فسبحان الله مبدّل الأحوال في وضح النّهار، فتعمّ فوضى جديدة و تعود حليمة إلى عادتها القديمة وكأنّك تعيش ضربا من الخيال..
وما ان وصلت إلى الدّار وعرقي يتصبب جهارا بهارا و القلب يخفق بسرعة مثل عصفور – حصل بين أيادي الأطفال – و أنا ألعن هذا الخروج و ما تسبب لي فيه من غضب و أحوال حتّى بادرتني زوجتي ما لك اليوم هل تخاصمت مع بعض الرجال فقلت، لا و الله، و لكني بعد ما رأيته في السوق من ازدحام بين النساء و الباعة و الرجال أقدم اعتذاري ” للكورونا ” و أبرّر ساحتها، فنحن من ندفعها لتنزل فينا نزالا..؟