مقامات رمضانية : مقامة القيل و القال في شهر الصيام

يكتبها: الأمين الشابي
حدثنا صديقنا المكنى بـ »الرادار “، و هو يصوم كسائر البشر في شهر الصيام إلاّ على قذف البشر فتراه يشن الهجومات بصواريخ أرض / جو و إصابة كلّ الأخيار و كشف ما لديهم من خنّار، فتراه طوال النهار يشكو الجوع و العطش و لكن يترك لسانه كمنشار النّجار صاعدا نازلا و آكلا للحم الميتة في حق هذا أو ذاك الجار، وقد حدثنا يوما بأنّ له كثير من الجيران ، فهذا في نظره فاسق و الآخر سارق و ثالث قنّاص ماهر و تلك العائلة لا تصلح لا للسوق و لا للصندوق و من سيصاهرها سيموت مشنوقا، و ذاك كسول لا يعمل و كل اليوم يمدّ يده للغير و يتسوّل، و تلك المرأة لا تمكث في البيت إلاّ قليلا و زوجها هو من يكنس و يرتب البيت و يطبخ و قد رأيته يلبس في المطبخ منديلا.
وحين أكثر صديقنا هذا من هتك أعراض النّاس، أردت أن ألجم لسانه و أنهي عقّاره و أوقف كل ما هو سلبي في أفكاره ، فعاتبته على ما يأتيه و ذكرته بالعقاب الذي قد يجنيه إن واصل في هتك الأعراض و بسط دخائل النّاس و كلّ الحكايات عنهم و الأغراض و ذكرته بحديث للرسول عليه الصلاة و السلام بأنّه قال ” أنّ الله يحب لنا ثلاثا و يكره لنا ثلاثا ” فقال هات ما يكره لنا فقلت ” يكره لنا القيل و القال و كثرة السؤال وإضاعة المال ” فما بالك وأنت تقوم بذلك في شهر الصيام. فقال مازحا إذا سأنال ثلث العقاب لا كلّه، لأنّي لم أضيع المال و لم أكثر من السؤال و يا ليته ما تكلّم و ما بلسانه قد عبّر . عندها غيّرت مقاربتي لعلّه يتعظ و يجرأ على مصارحتي و يوقف لسانه عن النّاس و يغيّر محاورتي و عرضت عليه حوارا دار بين رجل من عامّة النّاس و سقراط . فقال هات حوارك يا ” بلفات ” فقلت ها التالي و لكن تابع الحوار بدون صياح و لا عياط :
الرجل : تبدو تلك المرأة فاجرة يا سقراط
سقراط : هل تعرفها ؟!
الرجل: لا
سقراط : ما الذي دفعك إلى الاعتقاد بذلك ؟!
الرجل : ألا ترى كيف تبدو ملابسها ؟
سقراط : أيهما يحقق الفضيلة الظلم او الحق ؟!
الرجل : الحق طبعا
سقراط: وهل الحكم بالظن من أوجه الظلم أو الحق ؟!
الرجل : من أوجه الظلم
سقراط : وهل حكمت على تلك المرأة بالفجور من باب الظن أو اليقين ؟!
الرجل : الظن يا سقراط
سقراط : وأيهما أقرب للفجور من يحكم على الناس بالظن والظاهر أو من يلتزم الصمت؟
الرجل : من يحكم على الناس بالظن و الظاهر
سقراط : فمن هو الفاجر اليوم أنت أم المرأة !
وما إن أتممت عليه سرد الحوار حتّى اغتاظ صاحبنا و أصبح يصهل كالحصان و ينهق كالحمار قائلا أتنعتني يا صديقي بمعشر الفجار . عندها انسحبت بصمت ليقيني و أنّ ما أفسده الدّهر لا ينفع فيه العقّار.