مقامات رمضانية: مقامة مُفلس

يكتبها: الأمين الشابي
حدثنا أبو فراس، صاحب الجيب المخروم من الإفلاس، وقد هجم عليه شهر الصيام و كان في ثقل الحديد و النحاس و دقّ على الأبواب الأجراس ، فاحتار أبو فراس و هو خال من التدبير و تساءل كيف سيواجه هذا الشهر الكبير و هذا من باب المستحيل و جيوبه خاوية وشهواته من الحجم الكبير، من اللحوم الحمراء و البيضاء و ولد البحور و عراجين التمور و الأجبان و السلاطة و الغلال و الشاطر والمشطور و البريك وشربة الشعير.
فاحتار في أمره و قد أوصدت في وجهه كلّ الأبواب ؟ كيف سيواجه هذا الشهر و ماذا سيختار، أ هو الصبر و التقشف و التعفف أم الغرق في الديون لدى الجزار و بائع الأجبان و الفواكه و الخضار..؟ . فضرب أخماسه في أسداسه وهو يعلم أنّه لا يقدر على حرمان بطنه من خيارات شهر الصيام، فقصد محلا لبيع الحلي و عرض عليه ـ دون أن تعلم زوجته ـ قطعة مصوغ تسوى أكثر من ألفي دينار، فباعها بنصف الثمن ومباشرة على السوق و قد أصبح في عينه لمعة و بريق و قد سمع الباعة تنادي بصوت عال مثل البوق و تمجد المعروض من اللحم و الشحم و الغلال و الخضر و الحلويات و المقروض. فابتاع كلّ ما اشتهت العين و استعان بحمّال و معين و ما إن وصل البيت حتى دخل على الزوجة بكل الخيرات و لم ينس شيئا بما فيه الزيت. فهللت و كبرت و زغردت الزوجة و دعت له و قبلته من الجبين و العين شاكرة له كل هذا الفضل و هذه الخيرات بدون عراك و لا زعل….
وكان أبو فراس كلّ يوم يرجع للبيت محمّلا بما وقعت عليه العين و الزوجة تطبخ و تتفنن في الحين إلى أن جاء يوم العيد المبارك فأرادت زيارة الأهل و الأحباب و تهنئة جاري و جارك و لكنها قبل ذلك أرادت لبس حليّها و عند فتح صندوق المصوغ صاحت و احتارت و تساءلت أين قطعة المصوغ و كيف من الصندوق جنّحت و طارت؟ فارتبك أبو فراس و تلعثم و احمر وجهه و دمعة منه على الخدّ سالت و صدح بالحقيقة و لكن زوجته لم تتحمّل الخبر و انهارت و ذكّرها و هي تحت الصدمة بما أكلت و تفنّت في طبخه و رقصت و مالت وقالت له لم أكن أعلم أنّ مصدر الخيرات و كلّ هذه الأكلات المصوغ فقال لها أبو فراس أكلت بالذهب و تسحرّت بالفضة و ختمت بالمحليّات و سؤالي لك يا زوجتي العزيزة لماذا لم تسألي من البداية عن سرّ كلّ هذه الأفراح و المسرّات و الأكلات و أنت تعلمي أنّ زوجك عاطل و خال جيبه من المليمات..؟ فصالت و جالت و أعلمته أنّها إلى بيت أهلها قد عزمت و إن أراد عودتها، عليه بشراء قطعة المصوغ التي منها قد سرقت؟؟