نجيب عبد الكافي يكتب لكم من مدريد:…في وسائل الإعلام ودورها

كتب: محمد نجيب عبد الكافي
” كانت تشخر، زادت بُف.” أتاني الخبر المؤسف المؤلم، وأنا أكاد أنتهي من وضع اللمسات الأخيرة في هذا المقال الذي حمّلته ذكريات ومقارنات، بين صحافة الأمس واليوم، والأهم هو كيف كانت تُفهم الصحافة ووسائل أخرى معها، وكيف كان دورها وأهدافها. ليس لي الآن أية معلومات تمكّنني من إبداء راي أو إصدار حكم، ما عدا التنبيه والمناداة بالحذر، لأن ” أول الغيث قطرة ثمّ ينهمر” وحمانا الله وحمى تونسنا ممّا هو آت، إن لم نقف فنوقف ونتصدى، متكلين على الله وعلى أنفسنا، سلاحنا إيمان راسخ بالله وبأنفسنا، ويقين مكين بعدم التفريط في ما بنى شعبنا وشيد من أسس ومبادئ ودولة ونظام، متتابع متواصل، بعيدا عن التطرف والمغالاة، مسايرا التقدم والتطور، محافظا على خصوصياته ومميزاته.

أعود، بعد هذا التحذير، إلى ما كنت فيه، وهو أنّي، أنا وأندادي، ننتمي إلى جيل كان فيه المعلمون، وكذلك في بعض الأجيال التي سبقته ولحقته، كان فيها المعلمون، والمربون، والمسيّرون، والقادة المناضلون، المسؤولون، وحتى السياسيون أحيانا، يؤمنون بيقين، أن التعليم والتكوين والتوجيه والتثقيف، ليست وقفا على المدرسة والكتاب، لأن دُور التعليم لها روافد عدّة، قد تكون أقوى نفوذا، وأوسع انتشارا، وأكثر قبولا، وأخف وطأة فأوفر فائدة. أهم هذه الروافد التي استعملت، وسًخِّرت، بتعقل ونظام واستمرار، هي الصحافة، والمسرح، والموسيقى، والرياضة. لحقت بالصحافة المكتوبة الإذاعة المسموعة، ثم المرئية. كما لحقت بالمسرح الخيالة أي السينما، فكان معظم ما تحمله هذه الوسائل وتوصله إلى القارئ والمشاهد والمستمع، والمنصت، واللاعب، هو تلقين، وتحذير، وتوجيه، وإنذار، ونقد، ولوم، وعتاب، وضحك، وُبكي، فيأتي من خلال ذلك، الدرس، والعبرة، والتنبيه، مجسما بفوائده وأضراره، فينفذ إلى الأعماق دون مشقة، فتأتي الفائدة.

فالإذاعة مثلا، أنشأها، في تونس وفي ليبيا، الاستعمار الفرنسي والإيطالي لدعايته وغاياته. لكن أبى المعلمون المخلصون، رحمهم الله وأثابهم، إلا أن يتحدّوا المستعمر ورقابته

كانت أكثرية الأغاني، وأغلبية الروايات، وكل ما ينشر أو يذاع أو يعرض، لا يخلو من غاية وهدف ديني، أو تاريخي، أو وطني، أو اجتماعي، أو أخلاقي، وفي كلمة تربوي يهدف إلى بناء المواطن الصالح، العارف بواجباته وحقوقه، نحو نفسه ونحو الآخرين والوطن. كل هذا رغم الحضور الاستعماري المهيمن، المسيطر على كل الخدمات، المراقب عن كثب وبشدّة ومثابرة، كلّ ما يُقدّم إلى المواطنين في أي شكل من الأشكال. فالإذاعة مثلا، أنشأها، في تونس وفي ليبيا، الاستعمار الفرنسي والإيطالي لدعايته وغاياته. لكن أبى المعلمون المخلصون، رحمهم الله وأثابهم، إلا أن يتحدّوا المستعمر ورقابته، ويجعلوا ما أنشأه لنفسه وسياسته، في خدمة ألوطن الذي أنشئت الوسيلة على ترابه، فعرَّفت بتاريخ البلاد، بثقافتها، بعلمائها، بفنونها، بصناعاتها، وما إلى ذلك. ففي كل من تونس وليبيا – وبلا شك في غيرهما من الوطن العربي المستعمر- فلا أذكر شيئا منه لجهلي بمعطياته – كانت النتيجة ضد ما خطط له المستعمر.
أذكر أسماء برزت في هذا” الكفاح السرّي النبيل” عثمان الكعاك، كأول مدير القسم العربي من إذاعة تونس -كما كانت تدعى – نور الدين بن محمود كمذيع ثم مدير، المحجوب بن ميلاد، مذيع في البداية ثم من أبرز المحاضرين، وقائمة طويلة من العلماء والأدباء والفنانين. نفس الدور أتاه الإخوة الليبيون، فبرز مواطنون أكفاء مخلصون، عَرَّفوا بليبيا أكثر من تعريفهم بإيطاليا، أذكر منهم أسماء بقيت في الذاكرة كالشيخ خيري، بأسلوبه الفكه وحكاياته التوجيهية، والمقرئ الشيخ حورية بصوته الرخيم وأدائه البليغ، والأديبان أحمد قنابة، وأحمد الحصايري، بتثقيفهما الأطفال الذين أنا منهم، وغير الأطفال أيضا، والموسيقار البشير فحيمة – البشير فهمي اسمه الفني – ومحمد السوكني وغيرهم كثير. أعتقد أن هذا القدر كاف بإعطاء صورة حسيّة عمّا كان دور هذه الوسائل في مفهوم من أسميتهم معلمين، فأدوا للوطن والمواطنين واجبا يبقى أمثولة مدى الدهر. يبادرني الآن اقتراح، أقدمه لصغار السن الذين لم يعرفوا تلك الحقبة، ولا ما كان في ذلك الماضي، وأقول: اسالوا جداتكم وأجدادكم وكبار السن منكم، بكل بساطة وبلا شرح أو تفسير: كيف كنتم تتعلمون؟ سوف تأتيهم أجوبة تبهرهم بلا شك. أجوبة لا علم فيها بل معرفة، واسعة غزيرة ثرية، تحمل المبادئ والطرق والمفاهيم، بلغة شعبية بسيطة، بعيدة عن كل تعقيد مُجهد، لأنها وصلت واستوعبتها العقول وأدركتها، فكيّفت بها الألسن، والسِّيَر، والتصرفات، بمعنى ربّت وهذّبت، علّمت وكوّنت، بنت وقوّمت، مواطنات ومواطنين، قام جميعهم بأصعب الواجبات في أشد الأوقات، وعظيم الأخطار.
والنتائج والإنجازات، أقوى دليل وأصدق برهان. أترك الآن من يطلع على هذه الأسطر ليقوم، إن أراد، بمقارنة بين ما كان – رغم ضيق ما باليد، وصعوبة الظروف، وهيمنة المستعمر، والتقنية البدائية تقريبا – وبين ما عليه اليوم وسائل الإعلام بأنواعها، وتقنياتها، وميزانياتها، ويستخلص في النهاية نتائج مقارنته، وله إبداء الرأي والتصريح بالحكم. لأنه كما قال المثل الشعبي على لسان جحا: ” صبعين وتلحق الطين، يا عامي من أعماه الله.”
ألسنا في تقدّم مستمر؟
مدريد في 15 أفريل 2021