نجيب عبد الكافي يكتب لكم من مدريد: الأندلس / إسبانيا من الضفة الأخرى: المحيط الهادي الشيلي

كتب: محمد نجيب عبد الكافي
كلما أردت إبداء رأيي حول عمل أنتجه كاتب مجيد، أو كاتبة شهيرة، أشعر باطنيا بنوع من الحيرة أو الشك، وأسمع نفسي متسائلا: ومن أنت حتى تُعيِّر إنتاجا من هذا الحجم والاعتبار؟ لكني سريعا ما أتذكر أني أعيش تحت مظلة ديمقراطية تضمن، على الأقل، حرية التعبير، لذا، أستطيع المحاولة، إذ كل ما قد يتأتى عن جرأتي هو حكم الآخرين عليّ بالمجازف، إن لم تُحرز محاولتي المستوى المقبول. هذه هي مشاعري الآن، والكتاب الذي انتهيت للتو من قراءته، بل من تلذذه، أو تقديره والإعجاب به. عنوان الكتاب هو ” الأندلس/إسبانيا من الضفة الأخرى: المحيط الهادي الشيلي”، إنتاج قلم الأستاذة الدكتورة (وردة) روزا مارتيناث للُّو، مستعربة جِدّ معروفة، دارسة باحثة مترجمة. جاء في المقولة الشهيرة ” الشيء من مأتاه لا يُستغرب “، وفعلا يأتينا هذا العمل من إسبانية، مستعربة، ابنة شيخ المستعربين، ولدت بالقاهرة، أقامت وزارت قرابة كل بلدان العالم العربي، تعرف لغة القرآن، أو من الأفضل القول بأنها تفهمها، لأنه لا أحد يهيمن على اللغة العربية، وتجيد أيضا الإيطالية، وكرّست معظم حياتها في البحث والدراسة.
قد يتساءل بعضهم، أين الجديد إذن؟ الجديد هو أنّ المؤلفة الشهيرة، بأسلوبها القصصي أكثر منه أكاديمي، أسلوب عرف بالسهل الممتنع، تجعلنا مشاركيها في اكتشاف كبير الأهمية. بلد هو الشيلي، لغة هي إسبانية ذلك البلد، أندلس جديد، أو كما أسمته الأندلس/إسبانيا، كي تقدّم لنا، داخل هذا الإطار العجيب، مهاجرين قادمين من البحر المتوسط، عرب يسمّونهم ” أتراكا “، ألقوا بأنفسهم مغامرين عساهم يحققون على سواحل المحيط الهادي، ما عجزوا عن تحقيقه على ضفاف المتوسط. رغم كثرة التضحيات، والأتعاب، والآلام، والأحزان، والمجهودات، والمذلة، والتمييز العنصري، والشوق أحيانا، بقوا، فاستقرّوا. وبلسان أحدهم، أوقعهم الشيلي في حباله الخفية، فبقوا إلى الأبد. إنها بطولة شغيلة، تجارية، ثقافية، اجتماعية وسياسية، أتاها أناس، عرب – معظمهم فلسطينيون – تمكنوا، رغم الصعاب، والعرق، والتمييز، من غرس جذورهم منذ أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل العشرين، محافظين على هويتهم، وشخصيتهم، مندمجين بقدر المستطاع، باعثين من ضمن الكثير، مدرسة أدبية – إن صحت تسميتها هكذا – بصحفها ونواديها الأدبية، وغير ذلك من النشاطات.
كل هذا تقصه علينا روزا، بالبراغماتية الأكاديمية، بالملاحظة البحاثة، بالوصف الصحافي الإخباري، لكن وفوق كل هذا، بمشاعر، بأحاسيس، بمودة، بقلب. إن الأستاذة مارتيناث للّو تحملنا معها لمقابلة، والتحدث، وسماع، وقراءة مقتضبات من أعمال أدبية، صحافية، شعرية لبعض النساء والرجال، من هذه المستعمرة أو الأقلية، حتى نشعر بأننا ضمن عائلتنا الخاصة، لأنه، كما قالت هي نفسها: متحدثة عن البيوت المزارة، بيوت تحولت إلى قلوب.
إن روزا بمؤلفها هذا، تفتح السبيل نحو أمر قليلة معرفته، وأكثر قلّة معالجته، أو دراسته كما يستحق ويجب. أعني بهذا، الهجرة العربية إلى أميركا اللاتينية عموما، والشيلي خاصة. قليلون منا من عرفوا بأن في الشيلي وُجدت حركة أدبية عربية مثلا. فليس بلا سبب، أن يكتب المستعرب الشهير الدكتور بيدرو مارتيناث مونتابث، صاحب مدرسة الاستعراب الحديثة، والذي أصبحت أعماله، كما تقول روزا، تبرز سائدة ونقطة لزومية للاستشهاد والدلالة، فيشير قبل عقدين أو يزيد، قائلا: ” إن الهجرة العربية إلى أميركا منذ منتصف القرن الماضي، هي ظاهرة قلية الشهرة، وبقلة عولجت ودرست.”
ليس من التعسف التفكير بأن الأستاذة قد تركت نفسها تتأثر باقتراح المستعرب البارز، وبكل موضوعية وإخلاص، قد أحسنت باتباعها هذه السبيل التي ستصبح، بلا شك، مثالا يقتدى من لدن أخريات وآخرين. أما هي، فليس في الاستطاعة أكثر من شكرها على مبادرتها، ومجهوداتها، ونظرتها العميقة مُرفقة، وكيف لا، بأمثلة ونماذج جيّدة الاختيار، من بعض أعمال تلك المجموعة، الضائعة أو المنسيّة في تلك البقاع النائية، وفكرها دائما في أندلسها أي إسبانيا، وفي أرضها المتروكة وراءها. ” وسط هذا الإزهار الثقافي ليس في مقدورنا نسيان العرب، إذ أن نشاطاتهم تجري موازيةً إسبانيا، بحلف دقيق لكنه فعلي.” هكذا قالت روزا وهكذا أهدتنا الصوت الشعري لميلادي أبو مُهور الذي، من شيّان الجنوبي، يرتل في وطنه النائي:
أيها الشرق البعيد الذي رأى مولدي * بين زياتين وورود أرضك الخصبة * لكن، آه ما أقصرها إقامتي * بالأراضي المقدسة من تلك القاصية * حيا لا يزال بروحي، ذلك الزمن العظيم * الذي فيه هيمنوا على إسبانيا الجميلة * مدى قرون ثمانية، زارعين السلام * والحب والثقافة، أسلافنا العرب *
لا يمكن تفريق ما لا يقبل التفرقة، في الشعر على الأقل، وفي الثقافة عموما، الإسباني من العربي، أو العربي من الإسباني، عندما يتعلق الأمر بثمانية قرون معيشة وتعايشا.
شكرا يا روزا.
مدريد في 2-2- 2014