نجيب عبد الكافي يكتب لكم من مدريد: حققوا المستحيل بعد 4 عقود من الديكتاتورية المقيتة..فلماذا نعجز نحن؟؟

كتب: محمد نجيب عبد الكافي

بدا على وجهه نوع من التساؤل والحيرة… سلط عليّ نظراته وقال، في شبه همس: يتفقون ونختلف… لاحظ دهشتي واستغرابي فأسرع يضيف، أرجو المعذرة يا أخي، لست أنت المقصود، هواجس وقلق وحيرة، تعصف بي ولا أجد تفسيرا ولا جوابا. قلت هات عساني أساعد فأفيد.

قال: أتابع ما يجري في بلادنا، ولدى أقربائنا وأشباهنا، فلا أجد إلا الخلافات والتفرقة… فأنظر وأتابع ما يجري لدى شعوب وأمم أخرى، فألاحظ أنهم، رغم الفوارق اللغوية، والعقائدية، والاقتصادية، ورغم الحروب والفتن التي جرت بينهم، ورغم التنافس الصناعي وتصدير منتجاته، ورغم تضارب المصالح في معظم الأحيان، أراهم محافظين على تفاهم، وتوافق، وانسجام، كأن لا مشاكل بينهم ولا خلافات….بينما لا تقل مشاكلهم تعقيدا ولا أهمية ولا كثرة، عما نعانيه ونقاسيه.
أحاول وأجهد الفكر والنفس بغية فهم السر والسبب والدواعي، فلا أحقق سوى الفشل فأزداد حيرة. فاجأني حاله ورأيه، فاحترت بدوري، لأنه سلط عليَّ نظراته تسألني وتنتظر، فألهمني الله جوابا هدأ خاطره، حسب ما اعتقدت آنذاك، فقلت ” لأننا نسمع ولا نستمع “. ظننت أن جوابي سيكفيني نقاشا، لكنه فتح سيلا من الشروح والتفسيرات. كيف نسمع ولا نستمع؟ أ تضيف أنت أيضا حيرة على حيرتي؟ قلت معاذ الله، جاد الكريم بما عنده، فما أنا من العارفين ولا المتخصصين.
أجبتك بما عنّ لي لأني علمت الفرق بين السمع والاستماع. قال كيف ذلك؟ قلتُ ألم يأت في كلام الله عز وجل، ” وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون؟ قال بلى وبعد؟ قلت يكفي هذا لنتذكر أن الفرق كبير بين السماع، والاستماع، والإصغاء، والإنصات.
فلو فتحنا أي قاموس لوجدنا تعريفات شبيهة بهذه التي تكفي لتبيان فروق المعنى أو المعاني بين المفردات التي يُظنّ أنها مرادفات. فالسمع هو حاسة التقاط الأصوات عفوا وبدون قصد منّا. بينما الاستماع يأتي بقصد تبيّن وتمييز ما يُسمع. أما الإصغاء فهو التركيز وتفاعل المشاعر والقلب بغية الفهم الصحيح واستخراج المفهوم. يأتي الإنصات وهو تقبل المسموع بيقظة وتتبع المقاصد والغايات بتفكّر وتعقل فيها. لمثل هذا دعانا الله بقوله ” استمعوا له ” ثمّ عزز الاستماع بالإنصات كي يرسخ ما استمع إليه بعد الفهم والإدراك، والتعقل والتدبّر، فقال ” وأنصتوا « …
أما نحن، أغلبنا يسمع ولا يعي مما يسمع إلا القليل، كأن فكره، وهو يسمع، شارد في عوالم أخرى. أحنى السائل رأسه قليلا، كأنه يتمعن في جانب الصحة من الخطأ فيما قلته له، ثم رفع رأسه مبتسما يقول: لهذا إذن كثر في تعبيرنا ونحن نتحدث إلى شخص ما، سؤاله قائلين: ” سمعتني؟ تسمع فيَ؟ فهمت وإلا لا؟ ” استحسنت ملاحظته وشكرته عليها واستدرت قاصدا الانصراف، فمسكني بلطف يقول: إلى أين؟ بدأت فأكمل. أكمل ماذا؟ رأيك عن السمع والاستماع. قلت شرحته لك بما استطعت وعرفت. قال بقي معرفة تأثير ذلك فينا وفي مواقفنا وأعمالنا. قلت، وأنا أطلب من الله الصبر والهداية، يا أخي ليس ذلك صعبا ولا عسير الفهم. يكفي متابعة أي حوار بين اثنين أو أكثر، لتلاحظ وتستنتج أن لا حوار، بل الذي يدور بين المتكلمين ليس هو إلا مناجاة فردية. كل محاور محتفظ بما جاء به، يسرده وينتظر أن يقبله الآخر ويؤمن به، كاملا برُمّته، لا تبديل فيه ولا تغيير كأنه منزل مقدّس. لأنه مؤمن، في باطنه واعتقاده، أن ما جاء به هو الحقيقة ولا غيرها. لذا، طال الحديث أو قصر، تبقى الأمور على حالها، لغياب أسس وشروط الحوار التي هي، باختصار، السماع، الفهم والإدراك، المقارنة والمعادلة بين ما عندي وما أتى به الآخر، البحث عمّا يمكن طرحه أو إضافته لما عندي وعند الآخر، ثم التباحث حول صيغة تجعل النصين أو المقترحين يندمجان فيصبحان نصا واحدا، اقتراحا واحدا، برنامجا واحدا محرزا على موافقة الطرفين أو الأطراف. هذا كله مفقود لدينا في معظم الحالات والأوضاع، ولذا ترتفع أصواتنا أثناء أي حوار وتحتد، نتشنج ونغضب، والفاقدون منا لأبسط قواعد الأدب والتربية والمعاشرة، يصلون إلى السب والشتم، أو حتى إلى الاعتداء الجسماني، كما حدث مؤخرا تحت قبّة التفاهم والتعايش والتآخي والتسامح والتنظيم والعمل الجماعي والبناء والتقنين، قبة وحدة الشعب وعش آماله وطموحاته، قبة التشريع ووضع القوانين، قبة بناء المستقبل بمفعول الكلمة الحسنة، المعبرة عن قيمة أو قيم سليمة بناءة، قبة السلطة العليا التي لا تعلوها إلا سلطة الله وقدرته. قبة ” طاح سعدها ” بتعبير بعض النسوة، فصارت تغطي ” سوق ودلال ” كما يقال شعبيا، حيث تجري المقايضات، والمساومات، وغير هذا مما أنزه قلمي من ذكره، وهو ما يعرفه الجميع.
إني أعيش في بلد حقق وأنجز وأرسى تحوّلا من نظام سلطوي إلى آخر حر ديمقراطي، بالحوار والكلمة الحسنة، بعد انقسام، وشجار، وحرب أهلية جعلت البلاد بلدين، وبعد أربعة عقود من السلطة الفردية والتمييز بين المواطنين، موشحا كل ذلك بكل أنواع الظلم والجبروت والاعتداء على أبسط الحقوق وأقدسها. أُنجز الذي اعتبر مستحيلا، وحقق ما كان حلما، وساد ما كان أملا وطموحا، في هدوء وتؤدة، بلا خضوع سوى لإرادة النجاح، وبلوغ الهدف، على مطية الكلمة والتحاور بها.
إن ما أنجز بالكلمة والحوار بقي مثالا يحتذى، أو كما أسميته في كتاب عن كل هذا نشرته دار سحنون للنشر والتوزيع – بتونس – عنوانه ” إسبانيا من الدكتاتورية إلى الديمقراطية” أمثولة وقدوة « …
أمثولة تردّد صداها في العالم أجمع، وكتب عنها بكثير اللغات من أقلام محللين ومؤرخين، لأن ما أنجز بالحوار وشروطه، لم تنجزه حرب، ولا دكتاتورية، لأن للكلمة معنى تفهمه وتتعزى به النفوس، فتفقهه وتعمل به طوعا بعد تعقل ويقين. هنا يأتي السؤال الذي لا مفرّ منه.
لماذا لا نستطيع نحن ما استطاعه الاخرون، بينما الماضي والحاضر والحالات والأوضاع والمعطيات تكاد تكون هي نفسها لديهم ولدينا. يتمسك زميل حرسه الله بأن السبب جينات، وأتمسك من جانبي بعناد أن جيناتنا ليست أسوأ من جينات الآخرين. فلا بد من نقصان ما، وهو في نظري انعدام الاستماع والإنصات لما يقول الآخر إذا ما تحاورنا أو تناقشنا. لأن الإنصات سيؤدي إلى التبصر، وهذا الأخير إلى تبيان الصالح من الطالح، فيأتي الطرح، والتنازل، والتغيير، والأخذ والرد، فيأتي وليد ” جيناته ” من أصول الطرفين او الأطراف المتحاورة.
فلنتعلم كيف نسمع ونستمع وننصت فنتبصر ونتعقل، فتكون الهداية من الله ويكون تحقيق الآمال وبلوغ الغايات في كنف الهدوء، والتفاهم، والاحترام المتبادل، وهذا ما تقتضيه كل الحالات والأوضاع، وتوصي به معظم المبادئ والمعتقدات، وهو أولا وآخرا المطية السليمة الآمنة لبلوغ الغايات وإن صعبت.

مدريد في 27-8-2021.