نجيب عبد الكافي يكتب لكم من مدريد: …نحن والثقافة

كتب: محمد نجيب عبد الكافي
يزداد الحديث عن الثقافة ويكثر ذكرها بمرور الأيام وتعدّد المواضيع. فهذا ينسب إليها المحاسن والفضائل، وذاك يعيبها ويحمّلها أخطاء الناس وسيئاتهم. فمن أصاب ومن أخطأ؟ ليس هذا من شأننا، لكن يتحتّم علينا تعريف الثقافة وما يقصد بها إذا ذكرت، كي يكون الحديث جليا، والغاية بيّنة، فتأتي الفائدة دون تعب أو ضلال.
اختمرت الفكرة ـ تحت صلعتي ـ فرجعت إلى المقتطفات، والوريقات الحافظة لما خُزن فيها كي يستعمل عند الحاجة، فوجدت صفحتين كاملتين، تحملان ما شاء الله من تعريفات الثقافة، بالعربية وبغيرها من اللغات، إذ الثقافة وتعريفها، لم يُشغل العرب وحدهم، بل كان، ولا يزال، الشغل الشاغل لمعظم الشعوب. فما هي الثقافة إذن؟ قبل نقل وتقديم أي تعريف، واحتراما للغتنا البليغة الثرية، لا مفر من تفسير أصل الكلمة وهو: ث ق ف، فنجد ثقُف، وثقِف، بضم القاف وكسرها. يعطينا هذا معنيين: فبضم القاف، نعني صار حذقا أو فطنا، وبالكسر، تتعدّد المعاني، فمنها حذق وفطن إذا كان إنسانا، وظفر به، أو وجده، تمكن منه، إذا كان شيئا، وفهمه بسرعة وحذقه، إذا كان حديثا. ثمّ يأتي المتعدّي ثقَّف، بتشديد القاف وفتحها، فيعني أقام، أو أصلح المعوجّ منه، بالنسبة للأشياء، ولأحد البشر، أدبه، هذبه، علّمه.
لو اكتفينا بهذه المعاني لا غير، وجدنا أنفسنا أمام الحذق والفطنة، والظفر والحصول على الشيء، والتمكن منه، والفهم، والأدب أو التأديب، والتعليم، وتقويم المعوج، والكل تحويه الثقافة. فما هي إذن؟ إن أقصر تعريف بين ما وجدته من تعريفات يقول:” الثقافة هي جملة معارف، وفكر، وتقاليد، وعادات، تميز شعبا، أو شريحة اجتماعية، أو عهدا.” أما لدى الأمم الغربية، فإن اسم الثقافة في معظم اللغات، أصله لاتيني، وهو مستخرج من ” كُلْتُس ” التي تعني العناية، أو تربية الفكر الإنساني، وملكات الإنسان الفكرية. تغير هذا التعريف بمرور الأيام الى عصر النور، حين أصبح مدمجا في التمدن والتقدم. فبصفة عامة، الثقافة هي نوع من النسيج الاجتماعي، يشمل مختلف أشكال وتعابير مجتمع معيّن. لذا، فالعادات، والتصرفات، والتقاليد، والكيفيات، وأشكال الملبس، وقوانين السيرة والتصرف، هي مظاهر تدخل ضمن الثقافة. بقي تعريف آخر يجعل ” الثقافة مجموعة المعلومات، والمهارات التي يمتلكها المرء.” أما منظمة اليونسكو فهي ترى أن ” الثقافة تمكن الإنسان من القدرة على التفكير في نفسه: فمن خلالها يتبين المرء قيَما ويبحث عن مفاهيم جديدة.” لو تمعنا في جملة هذه التعريفات وما احتوته من مكوّنات الثقافة، لوجدنا معظمها، إن لم يكن كلها، في ثقافتنا حديثة الانحلال والانحطاط، أو هو الزوال، وترك المكان لغيرها، سمّيتها ” ثقافة المادة “، لأنها لا تمتلك ولا تحتوي على شيء مما ذُكر آنفا، وهي لا تهتم ولا تعتني إلا بالمادة، بالكسب، والنهم في الكسب، أيا كان مأتاه، دون اعتبار لأي مبدئ، ولا دين، أو قانون، أو خلق. كنا، ولا تسل كيف كنا – حسب قول الشاعر – ننعم بثقافة عامة، شعبية كما يسميها الأخصائيون، مقامة على أساسين، التديّن والأخلاق، لأن النبي (صلعم) جاء ليتمّم مكارم الأخلاق، وكما قال الشاعر: إنما الأمم الأخلاق، ما بقيت، فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا. كلاهما، يساهم في تلقين النشء وتكوينه بفضائلهما: البيت بمن فيه من أبوين وجدين، وخالات وأخوال، وعمات وأعمام. ثم المدرسة، لأنها كانت تربي حقا وتثقف. يأتي بعد ذلك التأثيرات الجماعية، في الحي والمجتمع بأسره. لا حاجة هنا، لتعداد ما كانت تمتاز به وتحمله ثقافتنا من الصفات، والشروط، والمحتويات، التي عدّدها معرّفو الثقافة، لأن جميع ما ذكروه من مكوّنات، كان موجودا في ثقافتنا على ممر السنين، وحتى تاريخ غير بعيد، تخلّى فيه البيت، والمدرسة، والحي، والمجتمع عما كان يؤديه، فأخذت الثقافة في الانحلال والانهيار.
الغريب والمؤلم في هذا، هو أن الهدم والانحطاط، والتخلي عن سامي المبادئ، ورفيع الأخلاق، وحسن التصرفات، جاء تحت مظلة مضللة مغرية، أسموها حريات، حقوق الطفل، حقوق الإنسان، حقوق المرأة، ترك التقاليد لقدمها، مجاراة العصر – كي لا يقولوا تقليد الأخرين – ومثل هذه الكثير من الشعارات الرنانة الخلابة، ظاهرها خير وباطنها شر. أما معدات التنفيذ، والتخدير، فقد تعدّدت وتنوّعت، فهي سمعية وبصرية، ولحقت بها وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف المحمولة. أما الضربة الفاصلة فهي المال وإغراؤه، وشراء الذمم وإثراء أصحابها، فكانوا قدوة سيئة لضعاف النفوس والإرادة، فكان التغيير الذي جلب انهيار قيمنا ومفاهيمنا. إن إعطاء صورة واضحة ملموسة، مما كانت عليه ثقافتنا، يتطلب أكثر من مقال، فقد يكفي، لتذكير الناسين ممن عاشوها ومارسوها، وتعريف الذين جهلوها لصغر سنهم، تعداد بعض اللزوميات منها التي لم يأت بها قانون، ولا فرضتها أحكام، بل اتخذت اقتناعا واتبعت طواعية. قبل ذلك، ودفعا لأي ظن، قد يساور القراء بأننا ندعي، أو نحسب مجتمعنا بثقافته، كان مكوّنا من ملائكة معصومين، نقول ونؤكد أنه كان، ككل المجتمعات، في كل الأمكنة والأزمنة، خليطا من الحسن والرديء، من الطاهر والنجس، من الصادق والكاذب، من الأمين والخائن، من المحترِم والمُهين، ومن كل الأشكال والألوان التي يمكن وصف الإنسان بها. لكن، وهذا بيت القصيد، كانت الثقافة هي الرادع، الكابح، الهادي، المُكيِّف، فغلب الفضل على الرذيلة، والصدق على الكذب، والحماية على الاعتداء، فهيمن التسامح والتآخي، بفضل ثقافة حقة. أهم ما كان متبعا بيقين، طاعة الوالدين، معاملتهما بالحسنى، احترام وإعطاء الأولوية لمن هو أو هي أكبر سنا، احترام المرأة، وتقديرها والاستجابة إليها إذا كانت مسنة، اعتبار الجار وطاعته من طرف الصبيان، تقدير المعلم وكبير اعتباره، تجنب البذاءة لفظا وفعلا قدر المستطاع، خاصة وسط المجتمعات، احترام المقدسات ومشاعر الآخرين، ومما شابه هذه التصرفات كثير وكثير، حتى أنه إذا عبّر أحد عن أسفه لعثرات آخر في حياته وعمله، وكان يُعرف بسوء معاملته أمّه أو والديه، جاء التعليق مسرعا ممن عرفه بقوله: كيف تريده ينجح، وأمه غير راضية عنه؟ بهذه العقليات والسير، التي نتجت عن تربية، وتأديب، وتديّن، ومسالمة، والكل عقلانيا قبل شعوريا، جعل الثقافة بمجموع محاسنها تسود، فتتغلب على العيوب والنواقص التي، كما سبق القول، كانت موجودة، لكن لا بالكثرة، ولا العنف، ولا التظاهر، ولا العلانية، ولا التحدي كما نلاحظه اليوم في كل البقاع. ربوا بنيكم علموهم هذبوا ** فتياتكم فالعلم خير قوام**…. فالجهل يخفض أمّة ويذلّها ** والعلم يرفعها أجل مقام **.
بمثل هذه المحفوظات ومعانيها السامية، تربت وتأدبت فتخلقت أجيال، لم يزدها ما تشاهده من تصرفات الكبار السابقين إلا قواما واستقامة. إذ كان المرء إذا نهض، أو بدأ أي عمل ومجهود بسمل، وإذا عطس قال الحمد لله، فيسرع الحاضر بقول يرحمك الله، وإذا تثاءب وضع يده أمام فمه وقال أعوذ بالله، وإذا كان يتناول طعاما ودخل عليه أحد استدعاه بقوله: هيا باسم الله، والجواب رفضا يعطى بقول الحمد لله. أما العادات والتصرفات، فحدث ولا حرج. يكفي، كمثال فيه ما فيه من المعاني، هو عادة إعداد عشاء أهل الجار الجديد، أول ليلة يقضونها ببيتهم، وإرساله لهم قبل التعرّف والصلة، لنفهم ونتصوّر ما كان يسود ويؤتى ويُحبّذ من سيرة وتصرّفات، وتعبيرات من تشبعوا بتلك الثقافة. مثال آخر لا يقلّ قيمة ومعنى، أمناء الحرف والصنائع، إذ كان الأمين، في كل حرفة، الرقيب الساهر على جودة المواد وصنعها، ضمان النزاهة وعدم الغش، احترام طرق وأساليب الصنع، والبيع، والمعاملة. أما المقارنة بين ما كان وما يؤتى اليوم علانية، فهو متروك لمن سيتكرّم بقراءة هذه التذكيرات، هذه الذكريات التي لا تزيدنا، نحن الذين عاشوا بتلك الثقافة، بمحاسنها ومساويها، إلا أسى وحسرة أمام ما يُشاهد ويُرى. ولله في خلقه شؤون.
مدريد في 15 ـ 3 ـ 2021