نقشة : هل تسمحون لي ان أذرف دمعة حزن على امراة خبات حزنها ؟

كتب: أبو زياد

  نودع اليوم امراة من أشرف وأطهر وأجمل شهيرات التونسيات …انها السيدة هند شلبي العالمة …والاستاذة …والمربية …والباحثة …والتي ولدت بين دفتي كتاب …واقامت في كتاب …وكان عنوان سكناها مكتبة عامرة …هادئة …حتى انه يمكن ان تصف حياتها بنزهة جميلة في حديقة من الشجر والحبر والورق والكائنات اللغوية الحية …وهل هناك ماهو أكثر عمق …وصدق …وجمال …وجلال من القرآن الكريم …وازعم وقد اكون مخطئا ان السيدة هند شلبي لازمها في حياتها شيء من الحزن …ما رأيتها قط الا حزينة …مهمومة…مشغولة الفكر …فهي من الشخصيات القلقة التي يقلقها التفكير في حقيقة الوجود …وحزنها لم يكن نوع من الحسرة على مال ضاع …أو مجد لم يتحقق …او مناصب لم تتموقع بها …حزنها فلسفي عميق …حزنها وجودي …حزنها حزن الكائن الذي لبس ثوب العيش ولم يستشر …ولكنها عرفت كيف تخبئ حزنها الا على من يحس بها ذلك الاحساس الوجداني الذي كثيرا ما تئده مشاغل الحياة وتقلباتها …وسمومها …ولقد سبق لي ان كتبت عن هذه المراة التي هربت من الدنيا الى الدنيا …اما كيف يكون هذا الهروب فانه يكون كهروب الانسان من نفسه وايامه وزمانه …فهل هذا ممكن …انه لا هروب …بل هو وهم وخيال …ومما كتبته عنها ذات مرة هذه الكلمة التي اسعدتني مثلما اسعدتها:                                                                                             

هي امراة ليست ككل النساء….وكانها قادمة من عصر اخر…وكانها قصيدة شعر من فجر الاسلام…وكانها سؤال بدايته سؤال …ونهايته سؤال.

من يراها في الشارع وهي بالسفساري الابيض الانيق يتخيل بسرعة ودون شعور منه انه امام لوحة زيتية رسمتها ريشة ذلك الرسام العبقري عمار فرحات .

انها تمشي وكانها تتزلج لافوق الجليد ولكن فوق الاسئلة…..فوق الكتب….فوق الافكار…فوق المعاني..انها هند شلبي الاستاذة….والباحثة….والكاتبة..

انها العابدة ..المؤمنة..الزاهدة…التي لم تتعب كثيرا في بحثها عن الله..لقد وجدته ..واكتشفته..بسرعة فمشت في طريقه..وعلى صراطه….وسكنت اليه ولعلها لم تسكن في حياتها الا اليه..فوجدت في سكنه الراحة والهدوء والسكينة…وان الابرار لفي نعيم… 

 لقد تفرغت للتدريس والبحث والتاليف .ونات بنفسها عن كل ما قد يشوش عليها سكينتها ..ولم تبحث منذ ان عرفتها عن الاضواء وحب الظهور والضوضاء..ولم تكن تقول كان ابي..مع ان والدها رحمه الله كان من اكبر زعماء تونس واشترك مع الشيخ عبد العزيز الثعالبي في تاسيس الحزب الحر التونسي القديم الذي انقلب عليه بورقيبة.

قد تكون هند شلبي امراة بالغت في انتمائها الى المدرسة التونسية التقليدية المحافظة ولكنها تبقى اصيلة وشجرة تونسية مثمرة اصلها ثابت وعروقها ممتدة في ارضنا التونسية الطيبة..