نوفل سلامة يكتب/ آخر الشطحات: ليس هناك في القرآن صلاة ظهر ولا عصر ولا صلاة عشاء؟!

كتب: نوفل سلامة
ليس هناك دين سماوي أو فلسفة بشرية أو مذهب وضعي تعرض إلى التشويه والإنكار والتشكيك مثلما تعرض له الدين الإسلامي فما يحصل اليوم من تشكيك متواصل ومستمر لأحكامه وتاريخه ورموزه المؤثرة هي مسألة غير مسبوقة حيث تعدى الأمر مناقشة الخلافات الفقهية التي جدت في التاريخ وتجاوز ما حصل من خلاف بين المذاهب الفكرية في قراءة بعض أحداث التاريخ الإسلامي إلى التشكيك في جوهر الدين وإنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة وإنكار ما تعارف عليه المسلمون بطريق التواتر المستمر جيلا عن جيل…
فبعد إنكار حرمة شرب الخمر وإباحة البغاء والطعن في الخلفاء والنيل من شرف أمهات المسلمين وبعد موجة الإنسلاخيين الذين أنكروا وانسلخوا عنه واعتبروا الإسلام أفيونا ومخدرا للشعوب، وبعد موجة المشككين من دعاة الحداثة المشوهة وتمييع الدين وجعله طقوسا فردية وعلاقة شخصية لا أثر لها على أرض الواقع ها أننا اليوم نعاني من شطحات القرآنيين وما خلفته لنا هذه المدرسة الفكرية من ضرر للإسلام بعد أن أنكرت الحديث النبوي وأنكرت أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وردت فهم الدين إلى القرآن فقط واكتفت بالنص القرآني للتعبد وآخر هؤلاء القرآنيين ولعله ليس آخرهم الداعية المعروف الدكتور محمد هداية الذي تحدث عن الصلاة المفروضة على المسلمين وأنكر أن يكون القرآن قد حدد للمسلمين خمس صلوات في اليوم كما هو متعارف عليه بين المسلمين واتفق عليه علماؤهم حتى وصلتنا بالتواتر جيلا بعد جيل حتى الإسلام المبكر في الأيام الأولى للإسلام التي قال فيها الرسول الأكرم ” صلوا كما رأيتموني أصلي “. مقطع من حديث رواه الإمام البخاري في صحيحه.
في برنامج تلفزي بث على إحدى القنوات المصرية قال الداعية المصري الدكتور “محمد هداية” منكرا وجود خمس صلوات في اليوم مطالب المسلم بأدائها مستدلا بقوله تعالى ” إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ” النساء / 103 إن هذه الآية فسرت على أن للصلاة مواقيت أي لها مواعيد محددة وأضاف بأن الذي يحدد هذه المواقيت هو الله وحده من دون أن يشير إلى أنه من الممكن أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم هو من يحدد مواقيت هذه الصلوات بتفويض من الله في إطار ما أوكل له من مهمة تفصيل ما أجمل من القرآن.
قال محمد هداية : في سورة النور الآية 58 حدد الله وقتين فقط للصلاة وهما صلاة الفجر وصلاة العشاء في قوله تعالى ” من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء …” ويعلق على هذه الآية بأن النص القرآني قال ” الظهيرة ” ولم يقل ” الظهر” بالرغم من أنه قال صلاة الفجر فماذا نفهم من ذلك ؟ يجيب بأنه لو كانت الصلاة خمسا أو عشرا أو عشرين فوجب أن يحددها الله ويعددها لكن الآية قد حصرت الصلاة المستوجبة على المسلم في اليوم بصلاتين فقط.
ويواصل القول بأن الآية 114 من سورة هود قد حددت هي الأخرى الصلاة المكتوبة بين الفجر والعشاء فقط في قوله تعالى ” وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات …” و المقصود حسب قوله بطرفي النهار وقت الفجر و وقت العشاء وأما تحديد موعد الصلاة بعد العشاء ” زلفا من الليل ” – أي ساعات من الليل – فقد أوكل تحديدها إلى المسلم يؤديها كما يشاء سواء كانت صلاة حركية أم صلاة دعاء وتسبيح . ويخلص الدكتور محمد هداية من كل ذلك إلى أن هاذين الوقتين فقط هما الصلاتان اللتان حددها الله بما يعني أن الله لم يوجب على المسلم إلا صلاة الفجر والعشاء لا غير وبالتالي فلا وجود لصلاة الظهر ولا العصر ولا المغرب وهذا يفيد أن الصلاة الواجبة هي صلاة الليل أما النهار فهو مجعول للعمل وليس للعبادة ولو قلنا بأن الرسول بناء على تفويض من الله قد حدد بقية المواقيت وبقية الصلوات فإن هذا القول يتعارض مع آيات أخرى جاءت مانعة للصلاة بالنهار منها قوله تعالى ” أن لك في النهار سبحا طويلا ” سورة المزمل يعني أن النهار ليس مجعولا للصلاة وإنما وقت الصلاة هو الفجر والعشاء والليل . و إذا لم تكن هناك صلاة نهارية فكيف تكون هناك صلاة جمعة؟
ويختم كلامه بقوله : هذا في كتاب الله فمن يريد أن يرد علي فليكن من كتاب الله ومن يناقشني من خلال الأحاديث فلن أرد عليه.
في الحقيقة بعد أن استمعت إلى كلام محمد هداية وتمعنت في الأدلة التي استعان بها ليرد الصلوات الخمس المفروضة على المسلمين ولينكر وجود صلاة الظهر والعصر والمغرب والجمعة لا أملك إلا أن أشفق على هذا الرجل الذي يقدم نفسه دكتورا في الشريعة وفاهما لكتاب الله وهو الذي ينطبق عليه قول القائل ” رب عالم ليس له من علمه إلا الثرثرة ” في إشارة إلى خوائه المعرفي واهتزاز فهمه وحتى نبين الوهن والضعف الذي عليه هذا الدكتور المعروف والذي يتكلم في الدين ويدعي انتصاره للإسلام فسوف نناقشه من خلال النص القرآني كما رغب ونقول بأن الآية 58 من سورة النور لا تتحدث كما وهم وادعى محمد هداية على مواقيت الصلاة ولا تحدد عدد صلوات اليوم ولا تتكلم عن صلاة الفجر والعشاء بل هي لا تتحدث عن الصلاة مطلقا وإنما سياقها الذي جاءت فيه جعلها تتناول مسألة أخرى لا علاقة لها بالصلاة وهي مسألة آداب الدخول إلى البيوت وآداب الاستئذان في أوقات مخصوصة حينما يضع صاحب البيت ثيابه ويختلي إلى خصوصيته حيث نقرأ في سورة النور الآية 58 قوله تعالى ” يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم و الذين لم يبلغوا الحلم منكن ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن …” فالآية تتحدث عن أوقات محددة يمنع فيها على الخدم والصبيان الذين لم يبلغوا الحلم أن يدخلوا على أهل البيت من دون استئذان والدليل على أن النص القرآني يتحدث عن آداب الاستئذان أن الوقت الثاني الذي يمنع فيه الدخول دون استئذان هو وقت الظهيرة حين يضع أهل البيت ثيابهم في وقت الزوال فأين وجد محمد هداية أن هذه الآية جاءت تحدد عدد صلوات اليوم ؟
والشطحة الأخرى التي وقع فيها هي اعتباره أن الله فرض على المسلمين الصلاة في الليل فقط ولم يوجب عليهم صلوات في النهار والحال أن الآية التي استشهد بها من سورة هود تؤكد أن الصلوات المفروضة وقتها محدد بين طرفي النهار وهو ما بين الفجر إلى العشاء في قوله تعالى ” ” وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات …” أي أن الوقت المخصص للصلاة هو بين طرفي النهار فهذا الحيز الزمني من النهار تضبط خلاله صلوات مفروضة وليس كما فهم بأن الوقت المحدد للصلاة هو أول طرف النهار وأخره ومما يزيد وضوحا لهذا المعنى قوله تعالى ” في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها أسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة … ” الآية 36 و 37 من سورة النور والغدو هو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس والآصال أخر النهار عند غروب الشمس ففي هذا الوقت من النهار يمكن للمسلم أن يؤدي فرائضه لذلك قيل بأن المقصود بالغدو والآصال هي الصلوات منذ طلوع الشمس إلى غروبها فكيف يدعي محمد هداية أن القرآن قد أوجب صلاة ليلية فقط.
ما يمكن الخروج به من خلال هذه الوقفة الموجزة مع ما قاله محمد هداية والرد عليه من خلال المنطق الذي يحتكم له وهو الرجوع إلى آيات القرآن فقط من دون العود إلى الأحاديث النبوية أن هناك خلل فكري كبير عند جماعة القرآنيين في اجتزائهم للقرآن وتحميل آياته من التأويل ما لا تحتمل في عملية تعسف خطيرة تنتهي به إلى إفراغه من معناه وحقيقته وما تواتر من معان وأفهام وما أقرته اللغة والفهم العربيين .
ما يمكن قوله هو أن الجماعة القرآنية لها مشكلة مع الرسول صلى الله عليه وسلم جعلها تنكر الأحاديث النبوية وهم لا يعلمون أن المنطق الفكري الذي جعلهم يرفضون كل السنة النبوية هو نفسه الذي يجعلهم بالضرورة يردون القرآن إذ أن كلا من السنة والقرآن قد وصلا إلينا بطريق التواتر جيلا عن جيل و عصرا من بعد عصر إلى الإسلام المبكر .