نوفل سلامة يكتب: أحداث 3 جانفي 1984…إعادة بناء الذاكرة لتاريخ مشوه

كتب: نوفل سلامة  

خيّر الأستاذ عبد الجليل التميمي ومؤسسته للبحث العلمي والمعلومات أن يعود في ندوة يوم السبت 17 أفريل الجاري إلى الحديث من جديد عن الأحداث التي جدت في يوم 3 جانفي 1984 وأن يعيد فتح الملف الذي عُرف بانتفاضة الخبز بعد مرور سبعة و ثلاثين عاما على اندلاعها…
وعلى الرغم من الاعتقاد السائد من أن كل شيء قد قيل حول هذه الأحداث بعد أن تناولت الكثير من الكتابات هذه المحطة المفصلية في تاريخ تونس المعاصر وبعد أن تناولت العديد من الندوات الفكرية أسباب ونتائج ما حصل في سنة 1984 من أحداث مؤثرة في الوضع العام بالبلاد وما خلفته من تداعيات سياسية رتبت إلى ما حصل من تغيير على أعلى هرم السلطة في أواخر الثمانينات من القرن الماضي مازال تأثيرها يلاحقنا إلى اليوم.
هذه العودة التي حتمتها الرغبة في إعادة بناء الذاكرة الوطنية وحفظها من أجل كتابة تاريخ للبلاد يحاول أن يصالح الشعب مع تاريخه بعد أن تم تشويه الكثير من أحداثه ومحطاته وتحاول أن تقدم قراءة تاريخية تقترب بنسبة كبيرة من حقيقة ما حصل فعلا في تلك المرحلة متجاوزة القراءة التاريخية الأحادية والكتابة الموجهة والتي عادة ما تخدم الطرف السياسي القوي والمهيمن على الحكم والسلطة. فما قامت به مؤسسة التميمي في هذه الندوة هو محاولة لمراجعة السردية الرسمية التي هيمنت لفترة على الذاكرة الوطنية وإعادة كتابة الرواية التاريخية المتداولة لما حصل في تلك الفترة من شتاء سنة 1984 خاصة بعد ظهور الكثير من الكتب لفاعلين أساسيين في تلك الأحداث أو لأشخاص كانوا شاهدين على عصرهم فنقلوا ما عاينوه في مذكراتهم لتكون مادة للمؤرخ والمهتم بالتاريخ علّه يعيد القراءة والكتابة من جديد لتلك الأحداث المؤثرة.
المهمة لم تكن سهلة والرهان كان كبيرا خاصة وأن السردية المتداولة قد علقت بالأذهان وتبناها المؤرخون وروجها الإعلام عن قصد وغير قصد ويصعب مراجعتها لكن المفاجأة كانت مع الباحث رضا بن سلامة الذي شغل منصب مكلف بمهمة لدى الوزير الأول محمد مزالي وكان أحد المقربين من الشخصية السياسية التي حامت حولها كل القصة التي عرفت بأحداث جانفي 1984 بما يجعله شاهدا على أحداث تلك الفترة ومباشرا للكثير من  تفاصيلها من خلال تقديمه لقراءة جديدة لما حصل.

عرفت البلاد في أواخر سنة 1979 وضعا مترديا على جميع الأصعدة خارجيا وداخليا

قيمة المحاضرة التي قدمها الباحث رضا بن سلامة والتي اختار لها عنوانا ” أحداث جانفي 1984 : المنطلقات والملابسات والتداعيات ” تكمن في كون صاحبها قد عاد بالتاريخ إلى فترة ما قبل شهر جانفي 1984 وخيّر أن يتحدث عن فترة السبعينات من القرن الماضي وهي عودة ضرورية حتى نفهم الأسباب التي هيأت لما حصل من أحداث تاريخية مؤثرة في تاريخ تونس في فترة عرفت بترهل السلطة وضعف الحكم و تمسك الزعيم بورقيبة بكرسي السلطة وتشبثه به رغم بلوغه سن الثمانين وعدم قدرته على إدارة الحكم ، فذكر أن البلاد قد عرفت خلال عشرية السبعينات من القرن الماضي طفرة في المحاصيل الفلاحية عدت استثنائية وقياسية مع ارتفاع ملحوظ في مداخيل صادرات النفط التي بلغت هي الأخرى أرقاما قياسية جراء ارتفاع الانتاج المحلي وما رافقه من ارتفاع في أسعار النفط على المستوى العالمي من دون أن ننسى الارتفاع في صادرات الفسفاط فكل هذه المحاصيل المالية قد أثرت إيجابا على خزينة الدولة بما وفرته من أموال غير مسبوقة كان من المفترض أن تلقى بظلالها على الوضع الاجتماعي وتعود بالنفع على الشعب وخاصة على الفئات الضعيفة والمتوسطة لكن ما حصل كان عكس ذلك حيث عرفت البلاد في أواخر سنة 1979 وضعا مترديا على جميع الأصعدة خارجيا بتأزم العلاقة مع كل من ليبيا والجزائر وداخليا ببروز طبقة اجتماعية جديدة من رجال الأعمال هي من استفاد في المقام الأول بكل القوانين التي وضعت من أجل الانفتاح الاقتصادي الذي راهنت عليه الدولة لتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية إلى جانب ما عرفته المؤسسات العمومية من عجز مالي أثقل كاهل الدولة واضطرها إلى التدخل لإنقاذها وتمويلها من خزينة الدولة. كل هذه التحولات التي عرفتها البلاد في أواخر السبعينات أدت إلى تصدع السلم الاجتماعي وظهور موجة من الغضب والاحتجاجات على سياسة الحكومة وخروج مظاهرات تطالب برفع الأجور وتحسين ظروف العمل كان من نتائجها تأزم المناخ الاجتماعي والسياسي ولجوء السلطة الحاكمة إلى محاولات لإخماد الاحتجاجات بتبني سياسة قمعية من خلال الاعتقالات والمحاكمات التي طالت صفوف المعارضين من الطلبة والنقابيين والسياسيينهذا الوضع السياسي والاجتماعي المشحون وما صاحبه من  وضع الاقتصادي المأزوم هو الذي كان مقدمة لما حصل من أحداث في جانفي 1984 حيث تواصل التراجع الاقتصادي واستمر الاحتقان الاجتماعي ومن دون العودة إلى مرحلة السبعينات وخاصة في سنواتها الأخيرة لا يمكن فهم ما حصل خلال عشرية الثمانينات وهذا ما حصل فعلا حيث شعرت الحكومة بصعوبة المرحلة ودقتها على النظام السياسي فحاولت منذ سنة 1981 امتصاص الغضب الشعبي وتهدئة الأوضاع السياسية بعملية تنفيس سياسي سمحت للمعارضة بالتواجد والعمل القانوني وعلى المستوى الاجتماعي اتخذت السلطة جملة من الاجراءات والقرارات تضمنها المخطط السادس للتنمية الاقتصادية والاجتماعية 1982 – 1986 كان من أهم محاوره المؤثرة الاهتمام بالصندوق العام للتعويض الذي تم إحداثه في سنة 1970 من أجل مرافقة الفئات الضعيفة ودعم الفئات المحتاجة والحفاظ على الطبقة المتوسطة  في سياسة اختارتها الدولة لتركيز العدالة الاجتماعية بين الشعب غير أن هذا الصندوق الذي خصصت له الدولة 7 مليون دينار من ميزانيتها لدعم المقدرة الشرائية للمواطن و دعم المواد الاستهلاكية الضرورية ومجاراة ارتفاع الأسعار للمواد المستوردة واحتواء نسبة التضخم في حدود معقولة وتشجيع الإنتاج الوطني قد أدى وظيفته واستنفذ أغراضه واتضح بعد تجربة عشرية كاملة أنه في حاجة إلى مراجعة وإعادة نظر حتى يحافظ على هدفه الأول الذي من أجله انشأ خاصة بعد أن تم الانحراف به وتوظيفه في مجالات لا علاقة لها بالمقدرة الشرائية للمواطن ولا بدعم المواد الاستهلاكية اليومية المباشرة ما تسبب في حصول عجز واضح في موارد الصندوق.

كان للوزير الأول محمد مزالي وعي بأن إيقاف نزيف العجز في صندوق الدعم وإصلاح منظومته يمر بالضرورة عبر مراحل وبهدوء ودون إحداث هزات

هذا القرار الذي اتخذته القيادة السياسية بمراجعة صندوق الدعم والذي له علاقة مباشرة بعيش المواطن هو الذي سوف يكون له الأثر المباشر في اندلاع أزمة سياسية واجتماعية في شهر جانفي من سنة 1984  لكن مع هذا القرار الضروري لتدارك العجز في موارد الصندوق كان للوزير الأول محمد مزالي وعي بأن إيقاف نزيف العجز في صندوق الدعم وإصلاح منظومته يمر بالضرورة عبر مراحل وبهدوء ودون إحداث هزات من شأنها أن يكون لها تداعيات اجتماعية خطيرة خاصة وأن الرؤية الاصلاحية متجهة نحو التقليص من التعويض ورفع الدعم نهائيا مع الحفاظ على مستوى من العيش المحترم للفئات الضعيفة مع ضرورة تهيئة المناخ الملائم لمثل هذه النوعية من الإصلاحات.
في هذا المستوى من التحليل يقف المحاضر على فكرة مهمة وهي حصول خلاف في القيادة السياسية بين مقاربة الانتقال الجذري والتجاوز الكلي لتدخل الدولة في المواد الأساسية وبين مقاربة التغيير التدريجي وتهيئة المجتمع القابل بالتغيير وقد كان الزعيم بورقيبة تحت تأثير بعض المقربين منه يميل إلى التصور الأول وهي مسألة مفهومة، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار سنه ووضعه الصحي حيث كان هاجسه الأول الشعور بالاستقرار وتحقيق الأمان وهذا لا يكون إلا بإنهاء الموضوع في أقرب وأسرع وقت، فالرئيس بورقيبة لم يكن وفي وضعية تسمح له بمزيد من الانتظار والترقب.
يعتبر رضا بن سلامة أن الحدث الذي حسم الخلاف ومثل منعرجا في تطور الأحداث التي أدت إلى الاحتجاجات الاجتماعية هو الخروج المفاجئ لمنصور معلى وزير التخطيط والمالية في حصة تلفزية في شهر أفريل 1983 وإعلانه أن الحكومة تنوي التراجع عن مجانية التعليم ومراجعة صندوق الدعم الذي بات يرهق ميزانية الدولة ويسبب لها مزيدا من العجز مما اضطر الوزير الأول محمد مزالي للتدخل المباشر عبر الهاتف ويؤكد بأن مجانية التعليم مكسب لتونس المستقلة وليس محل جدال وأن الحكومة لم تتخذ بعد أي إجراء بخصوص رفع الدعم عن الخبز ومشتقات الحبوب ومنذ تلك الحادثة فهم محمد مزالي أن جهات مقربة من قصر قرطاج بصدد التحرك من أجل الحكم والسلطة توظف الملف الاجتماعي والمقصود هنا تحديدا زوجة الرئيس وسيلة بورقيبة وهذا يعني أنه كما لا يمكن فهم أحداث جانفي 1984 من دون العودة إلى مرحلة السبعينات كذلك لا يمكن فهم هذه الأحداث من دون استحضار ما حصل من صراع على السلطة ومن محاولات الاستحواذ عليها وترتيب الحكم لما بعد بورقيبة .. وتواصل الحذر والترقب وبدأت الماكينة التي تقودها وسيلة في العمل موظفة ملف الدعم وغضب الناس من تراجع وضعهم الاجتماعي.

هكذا استغلت وسيلة بورقيبة الخلاف بين محمد مزالي ومنصور معلى بخصوص المنتجات المدعمة

يذكر المحاضر حدثين بارزين أثرا بقوة في التعجيل بحصول احتجاجات شعبية في شهر جانفي من سنة 1984 كانت وسيلة بورقيبة وراءهما: الأول التحقيق الذي أنجزته الاذاعة والتلفزة التونسية عن تواجد أكوام من الخبز ملقاة على الطريق بطلب من وسيلة بورقيبة وبتنسيق مع المرحوم المنصف بن محمود الذي كان وقتها على رأس إدارة التلفزة حيث دفعته إلى إنجاز هذه الحصة وطلبت منه أن يبثها في الوقت الذي يكون فيه الرئيس على استعداد لمتابعة البرامج التلفزية. وهذه الحقيقة قد أكدها المنصف بن محمود قبل وفاته وذكرها محمد مزالي في كتابه ” نصيبي من الحقيقة ” كما ذكرها الدكتور عمر الشاذلي في كتابه ” بورقيبة كما عرفته ” حيث قال بأن وسيلة استغلت الخلاف بين محمد مزالي ومنصور معلى بخصوص المنتجات المدعمة ورغبة معلى في رفع أسعار بعض المنتجات الأساسية فانطلقت في حملة ضد تبذير الخبز الذي كان سعره منخفضا جدا ومدعم من الصندوق العام للتعويض قائلة للرئيس ” إن حاويات الزبالة مملوءة في المدن بالخبز وفي الأرياف يقدم الخبز كعلف للماشية … وتمت دعوة شيخ المدينة تونس المرحوم زكرياء بن مصطفى الذي أكد له ذلك …” كما أكد هذه الحادثة الرئيس المرحوم الباجي قائد السبسي في كتابه ” الحبيب بورقيبة المهم والأهم ” قائلا : ” في هذه الأزمة تم الإيقاع بمحمد مزالي في الفخ عندما طلب منه الرئيس لعدة مرات الرفع من سعر الخبز ومانع محمد مزالي طويلا … “
وهكذا تم الضغط على الرئيس بورقيبة للتسريع في تنفيذ قرار رفع الدعم عن المواد الأساسية حتى وصل الأمر إلى أن طلب بورقيبة من مزالي في 19 سبتمبر 1983 وهو يستعد للسفر إلى ألمانيا بضرورة مضاعفة سعر الخبز بعد أن رأى برنامجا حول تبذير الخبز وهكذا أضحى الإصلاح واقعا وقرارا ولم يبق إلا موعد التطبيق خاصة بعد أن واصلت وسيلة بورقيبة حملتها لإقناع الرئيس بتعجيل رفع الدعم وهو في ألمانيا في فترة استجمام حيث ذكر الدكتور عمر الشاذلي في كتابه ” لم ينفك مؤيدو الترفيع في أسعار الخبز من التوافد للدفاع على هذه المندوحة …”
وبعد عودة الرئيس من ألمانيا حاول محمد مزالي إقناعه بإرجاء إلغاء التعويض ورفع الدعم غير أن بورقيبة وأثناء ترؤسه لمجلس وزاري في 10 أكتوبر 1983 وقبل دخوله إلى قاعدة الاجتماعات جلس في مكتب الوزير الأول محاطا بعدد من الوزراء وردد تصميمه على أن يعلن المجلس القرار بمضاعفة سعر الخبز ومشتقات الحبوب فتدخل محمد مزالي مجددا وطلب منه إمهال الحكومة. فقال بورقيبة لماذا نضيع الوقت؟ فأجابه الوزير الأول حتى نتمكن من دراسة مجموعة من الاجراءات المرافقة ومراجعة اتحاد الشغل واتحاد الفلاحين وأصحاب المخابز والمطاحن، فتظاهر بورقيبة بالموافقة ولكن حالما جلس في قاعة الاجتماعات توجه إلى وزير الإعلام بحضور الصحفيين ومصورى التلفزة وطلب منه نشر بلاغ يعلن فيه مضاعفة سعر الخبز ومشتقات الحبوب.
المهم في هذه الأحداث أن الشحن الذي قامت به وسيلة بورقيبة قد أتى أكله وأن محمد مزالي وجد نفسه في وضعية مطالب فيها بالتفاوض مع اتحاد الشغل الذي انتهى رغم انقسامه إلى الموافقة على رفع الدعم حيث نقل الطيب البكوش في حوار له في ” مجلة ليدز” بتاريخ 3 أوت 2020 موافقة الحبيب عاشور على رفع الدعم بشرط تعويض الضرر للأجراء، وهكذا وضعت الحكومة حزمة من الإجراءات والقرارات في مقابل رفع الدعم منها إسناد منحة قدرها 1.500 د للشخص الواحد إلى حد 6 أشخاص لعائلة الأجير وتسند هذه المنحة ابتداء من غرة جانفي 1984 للأجراء الذين لا يتجاوز أجرهم 300 د.
لكن ما حصل هو إندلاع الاحتجاجات يوم 28 ديسمبر 1983 في مدينة دوز من ولاية قبلي قبل أن تتمكن الحكومة من صرف المنحة على العائلات المستحقة وامتدت المظاهرات إلى باقي المدن والجهات حتى وصلت إلى العاصمة وحصلت صدامات عنيفة أودت بحياة الكثير من الضحايا في صفوف المتظاهرين وقوات الأمن كما حصلت أعمال نهب وحرق كانت نتيجتها إيقافات كثيرة ومحاكمات قاسية لا تزال إلى اليوم محل جدل كبير خاصة فيما تعلق بالأحكام الصادرة بالإعدام بحق مجموعة أريانة ومجموعة الملاسين.
المفيد في كل ما جاء على لسان الأستاذ رضا بن سلامة أن اندلاع الاحتجاجات في يوم 3 جانفي 1984 لم يكن بريئا وأن خيوطا تحركت للتسريع بالاحتجاجات قبل أن تصرف التعويضات وقبل أن تدخل القرارات الجديدة حيز التنفيذ وهنا أشار المحاضر إلى حصول بطء في توزيع الإعانات وحصول خلل اتصالي عجل بإشعال لهيب الغضب كما أشار المحاضر إلى تورط عناصر أمنية وسجناء تم تسريحهم وتمكينهم من رخص في الأحداث وحصول تراخ أمني في التعاطي مع الاحتجاجات في بعض الجهات بما يحيل إلى الدور الذي لعبه وزير الداخلية السابق ” إدريس قيقة ” حينها والذي كان قريبا من وسيلة بورقيبة حيث أثبت التحقيق الذي فتح بعد الأحداث لمعرفة ما حصل وجود تقصير كبير في الجانب الأمني حيث لم تهدأ الاوضاع إلا بعد أن تدخل الجيش لضبط الأمن وتمت إدانة وزير الداخلية ووجهت إليه تهمة الخيانة العظمى وحكم عليه غيابيا بعشر سنوات سجن .

يقول المرحوم الهادي البكوش: «إن أحداث الخبز كانت وراءها حسابات سياسية للقضاء على الوزير الأول محمد مزالي»

ما هو مفيد في هذا التحليل الذي قدمه الأستاذ رضا بن سلامة وهذه الشهادة الجديدة عن محطة تاريخية مؤثرة هو خروج العديد من الفاعلين السياسيين عن صمتهم بعد أن تحررت الكلمة وظهور العديد من الكتابات التي زادت من إلقاء الضوء على هذه المرحلة التي كتبت في إتجاه واحد وبسردية أظهرت الرئيس الحبيب بورقيبة هو الفاعل الوحيد في الأحداث والحال أن ما حصل ليس له علاقة بعملية الإصلاح الاجتماعي ولا بداعي الحرص على المصلحة الوطنية ومصلحة الشعب وإنما أحداث 3 جانفي 1984 كانت في حقيقتها أحداثا من أجل الصراع على الحكم والسلطة وظفت فيها القضية الاجتماعية وعذابات الشعب ووجهت فيها أصابع الاتهام للوزير الأول محمد مزالي والحال أن الفاعلين فيها والذين أثروا في أحداثها ووجهوها الوجهة التي يريدون أطراف أخرى كانت في مقدمتهم زوجة الرئيس ووزير الداخلية وآخرون كانوا في حزام الحكم وفي جناح الماجدة .. يقول المرحوم الهادي البكوش في برنامج شاهد على العصر ” إن أحداث الخبز كانت وراءها حسابات سياسية للقضاء على الوزير الأول محمد مزالي وأن الخلاف بينه وبين وسيلة بورقيبة قد بدأ في سنة 1981 عندما حصل الخلاف حول النواب المرشحين لخوض الانتخابات وقررت إزاحته لما احتد الصراع بينهما وكان من وسائل الإزاحة افتعال مظاهرات في الشوارع وغضب شعبي واستغلاله لإقناع الرئيس بورقيبة بأن محمد مزالي لا يصلح ليكون وزيرا أول .”
لم تكن الغاية من هذه الندوة الفكرية تبرئة المرحوم محمد مزالي ولا إبعاد المسؤولية عنه فيما حصل من أحداث دامية كما لم تكن الغاية الدفاع الأعمى عن الوزير الأول أحد شخصيات الجيل البورقيبي من الذين وثق فيهم بورقيبة وإنما الغاية كانت محاولة لإعادة تأثيث الذاكرة الوطنية وتنقيتها مما شابها من روايات موجهة و محاولة لإعادة قراءة تلك المرحلة من التاريخ وإعادة كتابتها من زاوية أخرى بعد أن توفرت اليوم الكثير من الشهادات لفاعلين سياسيين عايشوا الأحداث ولم يكونوا قريبين من محمد مزالي كالمرحوم المنجي الكعلي مدير الحزب السابق الذي أثبت المؤامرة التي حيكت ضد البلاد و شهادة هؤلاء قد فرضت إعادة القراءة وإعادة الكتابة من أجل سردية وطنية لتاريخ تونس المعاصر تقربها بنسبة كبيرة من حقيقة ما حصل .. و يذكر المنجي الكعلي في كتابه ” في خدمة الجمهورية ” أن كل الناس في البلاد نتيجة الشحن السياسي والإعلامي الذي مارسته وسيلة بورقيبة ومن معها، كانوا ضد مزالي لكن الرئيس بورقيبة كان له موقف آخر حيث رد على محمد بنور لما قال له بأن الحكومة قد اخطأت ويجب معاقبتها ” إن مزالي لم يفعل شيئا وإنما أنا الذي أمرته بذلك “
… إن تاريخ تونس القديم والحديث هو تاريخ من أجل الصراع على السلطة والاستحواذ على الحكم وما يحصل من أحداث دموية هو توظيف له.