نوفل سلامة يكتب: ابن الهيثم فيلسوفا .. لماذا لم تتحقق الحداثة عندنا؟

كتب: نوفل سلامة
في برنامجها الذي تقدمه على أمواج “الإذاعة الثقافية” وهو برنامج مخصص لطرح الأفكار الفلسفية وفيه فسحة لمعالجة القضايا الاشكالية في الفلسفة الغربية والعربية الإسلامية ، تساءلت الأستاذة الدكتورة أم الزين بن شيخة المتخصصة في تدريس الفلسفة في الجامعة التونسية عن السبب الذي جعل العرب والمسلمين لا يحققون حداثة خاصة بهم؟
وكيف نفسر أن الحداثة بكل انجازاتها التي عرفت بها قد تحققت في الغرب ولم تتحقق في المجال العربي والإسلامي ؟ وكيف نفهم أن المقدمات المعرفية التي صاغت عصر الأنوار الأوروبية وقامت على أساسها الحداثة الغربية كانت متوفرة وموجودة في الحضارة الاسلامية غير أنه تم إهدارها ولم يقع مواصلة الجهد المعرفي الذي تحقق في الفترة الزمنية التي سميت بالعصور الوسطى لتحصل القطيعة المعرفية وتنتقل كل المعارف والعلوم والأفكار إلى بلدان ما وراء البحار ويتم تبنيها من طرف مفكري الغرب وبها انجزوا حداثتهم التي هي اليوم تتحكم في كل المعمورة.
طرحت أم الزين بن شيخة هذا السؤال المعرفي والفلسفي على ضيقها الدكتور جلال ا الدريدي الباحث في تاريخ الفلسفة والعلوم العربية والإسلامية والمتخصص في فكر الطبيب الفيلسوف أبو على بن الحسن بن الهيثم ( 430 هـ / 354 هـ ) صاحب المؤلفات الكثيرة في شتى العلوم من هندسة ورياضيات وعلم فلك وخاصة إسهاماته التي بزغ بها في مجال علم البصريات واكتشافاته التي عرف بها في قضايا الضوء والأجسام والإدراك البصري للفضاء الذي غير فكرة الإبصار . وعلاقة سؤال الدكتورة أم الزين بموضوع الحداثة أوضحه الدكتور جلال الدريدي من خلال حديثه عن مفهوم المكان عند ابن الهيثم حيث اعتبر أن ريادة هذا الفيلسوف الطبيب ليس فقط في ما قدمه من إسهامات في مجال البصريات وتشريحه للعين وقضية الإبصار والرؤية العاكسة وهي قضايا سبق بها علماء الغرب بقرون عديدة وإنما الإسهام الكبير الآخر فيما توصل إليه في موضوع الفضاء ومفهوم المكان ومناقشته لأرسطو ومعارضته واختلافه معه حول مفهوم المكان في رسالة عنوانها ” قول في المكان ” نقلت مع ما نقل من مؤلفات عربية إلى الغرب وتبناها رينيه ديكارت في القرن السابع عشر ميلادي الذي كتب رسالة في المكان مستوحاة كلها من كتاب إبن الهيثم ولكن من دون أى إحالة على هذا الفيلسوف العربي وهذه قضية أخرى عن السرقات العلمية والفكرية التي حصلت في فترة انحدار الثقافة العربية والإسلامية وتراجع حضارتهم ودخول العالم الاسلامي والعرب المسلمين في سبات معرفي كبير انجر عنه استحواذ الغرب على الكثير من مؤلفات المسلمين ليتم تبنيها من قبل فلاسفة الغرب من دون الإحالة على أصحابها الأصليين وما حصل مع ديكارت وكتاب المكان لابن الهيثم هو عينة من السرقات الكثيرة التي نجدها في مؤلفات كبار مفكري الغرب.
ما يهمنا هنا والذي أبرزه الدكتور جلال الدريدي بخصوص سؤال أم الزين ين شيخة أن الإضافة التي قام بها ابن الهيثم في تقديم مفهومه عن المكان مختلف عن مفهوم من سبقه وخاصة الفيلسوف أرسطو الذي عرف المكان على ” أنه الشيء ثنائي الأبعاد الساكن الذي يحتوي الجسم الذي يتصل به ” في حين أثبت ابن الهيثم أن المكان ” هو فراغ ثلاثي الأبعاد بين الأسطح الداخلية للجسم الذي يحتويه ” وأوضح أن المكان هو أقرب إلى الفضاء وهو المفهوم الذي تبناه رينيه ديكارت فيما بعد وقدمه للناس على أنه من إنجازه..
المفيد في حديث جلال الدريدي عن إبن الهيثم ونظريته عن المكان والفضاء هو أنه قد تفطن مبكرا إلى موضوع الفرد في علاقته بالمكان وقيمة الإنسان في الفضاء وهذا الحديث المبكر عن الفرد وعلاقته بالمكان والفضاء يفيد حينما ندرك أن الحداثة الغربية قامت على مجموعة من الأفكار الرئيسية منها فكرة إعلاء قيمة الفرد وإعطائه مكانة متقدمة عن مكانة المجموعة حيث مع عصر الأنوار وفكر الحداثة أصبح الحديث عن الفرد وحقوقه حديثا مكثفا ومن هذا الحديث جاء الحديث عن الحقوق الكونية وعن الهوية الجامعة وعن أهمية الفرد في الدولة وبهذا الفكر الحداثي الغربي صيغت الكثير من الأفكار التي تأسست عليها الأنظمة الديمقراطية والأنظمة الاجتماعية وبفضلها جاء الحديث عن قضية الهوية والانتماء للأمة والوطن ومن هذا المفهوم تحدث الكثير من المفكرين مثل المفكر الألماني هبارماس عن علاقة الفرد بالفضاء العام وحديثه عن أحقية الفرد لكل ما هو فضاء عام وهذا هو فكر الحداثة الغربية التي نحسب أنه في جانب منه ثمرة الإنجاز المعرفي الذي حققه ابن الهيثم عن مفهوم المكان والفضاء .
لماذا لم نستثمر ابن الهيثم كما استثمره الغرب من دون ذكر إسمه أو الاحالة على مؤلفاته ؟ لقد كان بالإمكان أن ننجز حداثة خاصة بنا ونحقق حداثة عربية إسلامية لو راكمنا المعرفة ولم نقم بتلك القطيعة المعرفية البلهاء مع موروثنا العلمي و واصلنا الجهد الذي بذله القدامى ولم نترك الغرب يأخذ علومنا ويتبنى أفكار علمائنا .. لقد كان بالإمكان أن تكون لنا خصوصيتنا وتميزنا وحداثتنا فقط لو أعلينا من قدر وقيمة فلاسفتنا من أمثال ابن الهيثم والفارابي والخوارزمي وابن رشد وغيرهم.
لقد حقق الغرب حداثته وتخلفنا نحن لأن الغرب أدرك جيدا قيمة العقل العربي ووعي قيمة ابن الهيثم وكل علماء وفلاسفة الحضارة العربية والإسلامية. . لماذا حقق الغرب حداثته وعجزنا نحن هو سؤال قديم جديد طرحه رواد النهضة العربية في أواخر القرن التاسع عشر حينما تسائل شكيب أرسلان في كتابه ” لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم ؟” وطرحه أبو الحسن الندوي في كتابه ” ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ؟ ” وهو نفس السؤال تعيد طرحه من جديد أم الزين بن شيخة ولكن الإجابة عنه بقيت عالقة.