نوفل سلامة يكتب: استحقاقات الداعمين لمسار 25 جويلية.. وأولويات الرئيس الملحة

بناء الديمقراطية

كتب: نوفل سلامة  

بإجراء الاستفتاء والانتهاء من عملية التصويت على الدستور الجديد تكون البلاد قد انتقلت الى مرحلة جديدة من تاريخها، وقطعت مع مرحلة حكم عرفت الكثير من التشنجات والكثير من الجدل والاختلاف في تقييم الأداء السياسي وكل المنجز الاجتماعي والاقتصادي لـ عشرية قادتها نخب وأحزاب ومنظومة حكم عليها بالفشل…

بالتصويت على مسار 25 جويلية ومعه التصويت على شخص الرئيس تكون البلاد قد انتقلت كذلك من حالة المؤقت والوضع الاستثنائي المؤسس على نظرية الخطر الداهم الذي جاء به الفصل 80 من دستور سنة 2014 إلى الوضع المستقر والحالة الدائمة والثابتة، وبذلك نكون قد انتهينا من مسألة تنازع الشرعيات والانتهاء من حالة الغموض وتعايش مشهدين سياسيين يتصارعان مشهد قديم تشكل فيما يُعرف بمنظومة الثورة التي تشكلت منذ 2011 لا تزال تصارع وتقاوم من أجل البقاء يمثلها البرلمان المنحل ورئيسه وجزء من الأحزاب السياسية ومكونات المجتمع المدني وجانب من الأجسام الوسيطة ويسندها جانب من الشعب…
ومشهد جديد ظهر بعد حراك 25 جويلية 2021 يريد أن يهيمن ويقود المرحلة القادمة في محاولة لتصحيح مسار الثورة واستعادة وهجها ومواصلة تحقيق أهدافها التي تم التلاعب بها وتحريفها.

تحول سياسي

ومع هذا التحول السياسي بالاستفتاء على الدستور بـ نعم والانتهاء سياسيا وقانونيا مع منظومة حكم ما قبل 25 جويلية 2021 تكون السلطة قد انتقلت بالكلية إلى شخص الرئيس قيس سعيد الذي تجمعت عنده وحوله كل السلطات ولم يعد ينازعه أحد في إدارة الشأن العام واتخاذ القرار، وبذلك تم تحديد المسؤولية عنده مما سيسّهل على الشعب عملية المساءلة بعد أن تم التخلي على فكرة توزيع المسؤولية السياسية بين الرئيس والبرلمان والحكومة، كما كان الحال في دستور سنة 2014 والتي حالت وصعبت عملية تحميل المسؤولية في حالة الفشل والتخلف عن الوعود.

مشروعية الاستفتاء…

الاستفتاء على الدستور الجديد قد أعطى للرئيس مشروعية لاستكمال ما كان قد وعد به من بناء مجتمع جديد ودولة جديدة بأسس وفكر جديدين وفق شعار ‘التأسيس الجديد والشعب يريد’… وبذلك يكون الرئيس قد نقل إليه ولوحده مسؤولية نجاح هذا المسار الجديد، وهذا لا يكون إلا بتقديم منجز اقتصادي واجتماعي وسياسي يكون أفضل مما تحقق مع منظومة الثورة وحكومات ما بعد 2011 التي انتقدها قيس سعيد بشدّة وحملها مسؤولية فشل عشرية كاملة من دون تحقيق استحقاقات من قام بالثورة واتهمها بأنها قد جوعت الشعب وفقرته ونكلت به…
فما يطالب به أنصار الرئيس ومن منحه الثقة في انتخابات 2019 واستفتاء 25 جويلية 2022 هو ضرورة المرور بالسرعة القصوى نحو تحقيق كل الوعود التي رددها الرئيس في كل ظهور إعلامي له والمرور بنفس السرعة نحو بناء الجمهورية الجديدة الشعار الذي رفعه الرئيس منذ قدومه إلى السلطة، فالشعب اليوم أو على الأقل جزء من الناخبين التونسيين الذين يمثلون الخزان الانتخابي للرئيس والمساندين له بقوة لم يعد يستهويهم الكلام الجميل ولا الأماني الطيبة ولا النوايا الحسنة ولا الخطابات الفضفاضة…
وإنما ينتظرون أفعالا حقيقية وأن يروا على أرض الواقع إنجازات وأفعال ونتائج ملموسة بالقدر المطلوب الذي يشعر بأن شيئا ما قد تغير أو بصدد التغير، وبأن هناك إرادة سياسية صادقة نحو الفعل وهذا مهم لذهنية المواطن الذي سئم الوعود الكاذبة والأماني الزائفة فما يطالب به الناس هو أن يروا إرادة حقيقية وأفعال على أرض الواقع وأن يلحظوا أن الدولة في طريقها الصحيح…وعندها فقط يمكن للشعب أن يصبر ولا يطالب بالنتائج المستعجلة.

اجراءات مستعجلة

ما يطالب به الناس اليوم دون انتظار ولا ترقب هو أن يروا إجراءات مستعجلة قد اتخذت في مجال توفير الخدمات بالحد الأدنى الذي يشعر بالمواطنة، والانتماء إلى دولة تحترم نفسها وتحترم مواطنيها وتكون حاضنة لشعبها ومرافقة له…
دولة تعمل على تحسين مختلف الخدمات التي يحتاجها المواطن لتيسير حياته في مجال النقل الذي عليه أن يتحسن كثيرا حتى نخفف من المعاناة اليومية للكثير من أفراد الشعب الذين يستعملون النقل العمومي في تنقلاتهم فيما بات يعرف بجحيم النقل العمومي ونفس الشيء في قطاع الصحة الذي تراجعت الخدمات فيه كثيرا وأصبح مشكلة المشاكل بعد أن نخره الفساد وتحكمت فيه جهات نافذة ومتحكمة في تسييره وعاقته إخلالات كثيرة أرهقت عيش المواطن الذي يضطر إلى الذهاب إلى هذا المرفق العمومي الذي يعاني اليوم الكثير من المشاكل على مستوى البنية التحتية ونقص المعدات والإطار الطبي وشبه الطبي والازدحام والمواعيد المؤجلة لأشهر…

ونفس هذه الملاحظات تنسحب على قطاعات كثيرة أخرى من تعليم وخدمات إدارية وخدمات بلدية في علاقة بحالة الطرقات التي لم يعد أغلبها صالحا للاستعمال والوضع البيئي وحالة النظافة التي تراجعت إلى الحد الذي أضحى ملاحظة قارة عند كل زائر لبلادنا…

تفكيك منظومة الفساد

ما يطالب به الناس في قادم الأيام وعلى المدى القصير أن يروا مواصلة في محاربة الفساد وتفكيك منظومته الصلبة والممتدة والمتحالفة والنافذة وأن يروا تغييرا في المنظومة الاقتصادية والتجارية المتهالكة و المتآكلة والتي تتحكم فيها التجارة الموازية والنشاط الاقتصادي خارج الأطر القانونية…
وتتحكم فيها شبكات تهريب وتخزين وتوريد الكثير من البضائع والمواد الغذائية هي اليوم تمثل إحدى نقاط ضعف الاقتصاد التونسي بعد أن اتضح أن أكثر من 60 بالمائة من النشاط التجاري يدار خارج الاقتصاد الرسمي ودون إشراف من الدولة وأحيانا بتعاون من هياكلها…
وهذا يحتاج إلى تغيير في منوال التنمية ومراجعة الخيارات الاقتصادية وهي مسألة دقيقة وراءها قوى وشبكات مصالح داخلية وأجنبية من مصلحتها أن يبقى الحال على ما هو عليه وهذه معركة أخرى من معارك السيادة الوطنية التي نحتاج أن نخوضها بقوة حتى نبني منوال تنمية جديد من دون تدخل للقوى الخارجية أو إملاءات خارجية يقطع مع القديم، ويغيّر من الأولويات والخيارات في اتجاه إعطاء قطاع الفلاحة الأولوية المطلقة من الاهتمام و الاستثمار والتمويل والدعم المادي بدل قطاع السياحة الذي تسنده رؤوس أموال داخلية ومصالح خارجية… 

منوال تنمية هدفه الأول تحسين حال الفئات الفقيرة ومن شأنه أن يطور من حال وواقع الأرياف المهمشة والمناطق الداخلية المحرومة وكل الشعب المنسي من السكان الذين لا يربطهم بالدولة وعلاقتهم بالسلطة منحصرة في الحصول على بطاقة تعريف وطنية وتوفير عمود كهرباء لإيصال الإنارة إلى المنازل لا غير…
هذه الجهات وهذه الفئات من الشعب تستحق أن تعتني بها الدولة وأن ينالها نصيب من الثروة الوطنية وقدر من العيش الكريم بالحد الذي يشعرهم بأنهم مواطنون حقيقة وأنهم من سكان هذه البلاد ولا غرباء فيها لذلك فإن المطلوب في المنظور القريب أن نرى تنمية حقيقية لا وهمية في هذه الجهات التي أقصتها دولة الاستقلال وزاد تهميشها بعد الثورة وخاصة توفير جملة من الخدمات الحياتية التي تعد من حقوق الإنسان الأساسية من تمتع بالماء الصالح للشراب بالجودة المطلوبة وفي حنفية المنازل والتمتع كذلك بقنوات الصرف الصحي وتوفير طرقات معبدة كما هو الحال في سائر جهات البلاد المرفهة وخدمات صحية معقولة ومقدرة شرائية تسمح بتوفير الحاجيات من الغذاء دون عناء ولا الاضطرار إلى التداين إن أمكن له ذلك.

ملف التشغيل

ما هو مطروح على عاتق الرئيس في القريب العاجل هو أن يفتح ملف التشغيل بكل جدية وأن يجد حلولا للشباب العاطل والذي طالت بطالته وأن يتدخل لحل موضوع التشغيل الهش ومراقبة آلية التشغيل الموجودة التي تضم ألاف العاملين في ظروف غير آمنة تحتاج إلى التحسين وأن يجد بديلا للقانون عدد 38 الذي أقره البرلمان السابق المتعلق بتشغيل من طالت بطالتهم على دفعات سنويا في الوظيفة العمومية وهو الإجراء الذي رفضه الرئيس قيس سعيد واليوم بعد أن استتب له الأمر من المفروض أن يقدم عرضا جديدا لهذه الفئة من الشباب الذين ساندوه بقوة ونجدهم اليوم يفقدون الثقة من جديد في المستقبل وتسلل إليهم اليأس من التغيير وأعلنوا بكل وضوح أن الحلم في تونس لم يعد ممكنا وأن الحل في الهجرة السرية وفي المغامرة البحرية إلى بلدان ما وراء البحار من أجل الوصول إلى الجنة الموعودة المتوهمة ولكنها خيار اضطراري وخيار من لا خيار له حسب ظنهم…

رسائل طمأنة

ما هو مطروح اليوم و بإلحاح كبير على الرئيس قيس سعيد أن يقدم رسائل طمأنة لكافة الشعب بخصوص ظاهرة غلاء الأسعار المتواصلة التي صعبت الحياة والعيش على شرائح كثيرة حتى وصلت إلى الطبقة المتوسطة لإيجاد الحلول لتحسين المقدرة الشرائية وإيقاف نزيف تراجعها المستمر بعد أن كشفت معطيات المعهد الوطني للإحصاء أن المرتب الشهري لا يصمد لأكثر من 17 عشر يوما في الشهر ليجد الموظف نفسه بعده في صراع من أجل توفير المال الناقص لتأمين الأيام المتبقية من الشهر .. على الرئيس أن يواصل التصدي للمضاربين والمحتكرين وشبكات التجارة غير المشروعة وظاهرة تهريب السلع المدعمة وتخزين المنتجات الغذائية والفلاحية بصفة غير قانونية من أجل خلق حالة من الندرة في الأسواق لترتفع بعدها الأسعار من أجل تحقيق الربح السريع و غير الشرعي.

ما هو مطلوب اليوم

ما هو مطلوب اليوم ومحمول على عاتق الرئيس ويعتبر من أولويات المرحلة والحكم وطالب به كل من صوت لمشروع الدستور الجديد أن تمر الدولة ومن ورائها الرئيس قيس سعيد إلى اتخاذ جملة من الإجراءات المستعجلة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي وهي إجراءات تعتبر اليوم أم المعارك من أجل أنجاح المشروع المجتمعي الذي بشر به…
فهل يعيد التاريخ نفسه مع الرئيس قيس سعيد ويعيدنا إلى الزمن البورقيبي عندما أعلن الرئيس الحبيب بورقيبة أن الدولة اليوم في مرحلة الجهاد الأكبر بعد أن أنهت جهادها الأصغر وأن التنمية وبناء الدولة وتشييد المؤسسات أولوية كبرى واليوم الرئيس قيس سعيد وهو يعد ببناء جمهورية جديدة ودولة جديدة وحياة سياسية جديدة عليه أن يراجع كل الخيارات الاقتصادية والتنموية والاجتماعية من أجل الوفاء لشعار الشعب يريد والتأسيس الجديد والانتصار إلى أصوات الفئات والشرائح التي منحته ثقتها…