نوفل سلامة يكتب: الإتحاد العام التونسي للشغل بين معضلة الحوار الوطني..وجدل التمديد…

كتب: نوفل سلامة
يعيش الاتحاد العام التونسي للشغل في راهنه مع قيادته الحالية أياما صعبة ووضعا غير عادي ويعرف ظرفا لم يتعود عليه من قبل، وهو أن المنظمة النقابية العتيدة التي كانت دوما قوة دفع نحو الخروج من الأزمات وصوتها كان دوما مسموعا ومكانتها مهابة ، حيث تعرف مبادرته للحوار الوطني التي أطلقها منذ ما يزيد عن الستة أشهر تعثرا كبيرا ومدا وجزرا حتى فقدت كل معنى….
قد يكون تلكؤ الرئيس قيس سعيد الذي أراده الاتحاد أن يكون المشرف على هذا الحوار وراء التعطل، وخصوصا أمام غياب الوضوح في موقف رئيس الجمهورية من هذا الحوار، ففي كل مرة يلتقي نور الدين الطبوبي برئيس الجمهورية إلا ويخرج إلى الإعلام ويصرح بأن رئيس الدولة قد عبر عن موافقته إجراء هذا الحوار أو أن الرئيس قد أعطى إشارة الانطلاق للحوار، أو أن الرئيس موافق على الحوار ولكن بشروطه ورؤيته ليأتي بعد كل هذه التصريحات رئيس الدولة قيس سعيد ويعطي التصريح الرسمي معربا أنه لن يتحاور مع ‘الفاسدين’، ومنتقدا من كان وراء هذا الحوار ويطرح السؤال حول ماذا سنتحاور؟ وبذلك يكون الرئيس كمن يدور في حلقة مفرغة مع الاتحاد بعد أن أضاع عليه الرئيس الكثير من الوقت جعل الناس تتساءل كيف ولماذا بصمت الاتحاد على كل هذه المماطلة وهذا التراخي في التعامل مع مبادرته؟
بعد هذه الورطة التي وضع الاتحاد فيها نفسه حينما اختار جهة للإشراف على مبادرة حواره لم تبد التحمس المطلوب في مثل هذه القضايا الساخنة يجد اتحاد الشغل نفسه في ورطة أخرى، لكنها أخطر وهي ورطة التمثيلية النقابية ومأزق الرغبة في التمديد للأعضاء الحاليين الذين انتهت مدة نيابتهم من دون المرور إلى الصندوق الانتخابي وتحكيم القاعدة النقابية ومن خلال تجاوز الديمقراطية وما يقتضيه القانون الأساسي للاتحاد الذي يمنع على كل عضو في المكتب التنفيذي أن يترشح لأكثر من دورتين في حين هناك رغبة ونية جامحة من طرف المكتب النقابي الحالي الذي سيترأسه الطبوبي في البقاء على رأس النقابة لمدة نيابية ثالثة، ومن دون إجراء انتخابات ديمقراطية بدعوى أن الهيئة الحالية لم تستكمل بعد ما بعهدتها من ملفات تحتاج استمرار القيادة…وهذا يعني أن الصيرورة والمصلحة العمالية النقابية تفرض وتقتضي أن تواصل القيادة الحالية للمكتب التنفيذي العمل…غير أن هذا القرار يصطدم بعائق قانوني كبير وهو الفصل 20 من القانون الأساسي للاتحاد ويصطدم كذلك بالصورة التي يحملها الناس عنه من كونه منظمة نقابية عريقة قائمة على احترام القواعد والمبادئ الديمقراطية والتي من أهمها حق التداول على القيادة وعدم احتكار السلطة وعدم التمديد في المدة التمثيلية من دون وجه قانوني.
وأمام هذا المأزق ارتأت القيادة الحالية للاتحاد أن تدعو إلى مؤتمر استثنائي غير انتخابي الذي من المقرر عقده في شهر جويلية المقبل بجهة الحمامات لتجديد العهدة للقيادة الحالية من خلال تنقيح الفصل 20 من النظام الأساسي للاتحاد وبذلك يتم تجاوز إشكال المأزق القانون ويمكن للقيادة الحالية أن تمدد عهدتها لنيابة ثالثة.
هذا التمشي الذي سار فيه الاتحاد وهذا القرار الذي اتخذته القيادة الحالية بالتمديد في عهدة المكتب التنفيذي الحالي يلقى اليوم معارضة قوية في الجهات ويعرف تململا في القاعدة النقابية ويعرف اليوم نقاشا حادا وجدلا واسعا وصل إلى أروقة المحاكم بعد أن تقدمت بعض العناصر النقابية إلى المحكمة الإبتدائية بتونس بدعوى قضائية بهدف إبطال أشغال المؤتمر الاستثنائي غير الانتخابي الذي قرره المجلس الوطني للاتحاد في شهر جويلية، واعتباره قرارا غير ديمقراطي وفيه خرق واضح لقواعد الديمقراطية وللقانون الأساسي للمنظمة وخاصة فصله 20 الذي يمنع على العضو الترشح لأكثر من دورتين.
ما يمكن قوله بعد هذا الوضع المأزوم داخل الاتحاد بسبب الجدل حول التمديد لقيادات الاتحاد من دون المرور عبر الصندوق الانتخابي وهذا الصراع الداخلي بين القيادات النقابية حول تنقيح الفصل 20 من النظام الأساسي هو أن الاتحاد يعيش أزمة في التمثيل الديمقراطي وأزمة في الشرعية النقابية وأزمة في احترام القواعد الديمقراطية ويعرف جدلا كبيرا حول ما يسميه البعض بـ«الانقلاب» على القوانين وتطويعها بنية الاستمرار والبقاء في القيادة…
ما يمكن قوله هو أن الاتحاد دخل في مسار الحوار الوطني حول أزمة البلاد منهكا من صراعين صراع خارجي مع رئيس الجمهورية الذي ماطل كثيرا في قبول الدعوة التي وجهها له الاتحاد وصراع داخلي مع جانب بعض المناضلين النقابيين بسبب الدعوة إلى تطويع القانون لصالح القيادة الحالية والدعوى إلى الحفاظ على الديمقراطية داخل الاتحاد والاحتكام الى القواعد النقابية من دون تمديد من خارج الصندوق.
ما يمكن قوله أنه إزاء هذه الصورة وهذا المشهد الذي عليه الاتحاد اليوم بأنه على نور الدين الطبوبي قبل أن يجري حوارا في البلاد عليه أن يجري حوارا في بيته النقابي الداخلي لتوحيد الصف وتوحيد الرؤية وأن يجري حوارا داخليا قبل أن يجري حوارا مع الحكومة والرئاسة والبرلمان والأحزاب…