نوفل سلامة يكتب: الاستفتاء على الدستور الجديد …أرقام ودلالات

الاستفتاء

كتب: نوفل سلامة  

بالوصول إلى مرحلة الاستفتاء على الدستور الجديد أهم مرحلة في مسار تفعيل الفصل 80 من دستور سنة 2014 وما جاء به من تدابير استثنائية لمجابهة ما اعتبر خطرا داهما يهدد أمن الدولة كيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها…

ويحول دون السير العادي لدواليب الدولة ومؤسساتها  والإعلان عن نتائجه كما نص على ذلك الفصل 139 من المسودة المعروضة على الشعب لأخذ رأيه فيها والذي جاء فيه ” أن الدستور يدخل حيز التطبيق ابتداء من تاريخ الإعلان النهائي عن نتيجة الاستفتاء من قبل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات’….

بقطع النظر عن عدد المستجوبين كبيرا كان أم صغيرا ومن دون تحديد نسبة محددة للمشاركة في التصويت بنعم والتي من المفروض أن لا تقل عن نسبة خمسين في المائة زائد واحد كما هو الحال في التجارب المقارنة التي عرفت حالات استفتاء، تكون البلاد قد انتقلت إلى مرحلة سياسية جديدة وقطعت قانونيا وسياسيا مع منظومة الثورة…
وأنهت حالة الضبابية السياسية والتأرجح بين وضع قديم وآخر جديد تنازع فيه الشرعيات ويحتد فيه الصراع حول الحكم بين جماعة العودة إلى الحياة الديمقراطية الرافضين لما اعتبروه انقلابا…وجماعة تصحيح المسار والتخلص من وضع العبث والفوضى…

تغيير كبير

والأهم من ذلك ما تحقق لدى الكثير من أفراد الشعب من مشاعر الراحة النفسية ووضوح الرؤية بعد الإعلان عن النتائج التي نقلت المسؤولية السياسية برمتها، وحصرت الاهتمام بالشأن العام عند جهة سياسية واحدة هي رئيس الجمهورية الذي يمكن بداية من اليوم محاسبته ومساءلته عن كل وعوده لمحاربة الفساد وإصلاح الأوضاع وتحسين حال عموم الشعب نحو الأفضل وتحقيق انتظارات ورغبات الأفراد الذين منحوه أصواتهم.
وبقطع النظر عن الانتقادات التي نسمعها اليوم من المعارضين للدستور الجديد بخصوص مسار الاستفتاء والظروف التي حفت به، فإن الأهم من كل ذلك هي الأرقام والمعطيات التي كشفت عنها عملية الاستفتاء التي حصلت والتي أوضحت الكثير من البيانات المهمة حول المشهد السياسي الجديد… وحول الكثير من الأمور والمسائل في علاقة بالمرحلة السياسية الجديدة التي يمكن تشبيهها بالمنعرج التاريخي الذي لا نعلم هل تنجح في ظله البلاد أم لا في تحقيق نقلتها المرجوة؟

أرقام مهمة

من هذه الأرقام المهمة والتي تحتاج أن نقف عندها طويلا للتأمل في دلالاتها عدد الذين شاركوا في هذا الاستفتاء والذي يمثل كامل الجسم الانتخابي وعدد الأشخاص المؤهلين قانونا للاستفتاء والذين هم حسب الاحصائيات الرسمية في حدود 9 ملايين ناخب في حين أن عدد المقترعين لم يتجاوز مليونين و ثلاثمائة ألف ناخب ( 2300000 ناخب ) ما يمثل نسبة 25 في المائة من مجموع الجسم الانتخابي وهو رقم على أهميته يبقى رقما صغيرا مقارنة بعدد الناخبين بما يعني أن ربع السكان فقط قد استجابوا لدعوة الاستفتاء، وأن ثلاثة أرباع هذا الجسم قد تخلفوا وتجاهلوا هذا الحدث الكبير لأسباب كثيرة يمكن العودة إليها وفهمها من أهمها أن عددا كبيرا من المتخلفين ونسبتهم حوالي 54 في المائة لم تعد تستهويهم مثل هذه الممارسات السياسية ويروا أنفسهم خارج الدولة وخارج الشأن العام و خارج العملية السياسية التي لا تعنيهم كثيرا مقارنة باهتمامات أخرى يرونها أكثر قيمة وأهمية…

أهم شريحة لا تنتخب!

وهذه الشريحة المتخلفة والتي لم تشارك في التصويت تمثل اليوم حسب التقديرات الاولية حوالي 54 في المائة من مجموع الجسم الانتخابي وهو رقم كبير درج أصحاب مؤسسات سبر الآراء  على تصنيفه ضمن شريحة العازفين عن التصويت، وضمن ظاهرة التخلف يوم الانتخابات وهي ظاهرة مرضية يعدها دارسو سوسيولوجيا المجتمعات بالخطيرة، لكون هذه الشريحة من الشعب الصامتة والتي تعتبر أن الشأن العام لا يعنيها هي في الحقيقة الشعب الحقيقي الذي وجب أن يمثله الحاكم ويهتم به رجل السياسة وهي شريحة لو تتحرك وتعبر عن رأيها فإنها سوف تقلب المشهد السياسي وتكون المحددة للنتائج فيه.

الرقم الثاني هو 25 بالمائة من مجموع الناخبين الذين شاركوا في عملية الاستفتاء على مشروع الدستور ينقسمون إلى 2 في المائة صوّتوا بـ لا على الدستور و 23 بالمائة صوتوا بنعم، وإذا نظرنا إلى الفئة المقاطعة للدستور والتي تمثل 21 بالمائة وأضفنا إليها المصوتين بـ لا فأننا نجد أن الرافضين للاستفتاء يمثلون نسبة 23 بالمائة وهي نفس نسبة المصوتين بـ نعم بما يعني أن الشعب التونسي اليوم منقسم بين جزأين متساويين المؤيدون للاستفتاء 23 بالمائة والرافضون له 23 بالمائة وهذا يعني كذلك أن الشرعية الشعبية المؤيدة للرئيس على أهميتها هي ضعيفة ولا تمثل أغلبية الشعب مما يستوجب التفكير في كيفية توسيع التأييد الشعبي والمساندة الواسعة لتوجهات السيد الرئيس ولكن المهم في النسبة المؤيدة هو في تحولها إلى كتلة متجانسة تجمعها طموحات ورغبات متقاربة ومتشابهة، مما يرشحها إلى تكوين حزب مساند للرئيس في المستقبل فاليوم على عكس المشهد في انتخابات 2019 قد أصبح لدينا ناخبين واضحين مؤيدين له…

رقم مهم جدا…

الرقم الآخر المهم الذي كشف عنه الاستفتاء أن 24 في المائة من جملة الخزان الانتخابي المؤيد للرئيس والذي صوت بنعم على الدستور الجديد قد كان السبب الذي دفعه للتصويت لصالح الدستور هو قناعته بأن المسار الجديد والدستور الجديد سوف يمكن من إصلاح البلاد وتحسين الوضع العام والحالة الاجتماعية للشعب…
وهذا في حد ذاته رهان كبير واستحقاق مكلف يحتاج من الرئيس أن ينتبه إليه جيدا وأن يعمل على تحقيق هذه الانتظارات التي جعلت جانبا من الشعب يصوّت بنعم على الدستور الجديد وكل الخوف أن تحصل خيبة أخرى لهذه الفئة التي أعطت أصواتها للرئيس إيمانا منها بأن الوضع سيتحسن بعد القطع مع المنظومة القديمة.  
الرقم الآخر وهو رقم خطير يخص نسبة 23 في المائة التي صوتت لصالح الدستور دفعها إلى ذلك دعمها المطلق لمشروع الرئيس ودعمها لشخص الرئيس رأسا وهي حالة تحتاج أن ننتبه إليها…وأن نعمل على التخلص منها حتى لا تعود ثقافة عبادة الشخص…
وحتى لا نجد ناخبين مرتبطين عضويا بالشخص لا بالبرامج وهي حالة يعدها علماء الاجتماع الدارسين للحالة الانتخابية غير عقلانية وخطيرة على شخص الرئيس الذي من المفترض أن لا يكون الولاء في العمل السياسي لشخصه.

11 بالمائة

الرقم الاخر هو 11 في المائة الذي يمثل نسبة المصوتين بنعم لصالح الدستور دافعهم إلى ذلك كره حركة النهضة لا غير وانتقاما منها على تواجدها في الحكم طوال عشرية كاملة بعد الثورة، كانت  فيها اللاعب الرئيسي في المشهد السياسي…
وهذه الشريحة من الناخبين الرابط بينها عداء قديم يعود إلى ما قبل الثورة بما يعني أن مشاعر الكره والحقد للنهضة ليست حالة تكوّنت بعد الثورة وإنما هي حالة قديمة بما يجعل من هؤلاء الذين صوتوا بنعم من أجل إزاحة النهضة من المشهد السياسي هم في غالبيتهم تجمعيون قدامى ويساريون داعمون للرئيس بسبب كونه قد خلصهم من حكم النهضة حسب ظنهم.  

تشاؤم وإحباط

المعطى الأخير في الأرقام المفصح عنها بمناسبة الاستفتاء على الدستور هو أن شريحة الشباب الداعمة بقوة لمشروع الرئيس والتي كثفت حضورها وتصويتها في انتخابات 2019 ومثلت  العلامة التي أحدثت الفارق ورجحت كفة الرئيس قد تراجع حضورها وعددها في الاستفتاء الأخير حيث تراجع تصويت الشباب من الفئة العمرية بين 18 و 20 سنة  بنسبة 20 بالمائة وقاطعوا هذه المرة الانتخابات وتفسر حالة العزوف هذه بعودة مشاعر التشاؤم والإحباط وفقدان الثقة في المستقبل لدى هذه الفئة وفقدانها الثقة في تحسين الأحوال وغياب ما كانت تنتظره من إنجازات.
هذه عينة من الأرقام والمعطيات التي تم الكشف عنها خلال الإعلان عن نتائج الاستفتاء الأخير، وهي أرقام مهمة تستدعي الانتباه إليها والوقوف عندها طويلا لكونها ستحدد مستقبل المسار السياسي الجديد الذي اختارته البلاد بعد الانتهاء من مرحلة ما قبل 25 جويلية والقطع النهائي مع منظومة الثورة… والجماعة التي حكمت بعد 14 جانفي 2011  وهي أرقام كذلك ستحدد الموقف من الرئيس قيس سعيد في قادم المحطات الانتخابية.