نوفل سلامة يكتب: العنف يجتاح الملاعب الرياضية…دلالة ارتفاع منسوب الغضب الاجتماعي؟

الترجي الرياضي والنادي الإفريقي

كتب: نوفل سلامة  

تشهد البلاد في الآونة الأخيرة ولعله منذ مدة ومع عودة الجماهير الرياضية  إلى الملاعب ارتفاعا ملحوظا لمنسوب العنف في مختلف الرياضات، وعودة قوية للتوترات وأعمال شغب في مختلف المقابلات الرياضية بطريقة غير مسبوقة لم يعرف لها مثيلا…

تطورات العنف والشغب الجارية هذه الأيام لم تكن دارجة حتى قبل الثورة حينما كان الاحتقان الاجتماعي وانسداد الافق في صفوف الشباب المنحدر من المناطق المهمشة المغذي الأساسي للتعبير عن حالة الغضب و دافعا للخروج عن الضبط الاجتماعي والأمني الذي كان يمارسه نظام الرئيس الراحل بن علي

حالة اختناق

وتعبيرا عن حالة الاختناق الذي وصل إليه المجتمع حيث اتسمت عودة العنف هذه المرة بتنوعه وتمدده واتساع رقعته، ليتجاوز رياضة كرة القدم إلى رياضات أخرى كان من المفترض أن لا تعرف مظاهر عنف حيث وصلت الاضطرابات إلى رياضة كرة الطائرة في مقابلة الترجي الرياضي التونسي والنادي الصفاقسي وكرة السلة بين فريقي الاتحاد المنستيري والزهراء الرياضية وكرة اليد في مباراة النادي الافريقي والترجي الرياضي التونسي التي عرفت ممارسة للعنف غير عادية…
ووصل الأمر إلى رياضة كرة الماء الرياضة المعروف عنها غياب لأي رهان رياضي بعد أن شهدت هذه المباراة التي دارت بين فريق المستقبل الرياضي بالمرسى وفريق بن عروس توقفا بسبب أعمال شغب وتبادل للعنف بين اللاعبين هذا من دون أن ننسى ما يحصل أسبوعيا من مظاهر العنف في مباريات كرة القدم…

ارتفاع منسوب الغضب

الخطير فيما يحصل من تمدد لممارسة العنف في مختلف رياضاتنا وارتفاع منسوب الغضب الذي يرافق أعمال الشغب التي تمارسها الجماهير الحاضرة، وكذلك اللاعبين والمسيرين أن الخطاب السياسي غير مدرك لما يحصل من تحول خطير في سلوك الجماهير الرياضية ولا واعيا للأسباب العميقة التي جعلت العنف يعود إلى الملاعب…
حيث كان من الأجدى على السياسي أن يفهم مداخل هذا العنف ويعي أن العنف في الأصل هو الحلقة الاخيرة في السلوك العدواني الذي تسبقه حلقات أخرى تُمهد له وأن ما يحصل في ملاعبنا له أسباب ومقدمات وطالما لم نتعرّف على الأسباب والمقدمات التي أنتجت هذا العنف فإننا لن نستطيع معالجة ظاهرة عودة العنف إلى ملاعبنا.

الخطاب السياسي يتجاهل المشكل

إن المشكل الذي تثيره عودة هذه الظاهرة في كون الخطاب السياسي الرسمي قد أرجع ارتفاع منسوب العنف الرياضي في المدة الأخيرة إلى وجود لوبيات تغذيه وإلى جهات سياسية معارضة للمسار السياسي الجديد تؤججه وتعمل على حقن الاوضاع…
المشكل أن الخطاب السياسي الرسمي يتجاهل ويتغاضى عن حقيقة أسباب هذا العنف الخطير والتي تعود بالأساس إلى وجود أزمة عميقة في المجتمع هي من أنتج حالة الغضب لدى شرائح كبيرة من المجتمع وتعبيرا عن حالة من الكبت والعجز والانسداد الاجتماعي يتم التعبير عنها في الملاعب الرياضية تُذكرنا بالأشهر القليلة التي سبقت ثورة 2011 حيث بينت كل الدراسات والبحوث التي تناولت الثورة التونسية أن ظاهرة العنف في الملاعب كانت وراءها حالة الغضب من الأوضاع السياسية وعن الانسداد السياسي الحاصل وعن عدم الرضى عن الخيارات الاجتماعية وتعبيرا عن فشل الدولة في مرافقة الفئات المهمشة…

ما لم يفهمه السياسي وعبّر عنه في خطابه الرسمي أن حقيقة الانفلات الحاصل في رياضتنا وما رافقه من مشاهد العنف الخطيرة لم تكن مفاجئة ولا وليدة مؤامرة وراءها خصوم سياسيين ولا لوبيات من مصلحتها تغذية العنف في الملاعب وإنما العنف هو سلوك عام بدأ ينتشر في المجتمع ووصل إلى الملاعب نتيجة الاحتقان المجتمعي وحالة الغضب الكبير التي عليها الشعب، وهو حلقة من حلقات العنف الذي انتشر في المجتمع وحلقة أخيرة في السلوك العنيف الذي يتغذى من وراء الضغوطات الاجتماعية التي وراءها حالة العجز الاجتماعي نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية وتمدد حالة العجز التي عليها الكثير من الشباب لتغيير وضعه الاجتماعي بمفرده وفي غياب مرافقة الدولة…

حالة عجز تام

وأن الصعوبات التي تمر بها البلاد وحالة العجز التي عليها الدولة في تجاوز الصعوبات المالية تنعكس بالضرورة على نفسية الأفراد وتؤثر حتما على سلوك الناس والشعب الذي يتحول غضبه على واقعه إلى سلوك عنيف لا يجد طريقة للتعبير عنه إلا في الملاعب المكان الوحيد الذي يجد فيه حريته للتعبير عن خيبة أمله في رجل السياسة وعن فقدان الثقة في تحسن الأوضاع نحو الأفضل والأحسن
وإذا لم يفهم من يدير الشأن العام أن ما يحصل من عنف كبير ومتمدد في رياضتنا يتغذى بالأساس من حالة الغضب التي عليها الشعب و يشعر بها الكثير من شباب الأحياء وإذا لم يتخل السياسي عن إلقاء اللوم والتهم على الخصوم السياسيين فيما يحصل في ملاعبنا…
وإذا لم يلتفت إلى دراسة الظاهرة بطريقة علمية من خلال مقاربة علم الاجتماع فإن العنف سيواصل حضوره بيننا وحينها لن نلوم أنفسنا إذا خرج الغضب من الملاعب وتطور إلى حراك اجتماعي واحتجاجات شارعية وربما إلى ثورة من جديد.