نوفل سلامة يكتب: الفصل 80…موقفان وشعبان؟!

كتب: نوفل سلامة

يبدو أن الجدل متواصل بخصوص الإجراءات السياسية التي اتخذها الرئيس قيس سعيد والقاضية بتعطيل أعمال مجلس نواب الشعب لمدة قدرها شهر واحد قابلة للتجديد حسب ما نُشر بالرائد الرسمي الصادر منذ يومين وإعفاء رئيس الحكومة من منصبه مع الإبقاء على الكثير من وزراء حكومته..

ويبدو كذلك أننا لن ننتهي قريبا من جدل الفصل 80 من الدستور في علاقة بسؤال هل طبق فعلا رئيس الجمهورية هذا الفصل بحذافيره وتمسك بمنطوقه كما جاء في صياغته أم طبق معنى آخر أسقطه على هذا الفصل؟
وأمام هذا الجدل القانوني والسياسي نجد أنفسنا أمام شعب منقسم على نفسه بين مؤيد ورافض وأمام قراءتين للأحداث ولما قام به الرئيس وأمام شعبين وموقفين: الجزء الأول من الشعب المساند لقرارات الرئيس والذي خرج جانب كبير منه يوم 25 جويلية المنقضي محتّجا على ما آلت إليه أوضاع البلاد رافضا لحال مجلس نواب الشعب بعد أن تحول إلى مرتع للصراعات اليومية وصلت إلى حد تبادل العنف اللفظي والمادي يعتبر أن ما حصل من قرارات بعد هذا الحراك الشعبي هو تصحيح لمسار الثورة التي تم الغدر بها واستعادة وهج الثورة الذي خفت نتيجة ما حصل من تلاعب بها وتحويل وجهتها وافراغها من مضمونها الحقيقي الذي قامت عليه والمتمثل أساسا في القطع مع المنظومة القديمة التي عادت بقوة ومحاسبة رموز الفساد الذين سرقوا المال العام واستغلوا علاقتهم بنظام بن علي وقربهم من دوائر نفوذه لتحقيق أرباح ومكتسبات على حساب الشعب….والذين تم التسامح معهم واسترجاع صورة البلاد التي تضررت كثيرا بعد ما حصل للدولة ومؤسساتها من انهيار وتفكك وضعف نتج عنه تحكم الكثير من اللوبيات في مفاصل المجتمع ما نتج عنه من تعطل الكثير من مصالح المواطنين الذين ساء حالهم وتضررت حياتهم…..
والعودة إلى الانفجار الثوري الذي قام على شعار الكرامة والعدالة والتشغيل بما يعني تحقيق مطالب الشباب العاطل عن العمل ومطالب الكثير من الجهات المنسية والمفقرة منذ عقود، والتي لم ينلها شيء من ثورة 14 جانفي 2011.. وهذا يعني حسب هذا الشق من الشعب المنتصر للخطوة التي أقدم عليها قيس سعيد أن المفيد هو في الجرأة والحركة التي قام بها الرئيس لإيقاف النزيف الذي تعيش على وقعه البلاد والذي لم يكن من الممكن أن يستمر أكثر…
وكان لا بد من عمل لإنهاء حالة العبث التي عرفتها الدولة والبلاد مع منظومة الحكم الحالية ولا معنى وقيمة للوسيلة التي تم الاعتماد عليها فالحالة التي وصلت إليها البلاد كانت تقتضي التدخل بكل الطرق حتى وان كانت غير شرعية وغير قانونية، فالمفيد هو الانتهاء مع المنظومة التي كانت تحكم ومؤسساتها…
أما الجزء الثاني من الشعب فيذهب إلى أن كل ما حصل يوم 25 جويلية الجاري كان مرتبا له منذ فترة للإجهاض على الثورة وغلق قوسها الذي لم يبق منه إلا تونس بعد أن انهارت كل الثورات العربية الأخرى، لذلك فهو يرى أن ما حصل هو انقلاب على الشرعية وعلى الدستور بعد أن تم تعمد تعفين الوضع وإرهاق الشعب بالمشاكل وتعمد إفشال الثورة بالعراقيل التي وضعت في الطريق ويستشهد أنصار هذا الرأي بعديد الشواهد منها ما قامت به عبير موسي من ترذيل للبرلمان وجره إلى خصومات يومية لإظهاره للرأي العام في الصورة التي أصبح عليها… فزعيمة الدستوري الحر كانت مكلفة بمهمة ومكلفة بتحضير البلاد للحظة 25 جويلية وتنتهي مهمتها…وهذا ما يفسر كيف اختفت من المشهد ولم نعد نسمع لها صوتا، وكيف أن الكثير من الأمور التي كانت تعفن الوضع وترهق المواطن تحسنت بعد الاعلان عن ايقاف عمل البرلمان وحل الحكومة فعاد الزيت المدّعم إلى الأسواق وتم تأمين متواصل للكهرباء والماء الصالح للشراب ولم نشهد انقطاعات فجئية مؤثرة…وعادت الكثير من المواد الغذائية إلى الأسواق بعد أن كان المحتكرون يخفونها…
هذه القراءة تقول بأن ما حصل كان مخطط له منذ مدة وليس وليد ما حصل يوم 25 جويلية بعد ما اتضح أن جزءا من المتظاهرين قد خرجوا بصورة عفوية وهم من عامة الشعب أو من أنصار الرئيس قيس سعيد في حين كان جزء ثان ينتمي إلى منظومة التجمع التي لم تغفر للثورة أن أطاحت بنظام حكمهم وأفقدتهم ما كانوا يستفيدون من ورائه وجزء ثالث ينتمي إلى التيار اليساري بشهادة ناجي الزعيري الصحافي الذي حاور حمه الهمامي في برنامج على القناة التاسعة من دون أن  ينكر حمة ذلك… وهذا الجزء الأخير لم يعد له ما يخسر في معركته مع غريمه الأزلي حركة النهضة وهذا ما يفسر كيف انحرف الحراك وانحرفت مطالبه من حل البرلمان وإسقاط الحكومة لتتحول الى حرق مقرات حركة النهضة…
هذه القراءة تعتبر أن ما حصل هو تحريف لمنطوق الفصل 80 من الدستور واستغلال الوضع الصعب الذي تمر به البلاد لاتخاذ كل تلك القرارات والخروج عن الاجراءات التي جاء بها الفصل الدستوري وأن العداء لحركة النهضة لا يجب أن يجرنا إلى إجراءات غير دستورية وقرارات لا علاقة لها بالدستور الذي كان واضحا في موضوع الخطر الداهم وموضوع التدابير الاستثنائية التي لا يحل معها البرلمان ولا تقال الحكومة…

المهم أننا اليوم إزاء ما حصل وإزاء القرارات التي تم اتخاذها للحفاظ على الدولة وديمومة عمل مؤسساتها كما قال الرئيس أمام شعب ممزق إلى شطرين ومنقسم على نفسه جزء يرى أن ما حصل كان يجب أن يحصل ولو بأدوات ووسائل قد لا يقبل بها الحقوقيون وأصحاب القانون وأنصار الحريات والديمقراطية وجزء ثان يعتبر أنه وإن كان الظرف يحتم تغييرا وإيقاف العطب والخروج من المأزق إلا أن الوسيلة والطريقة يجب أن تكون وفية للديمقراطية ومتمسكة بالشرعية وغير خارقة للدستور وخاصة فصله 80 الذي تم تحريفه والانقلاب عليه.
وأمام هذا وذاك تبقى البلاد تترقب الأفضل والأحسن وتحقيق وعود من خرج يوم 25 جويلية في عيش كريم ودولة مستقرة ووضع اجتماعي يسمح بالبقاء في وطن لا يكرهه أبناؤه ..