نوفل سلامة يكتب: القرآن يحدد للمسلمين عناصر القوة والريادة معرفة علمية… نظام اجتماعي عادل وقوة اقتصادية وسياسية

كتب: نوفل سلامة
سؤال كثيرا ما يردده المسلمون لماذا نحن على هذه الحالة من التراجع الحضاري؟ ولماذا حالتنا مقارنة بشعوب العالم الحر متخلفة على جميع الأصعدة ؟ وتكفي نظرة واحدة إلى معظم الدول العربية حتى نتأكد من حقيقة أزمتنا الكبرى والعميقة وهي أننا فقدنا الريادة والقيادة ؟ وسؤال آخر في نفس هذا السياق من مشاعر القلق والحيرة يقول : كيف فقدنا قيادة العالم وتخلينا عن مكانتنا بين الأمم المتقدمة والناهضة؟
في الحقيقة بعيدا عن التذكير بأن هذا السؤال الهاجس كان سؤالا طرحه زعماء حركة الإصلاح والنهضة العربية في بداية القرن التاسع عشر من أمثال المصلح المفكر الأمير شكيب أرسلان في كتابه ” لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ والمفكر الهندي أبو الحسن الندوي في كتابه ” ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ” فإن قرآننا الكريم قد عالج مسألة التفوق والتراجع ورسم معالم واضحة للريادة وقيادة العالم وحدد عناصر قوة المسلمين إن أرادوا أن يكونوا أقوياء تهابهم الشعوب وتحترمهم الأمم وينفعون شعوبهم وذلك في واحدة من الآيات الرائعة في القرآن الكريم وهي قوله تعالى ” لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز ” الحديد / 25.
في هذه الآية قد قرن القرآن بين ثلاث مسائل في غاية من الأهمية حيث جمع بين الكتاب وهو القرآن الكريم بما هو معرفة وقوانين وأحكام وتصوير لحالات نفسية وجمالية وأخلاقية وبين الميزان بما يشير إليه من إقامة العدل بين الناس وإرساء الحق والمساواة والحديد بما تحمله هذه الكلمة من بعد اقتصادي و صناعي واهتمام بكل ما يمكن أن ننتجه من هذه المادة . وهو ربط مقصود من الله تعالى يرشد من خلاله المسلمين وكل المنتمين إلى هذا الدين إن أرادوا أن يكونوا أقوياء وأن تكون لهم شوكة الدول القوية والمتقدمة و يحققوا لشعوبهم الرفاهية والازدهار فعليهم التمسك بثلاثة أمور متلازمة هي أساس كل تقدم ونهضة وكل بناء لحضارة قوية و هي معرفة نظرية تشمل كل ما يهم الإنسان في نفسه وتفكيره وثقافته ووجدانه وروحه وعقله وهذه يمثلها القرآن الكريم ومعرفة عملية وهي تنزيل هذه المعارف النظرية إلى الواقع وتحويلها إلى فعل وعمل حتى تثمر ويكون لها أثرها في حياة الناس فما قيمة الحديث عن قيم الحق والعدل والإنصاف والمساواة وجلب المنافع ودرء المفاسد إن لم يتحول هذا الحديث إلى تطبيق عملي وخيارات عملية وبرامج تنفع الناس وتحقق المجتمع الصالح من خلال الاحتكام إلى مؤسسات وأطر تفصل في قضايا الناس بالقسطاس المبين وباعتماد الميزان بما هو عدالة ومساواة وخير فالقانون العادل يحتاج إلى مؤسسات عادلة وبرامج منصفة تعامل الجميع على قدر المساواة من دون محاباة ولا تمييز فالميزان هو الإرشاد العملي لبناء مؤسسات الدولة العادلة ولكن هذه المعرفة النظرية وتطبيقها العملي على أرض الواقع تحتاج إلى قوة تحميها وقوة تفرضها حتى لا يتم خرقها أو الانحراف بها وهذه القوة قد أشار إليها القرآن بلفظ ” الحديد ” الذي تصنع منه القيادة السياسة الأدوات والوسائل التي تضبط بها الخارجين عن القانون وهم كثر في كل الشعوب وهم فئة لا يخلوا منها شعب من الشعوب لذلك كان القرآن واقعيا حينما أشار إلى ضرورة أن يتوفر للسلطة الحاكمة المسؤولة على ضبط النظام وتحقيق العدل وضمان تحقيق المعرفة النظرية في الواقع قوة السلاح الذي تحصل عليه من خلال صناعته من مادة الحديد.
في الآية إشارة بليغة ولطيفة مهمة وهي أن القرآن يلفت نظر المسلمين إلى عناصر القوة ويرشدهم إلى الطريق نحو التفوق والريادة وهي ضرورة تلازم أمور ثلاث : قوة علمية تعتمد على معرفة وثقافة وفكر نظري هي أساس كل حضارة وركيزة كل بناء وهذه المعرفة تشمل الجوانب النفسية والروحية والأخلاقية والجمالية والقانونية والتي تستمدها من الأصل الأول وهو القرآن ” الكتاب ” الأمر الثاني تحويل هذه المعرفة النظرية وهذه القوة المعرفية في شموليتها إلى تطبيق عملي وإلى نظام حياة يحقق الأمن والسلامة للأفراد في أبدانهم وممتلكاتهم وذواتهم وهذا يتطلب تركيز مؤسسات تحقق العدل والإنصاف ” الميزان ” ومن هذه المؤسسات في عصرنا الراهن السلطة التشريعية وما يتفرع عنها من قضاء عادل وقوانين منصفة تكون في خدمة المواطن و لا تكرس أي تعد على الأشخاص والأمر الثالث في نظرية الإسلام في بناء الدول العادلة والحضارات المتقدمة هو إمتلاك القوة الصناعية والقوة الاقتصادية التي توفر للشعوب الأمن الغذائي والتجاري والفلاحي والأمن العسكري حيث اتضح اليوم أن الشعوب المتقدمة التي تنعم بالرفاه هي التي تنتمي إلى دول راهنت على الصناعة وأصبحت قوة تتحكم في الكثير من صناعات العالم ومن دون هذه القوى فقد رأينا كيف تحولت دول إلى عالة على غيرها وغير قادرة على توفير الأمن لشعوبها وتأمين أمنها العام.
والعجيب في هذه الآية هو أن الله سبحانه وتعالى قد ختمها بمسألة مهمة للغاية حينما أرشد إلى أنه إلى جانب بيان عناصر القوة والتفوق الثلاث قد لفت أنظار المسلمين والمؤمنين بهذا الدين إلى أنه إذا أردوا فعلا نصرة هذا الدين وإن أرادوا فعلا أن يقدموا خدمة له فإن ذلك لا يكون إلا بالعمل على توفير هذه القوى الثلاث : معرفة علمية شاملة ومتطورة ونظام اجتماعي وسياسي عادل وقوة اقتصادية وصناعية تحقق الأمن في كل شيء وتضمن الاستقلال وفك التبعية مع الغير ودون ذلك فهو في نظر الله لا يعد انتصار لدينه وفي ذلك إشارة إلى كل من يدعي أنه بالإرهاب وبالأفعال الاجرامية يمكن أن ننصر الدين.