نوفل سلامة يكتب: القربان الإبراهيمي أو طقس العبور من الرؤية إلى الحقيقة في المتن الإسلامي

كتب: نوفل سلامة

يعاد الكلام كل سنة عن النبي إبراهيم عليه السلام بمناسبة عيد الأضحى وتستحضر قصته مع ابنه الذي رأى في المنام أنه يذبحه و التي روتها كل الكتب المقدسة وخصص لها القرآن حيزا مهما في متنه بمناسبة شعيرة الحج التي جعلت من أهم أركانها تقديم أضحية يشتريها الحاج قبل التحلل من مناسكه ومع تجدد الحديث في مثل هذه الأيام عن التجربة التي خاضها النبي إبراهيم وهو يستعد إلى ذبح ابنه الذي رزق به في سن متقدمة لا تسمح عادة بالإنجاب تطرح الأسئلة القلقة هل ما رآه سيدنا إبراهيم في منامه هو عين الحقيقة أم تأويله للحلم؟

وهل كان الله فعلا يختبر هذا النبي ويمتحنه من خلال معرفة مدى طاعته له بالتقرب إليه بذبح ابنه الوحيد ؟ ولماذا يمتحن الله نبيه وهو العبد المطيع له ؟ وإذا كان الله يختبر نبيه فهل كان لزاما أن يمتحنه بإراقة دم لأعز ما يملك ؟ وفي الأخير هل هناك فهم لقصة الذبح غير التفسير الذي نجده في كتب علمائنا القدامى من أهل السنة؟ وكيف نفهم اليوم قصة القربان الإبراهيمي المشهورة؟
نقرأ في المتن التوراتي أن سيدنا إبراهيم قاد رحلة تاريخية من موطنه الأصلي ” أور الكلدانية ” الواقعة في بلاد الرافدين وحمل معه والده وزوجته سارة وابن أخيه لوط واتجه بهم نحو أرض الكنعانيين فلسطين حاليا ورغم أن النص اليهودي لا يتحدث عن سبب الهجرة وغايتها إلا أنه بالعود إلى سياق ما عاشه سيدنا إبراهيم مع قومه في المتن القرآني في زمن النمرود وقصته مع الأصنام التي حطمها والتي كان أهله يعبدها وهي تجارة والده الذي كان بارعا في صناعتها نفهم أن هذه الهجرة لم تكن إرادية وإنما كانت بأمر من الله بعد أن استحال البقاء في أرض لا يعبد فيها الله ولا ينقاد فيها الناس إلى الخالق الواحد لذلك يرجح أن المغادرة كانت بأمر من الله من أجل تجديد البشرية وبناء مجتمع جديد يقوم على التوحيد ونجد اشارة واضحة إلى ذلك في المتن التوراتي بما يفيد الوعد الإلهي الذي قطعه الله لسيدنا ابراهيم بأنه سوف يملكه أرضا جديدة ويمنحه نسلا كثيرا يواصل به نسله العبراني لكن بثقافة مختلفة ودين يقوم على التوحيد والاستسلام للخالق الواحد جاء في سفر التكوين الإصلاح 17 الآية 8 ” وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك كل أرض كنعان ملكا أبديا وأكون إلههم “
من هنا تبدأ السردية الدينية التي تتفق فيها الكتب المقدسة وهي أنه لما استقر سيدنا إبراهيم وأهله بالأرض الجديدة وبدأ يستعد للبعث الجديد ويتأهب لبناء مستقبل جديد للبشرية عامة والعبرانيين خاصة بدأ ينتابه القلق والخوف حول السبيل إلى تحقيق وعد الله بإكثار نسله وكيف يمكن أن يجعل من هذا النسل أمة عظيمة وهو رجل عجوز لا يقدر على الإنجاب ولسان حاله يقول من أين سيكون هذا النسل الكثير وأنا شيخ كبير وزوجي عاقر لا تلد وابن أخي لوطا لا زوجة له؟ لكن مع هذه الحيرة فإن وعد الله قد تحقق وأنجبت له زوجه سارة إسماعيل. وهنا يبدأ المنعرج الكبير في هذه القصة والتحول في مسار الأحداث والسؤال الكبير كيف يمكن أن يطلب الله من سيدنا ابراهيم أن يذبح ابنه الوحيد الذي سوف تنطلق منه تجديد البشرية و الذي أنجبه في كبره ؟ ولماذا يطلب الله من النبي إبراهيم أن يفديه بهذا الابن الذي أنجبه بمعجزة إلهية وهو الذي وعده بإكثار نسله وإعطائه العهد بأن يكون في ذريته ملكا عظيما ؟ وهل كان يحتاج الله إلى اختبار ابراهيم حتى يعلم مدى طاعته له وهو الذي كانت كامل حياته طاعة لله؟
يجيب المتن التوارتي على كل هذه الأسئلة بأن وعد الله لسيدنا ابراهيم بأن يملك ذريته أرضا كبيرة ويمنح نسله ملكا عظيما لن يكون قبل الاختبار العظيم لتحمل مسؤولية قيادة البشرية وهي تجدد نفسها مع نسله الجديد ولن يحصل ذلك إلا بعد امتحان الطاعة المطلقة فالمهمة كبيرة تحتاج نفسا كبيرا لذلك كانت رؤية ذبح الابن وكان الحلم الذي اربكه وجعله يسأل الإبن الذبيح ماذا يفعل؟
فهل كان المقصود من الرؤية الذبح الحقيقي أم شيئا آخر ؟ وهل ما ذكره سيدنا إبراهيم حول الحلم الذي رآه من تأويله هو أم هو حقيقة مراد الله؟ وهل فعلا أن للقصة رمزية أخرى غير حقيقة الذبح تبعد عن الله عز و جل تهمة الميل إلى إراقة الدماء حتى يقبل طاعة  عبده ؟  هنا يبدو أن استحضار التأويل الصوفي لابن عربي مهم لاستدراك عطب التأويل وعطب التعبير عن الرؤيا عند النبي إبراهيم عليه السلام  ومع الفهم الذي يقدمه ابن عربي  لقصة رؤية الذبح نكون أمام تأويل إبراهيمي للرؤيا ولا أمام أمر إلهي مباشر وأمام تأويل قد مكنه من العبور بها من الخيالي إلى الواقعي  ومن الحلم إلى الحقيقة ومكنه من حل مشكلة رؤيته و النتيجة التي يمكن استخلاصها مما يقدمه ابن عربي أنّ إبراهيم لم يستطع أو لم يهتد إلى تأويل ما رآه لذلك يعتبر أن حقيقة التجربة والابتلاء التي خضع لهما سيدنا إبراهيم لا علاقة لهما بالطاعة والامتثال للوحي وإنما لهما صلة وارتباط  بالفهم والتأويل الصحيح لمراد كلام الله وخطابه فسيدنا إبراهيم من خلال رؤيا المنام قد خضع إلى تجربة في الفهم والتأويل ولم يخضع إلى امتحان لمعرفة مدى طاعته لربه وامتثاله لأوامره وهذا يعني أن بن عربي بهذا الفهم الذي يقدمه يفتح مسارا مختلفا في فهم الوحي الإلهي و يعرض رؤية تفسيرية جديدة لتدبر الوحي تقوم على دعوة المؤمن والمتدين أن لا يتعامل مع الوحي الالهي من خلال ظاهر نصوصه وظاهر معناه وإنما هو مطالب بإعمال العقل واستعمال أداة التأويل لفهم المعاني الرمزية للوصول الى حقيقة المعنى الحقيقي لمراد الخطاب الالهي…

فحسب ابن عربي فإن قوله تعالى ” فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ” الصافات / 102. لم يكن المقصود من هذه الآية إخضاع إبراهيم إلى تجربة قاسية وامتحان صعب لمعرفة مدى طاعته لربه ومدى امتثاله لأوامره كما روج إلى ذلك جل المفسرين وإنما الاختبار والامتحان الحقيقي في معرفة كيف سيؤول ابراهيم مطلب الذبح ؟ وحتى لا يتهم بمخالفة ما اتفق عليه من كون رؤيا الأنباء وحي وأن رؤاهم حق فإن ابن عربي  يعتبر أن الابتلاء الذي خضع له سيدنا إبراهيم ليس في صدق الرؤية وإنما في صدق التأويل والفهم وفي هذا السياق يذهب إلى أن ابراهيم لم يوفق في هذا الامتحان وهذا الاختبار حينما فهم حقيقة حلمه  وتعامل معه على ظاهره وظن أن الله يطالبه ويأمره بذبح إبنه والحال أن الابتلاء الكبير كان في تفسير الرؤية وفهم الحلم ولما لم يوفق في الوصول إلى حقيقة كلام الله تدخل الوحي وصحح القصد وصحح الفهم والتفسير بأن عوض ذبح الابن بذبح الكبش فمنذ البدء لم تكن غاية الله أن يذبح إبراهيم إبنه وإنما الغاية الأولى كانت معرفة كيف يؤول إبراهيم الوحي ؟ وكيف يفهم الخطاب الديني ؟ هل يفهمه على ظاهره أم يؤول معناها ليصل إلى حقيقته غير الظاهرة والذي لا يمكن إدراكها إلا بعد تدبر وبعد تأويل وإعمال عقل وهو الموعود ببناء حضارة جديدة وبناء مسار جديد للإنسانية ومطلوب منه قيادة الإنسانية بعد أن مكنه الله أرضا ونسلا وأمة عظيمة فعملية إحياء البشرية من جديد بعد أن غادر أرض أجداده واستقر بأرض جديدة تحتاج إلى قيادة مخالفة تكون على قدر كبير من الفهم والوعي والإدراك بمضمون كلام الله.
فحسب ابن عربي فإن المغزى من القصة لم يكن الفداء ولا الطاعة ولا الامتثال بذبح الابن وإنما حقيقة القصة هو تعليم إبراهيم ومن ورائه المؤمنين كيف يفهمون كلام الله وكيف يتأولون معنى الوحي وكيف أنهم مطالبون بتجاوز  ظاهر النصوص إلى التعرف على عمق الآيات وما وراء الكلمات الظاهرة فالاختبار الإلهي مع ابراهيم كان في الفهم والتأويل ولم يكن في الامتثال والانقياد والطاعة وما قصة الذبح وطقس القربان إلا عبور من الفهم الظاهري إلى الدعوة إلى التدبر والفهم العميق باعتباره هو وحده الذي يقرب المؤمن من خالقه ويجعله يعبده على حق وعلى بصيرة وليس لا على حرف كما ذكر القرآن حينما استنكر على البعض كيف يعبدون الله من خلال الفهم الحرفي السطحي الظاهري في قوله تعالى ” ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ”  الحج / 11.