نوفل سلامة يكتب: المحركات الأربع لحكم الحشود…أو شعبوية قيس سعيد

كتب: نوفل سلامة  

في الندوة الفكرية التي نظمتها دار محمد علي للنشر بالتعاون مع مؤسسة روزا لوكسمبورغ تحت عنوان ” حركية المجتمع التونسي في مواجهة التحديات السياسية ” التي انتظمت بالعاصمة يومي 7 و 8 ديسمبر 2019 قدم ” المولدي قسومي ” أستاذ علم الاجتماع وعضو الهيئة المركزية للوطنيين الديمقراطيين الموحد ورقة بحثية حول ظاهرة قيس سعيد أو ما يسمى بتيار ‘الشعب يريد’ وفكرة التأسيس من جديد في محاولة لفهم الظاهرة وخلفياتها ومعرفة من يقف وراءها؟ وكيف تشكلت؟
وما هي تداعياتها وأبعادها المختلفة في علاقة بالمشهد السياسي الجديد وبالرغبة في بناء عالم جديد بفكر وآليات جديدة من أجل الوصول إلى السلطة وممارسة الحكم….

تفكيك الظاهرة

ينطلق المولدي قسومي في تفكيك ظاهرة قيس سعيد ومقولة الشعب يريد من ظاهرة التنوع الطيفي الموجود وراءه وهو طيف من الشعب اطلق عليه مصطلح ” الحشود ” لكونه متنوع ومختلف في كل شيء وغير متجانس ولا منسجم ظاهريا على الأقل فهو يعتبر أنه لفهم ما يحدث في تونس مع الرئيس قيس سعيد من الضروري أن نفهم التنوع الطيفي في الحشود التي تقف وراءه وهي جموع غير واضحة المعالم ويمكن من خلال من كتاب ” سيكولوجية الجماهير لغوستاف لوبون ”  تقديم أبرز الخصائص التي تمتاز بها وهي أنها غير ميالة للتأمل الفكري و لا تحبذ المحاكمات العقلية وهي منسجمة وتنساب وراء السائد وتخضع للوحدة العقلية للجماهير وفي الحشود تتلاشى شخصية الفرد الواعية  في مقابل هيمنة الشخصية اللاواعية  فشخصية الفرد في الحشود هي أدنى مرتبة من الإنسان المفرد فيما يخص بناء الذهنية العقلية والفكرية فالحشود تلغي التنوع والاختلاف وتجعل الفرد ينصهر في خط واحد منتظم . والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما الذي جمع أطيافا كثيرة هي عبارة على خيالات متعددة لا يجمع بينها في الظاهر أي رابط بقطع النظر على فاعلية المجال الافتراضي وراء شخص واحد ؟ وكيف حصل هذا التناغم بين أطراف من أقصى اليمين و أخرى من أقصى اليسار الراديكالي ليجدوا أنفسهم وراء الأستاذ قيس سعيد؟

3 روافد أساسية

إذا تمعنا جيدا في من يناصر قيس سعيد فإننا نجد روافد ثلاث أساسية : الرافد الأول هو مكون روابط حماية الثورة الذين حصلت لهم خيبة كبيرة بعد الثورة حينما لم تتحقق آمالهم وهم طيف من الشباب لا يؤمن بالدولة التي يرونها فاسدة وغير عادلة وقد وجدوا في مقولة قيس سعيد إعادة تأسيس الدولة بعد تفكيكها وإعادة تركيبها استرجاعا للحلم الأول والملاذ لتحقيق انتظاراتهم التي لم تتحقق في سنة  2011 .
الرافد الثاني منحدر من ” حركة شباب تونس ” وهم طيف أغلبه من الغاضبين اليساريين اليائسين أو المطرودين مع عناصر بارزة قادمة من حركة ” مانيش مسامح ” وحركة ” وينو البترول ”  وغير ذلك من الحركات الاحتجاجية وهم موجدون في أربع وعشرين ولاية ميزتهم كونهم شباب متعلم و في عنفوان المرحلة الفكرية والبحثية .
الرافد الثالث مجموعة ” اعتصام الكامور ” الذي تشكل من 500 معتصم لمدة 100 يوم بتنظيم مغلق تحكم في المجال وفي العلاقات وفي التواصل كان منهم 13 منسق وقد رفضوا كل أشكال التمويل وتحكموا في شرايين المنطقة و رفضوا استقبال كل السياسيين والوحيد الذي تم استقباله هو قيس سعيد. هذا الطيف تميز بانضباطه وانسجامه وهو فاقد الثقة في الدولة الوطنية التي لم تفعل للجهات الداخلية شيئا وقد فك ارتباطه مع كل الحكومات المتعاقبة بعد الثورة . هذا الطيف وجد في مقولة الشعب يريد الأمل في تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة في الاستفادة من الثروة الوطنية وكان شعارهم البارز حق الجهات في نصيب من الثروة الطبيعية و من عائدات شركات البترول التي لا تستفيد منها الجهات.

المحركات الأربع الحقيقية

بعد عرض هذه الأطياف الرئيسية التي كانت وراء الأستاذ قيس سعيد وعملت في حملته الانتخابية وكانوا جزءا مهما مما يسمى بالحشود تناول المحاضر المحركات الأربع الحقيقية التي حولت هذه الأطياف المتنوعة أو الحشود إلى واقع فاعل على المستوى السياسي :
المحرك الأول هو صعود الحركات الشعبوية واستعمال هذا المصطلح ليس في معناه المجازي وإنما بمعنى كون الشعبوية هي في حقيقتها استراتيجية للوصول إلى الحكم وغزو السلطة وأكثر المنظرين لهذه المسألة هم من اليساريين وأكثر من درس الشعبوية قد وقف على أن في داخل الشعبوية هناك يسار الشعبوي ويمين الشعبوي ولكن أغلب الفاعلين هم من الشيوعيين الذين انتقدوا الماركسية واليساريين الذين أجروا مراجعات على النظرية  وجددوا فيها و حينما نجري مقارنة بخصوص الأدوات التي وظفها قيس سعيد في علاقة بلغز رضا شهاب الدين المكي الملقب ” برضا لينين ” الذي يقف وراءه نجد أنه يعيش على شعبوية يسارية أصيلة…
إننا نجد نفس المقولات و نفس آليات العمل ونفس الأطروحات.
و أما اليمين الشعبوي فإنه في بالمسألة الاجتماعية لا يملك تراثا فكريا ولكنه استفاد من التراث الماركسي واليساري وبهذا فان شعبوية قيس سعيد في هذا المستوى مستمدة من تجارب الشعبوية الارجنتينية وكل الشعبويات اليسارية في العالم والاشتراكية الأمريكية التي تصنف حركة شعبوية واستفاد من أعمال الشعبوي اليساري ” أرنستو لاكلاو ” المنظر لتيار اليسار الشعبوي الذي وضع نظرية شعبوية لا تقف على كليانية المقولات الماركسية الأرتدوكسية وإنما تستنطقها فاستنطق منها مفاهيم جديدة ليتم تنزيلها على المستوى السياسي و هذا بالضبط ما قام به رضا لينين عندما حول مفهومين أساسيين الأول مفهوم الكتلة التاريخية الذي جاء به المفكر الايطالي الماركسي انطونيو غرامشي أسقطه على الواقع وجعل منه مجرد جموع على عكس مع قصده غرامشي من اعتبار الكتلة التاريخية هي حالة في طور النضج تتآلف فيها وتشترك كل بنى المجتمع  وكل البنى الفكرية والذهنية وكل الحركات و التشكيلات الاجتماعية التي يقابلها على المستوى التاريخي المجتمع البرجوازي مكتمل النضج والقائم على نمط اجتماعي رأس مالي واضح  في أوروبا و رضا لينين قد حرف هذا المفهوم ونزله تنزيلا شعبويا وجعل الكتلة التاريخية في معنى الجموع التي سوف تغير التاريخ.
المفهوم الثاني الذي حوله رضا لينين هو استنطاق مقولة المجالس وحولها إلى آلية للحكم والحال أنها آلية وإستراتيجية للوصول إلى السلطة.

أزمة الديمقراطية التمثيلية

المحرك الثاني هو أزمة الديمقراطية التمثيلية التي تعتبر خيارا ناجحا بالمعنى السياسي فكل الذين وصلوا إلى الحكم وصلوا عن طريق الديمقراطية لكن الذي يعدها فاشلة هو ذلك الذي طالب بالديمقراطية على أساس أنها قادرة أن تجيب على المطلب الاجتماعي غير أنها أخلت بهذا الاستحقاق ولم تجب على سؤال العدالة الاجتماعية . إن الديمقراطية في الهند هي من أنجح الديمقراطيات في العالم على المستوى السياسي وهي نظام حكم ناجح في بلدها لكونها لم تبن على أساس تلبية المطالب الاجتماعية وتحقيق العدالة الاجتماعية و المساواة بين الفئات المختلفة ولأنها أداة للحكم فقط .
ولكن لما انتفض المهمشون في تونس وانتفضت الطبقات الوسطى وكل المنسيين فقد كانت انتفاضتهم على خلاف هواجس رجل السياسة وإنما على مطالبة النظام الديمقراطي بتقديم حلول اجتماعية وأن تكون الديمقراطية جالبة للخير ولها القدرة أن تجيب على أسئلة الانتظارات الاجتماعية وهنا يأتي فشل الديمقراطية في جانبها الاجتماعي وفشل التجربة الديمقراطية التمثيلية في تونس الأمر الذي حول ” الحالة القيسية ” إلى حالة فاعلة على مستوى الواقع استنطق فيها واستثمر رمزية رضا لينين ووظفه في فكرته لكي يستقدم إلى صفه أغلب المنبهرين بأطروحات رضا لينين خاصة من خلال المقال الذي نشره في موقع الحوار المتمدن عدد 4811 بتاريخ 19 ماي 2015 الذي يعتبر النص المؤسس للدولة الجديدة.

شيخوخة القوى السياسية

المحرك الثالث هو شيخوخة القوى السياسية التقليدية أو الشيخوخة المبكرة لبعض المكونات السياسية  التي سرعان ما تهاوت بعد تكوينها وخاصة شيخوخة المسألة الفكرية التي لم تستطع التطبيع مع متطلبات المجتمع وبقيت أغلب التنظيمات وحتى اليسارية غير قادرة على أن تعكس الواقع على المستوى الرمزي و الواقعي والثقافي وشيخوخة التنظيمات التي كانت محل اعتراض قابلها قدوم تنظيم آخر لكنه أذكى وأقوى وأكثر انسيابية وخلق الاختراق الافقى لكل المتغيرات .. قيس سعيد اخترق المجال القبلي العشائري و المجال الديني في بعده الصوفي و المجال الأيديولوجي وجمع بينها وهي متناظرة ومتعارضة تماما.

تجديد الخطاب

المحرك الرابع : هو تجديد الخطاب الذي يحتوي على العديد من ” التحيلية ” فعندما يتحول السلوك إلى مؤسسة قارة وهو ما اعترف به مريدوه وعندما مورست العدوانية على المخالفين وعندما يتم استعمال كلمة الأستاذ لجعل العلاقة بين الرئيس والشعب عبارة على علاقة بين الشيخ والمريد وأصبحت هذه الصفة حالة معممة حينها تم اختراق المجال والمتغيرات ما حصل أنهم خلقوا له هالة وحالة من القدوة الافتراضية بدأت تشتغل وتهيئ الظروف منذ سنة 2013 .
ولكن في مستوى الخطاب الذي يستعمله قيس سعيد فإنه يتميز بمعطيين أساسيين الأول هو مراجعة مفهوم الثورة خاصة و أنه لم يكن يوما ضد المنظومة السياسية التي كانت تحكم وهذا أحد عناصر التحيلية على تلك الحشود بعد أن زرع في مستوى البنية الذهنية العامة والمعممة أنه ضد المنظومة.

نظرية ‘ أنا واحد منكم’!

المعطى الثاني يهم اليسار الراديكالي الذي أصبح يتبنى مقولة الثورة من داخل النسق القانوني وبنفس آليات هذا النسق ثم يعتبر نفسه أنه خارج المنظومة ويعارضها ، المعطى الثالث وهي ميزة إيجابية عند قيس سعيد ويتميز بها على حمة الهمامي وهي أن الاثنين يتبنيان نفس المقولات و الشعبوية اليسارية تأسست على مقولة العدالة الاجتماعية وأن التناقض الطبقي وحده لا يكفي للتحليل والوصول إلى السلطة وإنما نحتاج إلى آليات أخرى نفتك بها السلطة و نخترق بها المجتمع لكن الفرق بينهما أن خطاب حمة الهمامي بقى خطابا منفردا زعاماتيا بينما تبنى قيس سعيد خطابا يؤسس للعقد الاجتماعي ويذكرنا بالرابطة الاجتماعية والثقة الاجتماعية والأمان الاجتماعي وكل هذه المفاهيم التي نظر لها فلاسفة  الأنوار وخاطبهم على أنه واحد منهم وليس زعيم دولة…