نوفل سلامة يكتب: الهجرة غير السرية .. لماذا يرفض التونسي بلاده ؟

كتب: نوفل سلامة 

كشفت آخر وأحدث الإحصائيات التي قدمها في الآونة الأخيرة المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بخصوص ظاهرة « الحرقة « التي يقوم بها الشباب التونسي إلى بلد الطليان بحثا عن حياة أفضل وواقع أحسن من العيش في وطنهم الأصلي أن الهجرة غير النظامية قد عرفت في الأشهر الأخيرة من هذا العام نسقا تصاعديا وتطورا في عدد الحارقين وعدد محاولات اجتياز الحدود البحرية خلسة في قوارب الموت….

حيث ذكر المنتدى في تقريره الأخير أنه إلى حدود منتصف شهر جويلية الحالي فإن 1276 مهاجرا تونسيا قد غادروا تراب الوطن بطريقة غير شرعية وتمكنوا من الوصول إلى السواحل الإيطالية وأنه في شهر جوان لوحده من السنة الحالية اجتاز 976 تونسيا الحدود البحرية وتمكنوا من الوصول إلى إيطاليا بما يجعل من نسبة الحارقين إلى حدود كتابة هذا المقال تبلغ 60 بالمائة مقارنة بشهر ماي الذي وصلت فيه عمليات الحرقة نسبة 40 بالمائة. 

و رغم المجهودات الكبيرة التي تقوم بها البحرية التونسية لمنع التسلل إلى السواحل الإيطالية حيث أحبط الحرس البحري التونسي 143 عملية اجتياز ومنع 2120 مجتازا من الوصول إلى

«بر الطليان « فإن خيار ترك البلاد والتفكير في  «الهجة « كما يسميها الصديق صالح الحاجّة في روايته الممتعة «حرقة إلى الطليان « قد أضحى السلوك اليومي للكثير من الشبان التونسيين الذي انهى حلمه في بلاده التي لم تعد تعني له شيئا وقرر الالتحاق بالمجهول وتجربة المغامرة الخطرة لعل الحظ يبتسم معه في بلد الغربة ويحقق كل أحلامه وأمانيه في الحصول على عمل يدر عليه الكثير من المال ولو على حساب الكرامة والاعتراف والمكانة حيث كشف التقرير الأخير للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن 50 % من الذين وصلوا إلى إيطاليا خلسة وبطريقة غير شرعية هم من التونسيين في دلالة على ارتفاع عدد الحارقين مقارنة بالأشهر الماضية وفي دلالة على ارتفاع وتزايد مشاريع الحرقة وقرار الهجة ومغادرة البلاد دون رجعة عند الفرد التونسي. والسؤال المحير الذي يفرض نفسه مع هذه الأرقام التي تبرز تطور حالات الهجرة غير النظامية وارتفاع محاولات الحرقة وتزايد عدد التاركين للبلاد دون رجعة في

«هجة « ما بعدها عودة كيف ولماذا أصبح الفرد التونسي كارها لبلاده ورافضا للعيش فيها ؟ و بماذا نفسر عملية فك الارتباط بالوطن التي يعلن عنها كل الواصلين إلى السواحل الايطالية ؟

فشل في تقديم الحلول….

قدمت الكثير من المقاربات لتفسير ظاهرة الهجرة غير النظامية أو غير الشرعية والكثير من الحجج لفهم هذا التحول الذي يعرفه المجتمع التونسي منذ سنوات والذي كشف بكل وضوح عن عجز الدولة وسياساتها التنموية و الإدماجية عن استيعاب مواطنيها وفشلها في تقديم الحلول الجماعية التي يبحثون عنها ، من هذه الأسباب ذكروا ظاهرة الانقطاع المبكر عن الدراسة وغياب السياسات الناجعة لاحتضان الراسبين من التعليم ومرافقة الأعداد الهائلة من الشباب الذي وجد نفسه وهو في سن مبكرة في الشوارع بعد أن طردتهم المدرسة العمومية و تخلى عنهم المجتمع .. ذكروا ظاهرة البطالة المستفحلة في صفوف الشباب وخاصة بطالة المنقطعين عن التعليم من الذين لم يتموا دراستهم و هم لا يتوفرون على أي قدرات عملية لمجابهة مصاعب الحياة وليست لهم مؤهلات مهنية من اكتساب صنعة أو حرفة للولوج إلى سوق العمل .. وذكروا انسداد الآفاق وغموض المستقبل بالنسبة لشريحة الشباب من المتعلمين أصحاب الشهائد العليا أو من الذين توفرت لهم وظيفة في مجال من المجالات غير أن وضعهم المالي لا يرضيهم ويرونه غير مريح ولا يناسبهم ولا يلبي طموحهم نحو وضع أفضل ويرون في أنفسهم أهلا لوظيفة أفضل لا تتوفر في تونس خاصة وأن الأجور التي يقترحها رب العمل لا يقبل بها شباب اليوم .. ويذكرون الفقر والخصاصة والتهميش في صفوف شباب الأحياء الفقيرة والمنسية والتي لم تجلب لهم الدولة شيئا عدا مركز أمن و حرس وطني وغير الوصم الاجتماعي الذي يعيرونهم به بما يجعلهم يشعرون بالحقرة والضيم وعدم الانتماء إلى هذا الوطن الذي عاقب جزءا من أبنائه حينما تخلى عنهم .. ويذكرون الوضع العام بالبلاد الذي لا يشجع على البقاء والعيش فيها حيث الحديث الغالب اليوم هو حديث حول هجرة الكثير من أبناء الشعب سواء بطريقة شرعية كهجرة الأدمغة أو بطريقة غير معترف بها كـ »هجة « الشباب العاطل عن العمل.

لكن إلى جانب هذه الأسباب الكلاسيكية التي تفسر الحرقة و نجدها في معظم الدراسات التي تعرضت إلى ظاهرة اجتياز الحدود خلسة إلى السواحل الإيطالية والتي هيمنت لفترة على فهم هذه الظاهرة ، فإن اللافت في موضوع الهجرة غير النظامية أن مسلسل «حرقة « للمخرج الأسعد الوسلاتي الذي تم بثه في رمضان هذا العام قد كشف عن حقائق أخرى وقدم رؤية مختلفة عن السردية الكلاسيكية التي تم الترويج لها وصورة غير مألوفة عن الحارقين تفرض علينا إعادة التفكير في هذه الظاهرة المجتمعية التي تتعب الجميع فميزة هذا المسلسل في كونه تناول موضوع الهجرة غير النظامية من منطلقات مغايرة للمضامين السائدة وفق رؤية تسلط الضوء على الأسباب التي لا يتم في الغالب التعرض لها عند الحديث عن « الحرقة « التي غالبا ما تقدم على أن وراءها أسباب اجتماعية من فقر وبطالة وقلق الشباب وحيرته  وكونها خيار فردي يتخذه الشاب في مرحلة من حياته لتحسين حاله حيث قدم المسلسل صورة الشاب الذي تدفعه العائلة إلى الهجرة رغم أنه لم يفكر فيها وذلك تحت وطأة الحاجة والاكراهات الاجتماعية فكانت هجرته السرية خيارا مفروضا عليه لتحسين وضع العائلة وهي صورة الشاب من حي سيدي فتح الله بمنطقة جبل الجلود الذي تعيش عائلته وضعا مزريا للغاية فتقرر الأم « وجيهة الجندوبي « التي فقدت زوجها إلى تسفير إبنها إلى سواحل إيطاليا بعد أن وفرت له ثمن الحرقة حيث سئمت من وضعها المتعب وعجزها على إعالة أبنائها الثلاث واعتبرت أنه يجب على أحد أفراد العائلة أن يضحي واختارت أبنها لهذه الغاية  ليغادر البلاد خلسة من أجل البقية .» كان لازم واحد فينا يضحي «.

توترات أسرية

وصورة المرأة التي تعيش توترا أسريا ورفض الأسرة لها وهي حالة الممثلة « عائشة بن أحمد « بعد أن اختارت العيش مع رجل خارج إطار الزواج واعتقدت أنها سوف تبني معه مستقبلا وحياة ناجحة  غير أنه غدر بها  وتركها وحيدة  وفي بطنها مولود ومن دون سند عائلي ومجتمعي « فحرقتها « لم تكن من أجل العمل أو تحسين الوضع الاجتماعي وإنما هربا من الرفض العائلي و الوصم الاجتماعي حيث أن المجتمع لا يقبل بوضعية النساء العازبات  ومن أجل البحث عن اعتراف جديد لم تجده في وطنها، وقد تجده في بلد الطليان تقول في المسلسل مخاطبة والدتها « الحرام موش إلي أنا عملتو لما حبلت من رجل منيش معرسة بيه وإنما الحرام إلي تعمل فيه إنت يا أمي لما طردتني ونكرتني .. البلاد التي تستعار بأبنائها هي بلاد ما عادش فيها  عيشة …» .

 وأخيرا صورة الفتاة التي تدرس و التي فقدت أبويها وفقدت أختها الوحيدة التي تقضي عقوبة في السجن وهي لا تعرف وضعا اجتماعيا محرجا بل على العكس كانت تعيش وضعا هادئا لكنها قررت الحرقة نزولا عند رغبة الشاب الذي أحبته وتعلقت به بعد أن قرر الحرقة فكانت هجرتها السرية ليس اضطرارا ورغبة منها في تحسين حالها وإنما تلبية  لرغبة فتى أحلامها الذي وفرت له ثمن الحرقة لتجد نفسها تعيش معاناة لم تفكر فيها في إحدى مراكز الحجز الايطالي بعد رحلة في عرض البحر نجت فيها بأعجوبة بعد توقف محرك القارب عن الاشتغال تعرفت فيها على حقيقة الشاب الذي غامرت من أجله .

ما هو مفيد في مسلسل « حرقة « في كونه تطرق لموضوع الهجرة السرية من زاوية جديدة تختلف عن كل الرؤى السابقة تعتبر أنه رغم كل ما يقال عن مسؤولية الدولة فيما يحصل من مغادرة آلاف الشباب التونسي أرض الوطن خلسة وبطريقة غير قانونية ومسؤوليتها في عدم توفير الظروف الملائمة التي تجعل الفرد يعيش بكرامته في وطنه ومسؤوليتها في مواصلة السياسات الفاشلة التي عمقت التهميش والفقر والبطالة فإن الكثير من حالات الحرقة ليست على هذه الشاكلة ولا هذه هي دوافعها الحقيقية وإنما وراءها قصص أخرى وسرديات مختلفة لم تجد المخرج في الحل الجماعي وهو حل الدولة والمجتمع وإنما في الحل الفردي . يقول صاحب القارب ومنظم الحرقة « أنا على الأقل حليتلهم ثنيا الدولة عجزت عن حلها لهم  وكل واحد وقصتو في الحرقة … «

كذبة كبيرة…

ما هو مفيد الذي ابرزه هذه المسلسل أنه كشف الكذبة الكبيرة التي تسوق إلى أن الحل في مشاكل الشباب يكون في الحرقة وأن الطريق لعجزه الاجتماعي وعجزه في إيجاد حل في بلاده هو الهجة والحرقة ومغادرة البلاد خلسة وأن الحلم بغد أفضل وحياة أحسن و وضع مغاير في بلد الطليان هو في الحقيقة تزييف الوعي وهو بحث وهمي نحو حياة أحسن من الحياة في تونس فجاء الكثير من الحديث في هذا المسلسل معبرا  عن هذه الحلمة التي يعتقد فيها الكثير من الشباب غير أنها في النهاية اتضح أنها حلمة كاذبة وحل خاطئ تقول وجيهة الجندوبي إحدى بطلات المسلسل تعليقا على خيارها الخاطئ « ما دمنا نحن الوالدين ما عرفناش نستحفظوا على أولادنا ما نجموش نلومو الدولة على أنها لم تستحفظ عليهم .»

ما يمكن قوله هو أن ظاهرة « الحرقان « إلى بلد الطليان هي ظاهرة متحركة ومتحولة و لا يمكن حصرها في غايات محددة وأسباب معينة وهي سرديات مختلفة ولكل حارق قصته الخاصة به لكن في الغالب فإن إجابات الشباب حول المبررات والدوافع هي إجابات مزيفة عن حلم خادع  من مثل « لم يعد لنا مكان في هذه البلاد .. ليس لدينا خيار غير الهجرة .. أن أعيش « زبالا « في إيطاليا أفضل من أن أكون عاملا يوميا في تونس ..»